Uploaded by common.user19332

التمشاية بين أبواب دمشق

‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫"التمشاية"‬
‫بي أبواب مدينة دمشق بمحاذاة ُ‬
‫ن‬
‫ورها‪:‬‬
‫س‬
‫ِ‬
‫يليها‬
‫دمشق ن‬
‫بي سورين‪.‬‬
‫الذهب‬
‫فارس‬
‫ي‬
‫‪2026‬‬
‫‪1‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫يقتب المرء من مدينة عادية‪ ،‬بل كما ر‬
‫نقتب من دمشق القديمة ال نفعل ذلك كما ر‬
‫حي ر‬
‫يقتب من ٍّ‬
‫ن‬
‫نص‬
‫ٍ‬
‫ٌ‬
‫عرف نفسها بالساحات‪ ،‬وأخرى ُت ِّ‬
‫مدن ُت ِّ‬
‫عرف نفسها باألنهار‪ّ ،‬أما دمشق‬
‫مكتوب بالحجر‪ .‬هناك‬
‫كثيف‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ٌ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ِّ‬
‫‪.‬‬
‫‪:‬‬
‫فتبدو ـ منذ البدء ـ كأنها تعرف نفسها بالحد بالسور هذا الحد ليس جدارا وظيفيا فحسب‪ ،‬بل فكرة كاملة‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫جلد‪ ،‬وللحياة ٌ‬
‫عن المدينة‪ ،‬عن ن‬
‫شكل يمكن اإلمساك به‪ .‬السور هنا‬
‫إطار‪ ،‬وللذاكرة‬
‫معن أن يكون للعمران‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫ُ ّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ّ ‪ .‬ن‬
‫وف اللحظة ر‬
‫الن يولد‬
‫ويعلم الخارج كيف يتهيب‬
‫ليس قيدا‪ ،‬بل كتابة عمودية‪ُ :‬يعلم الداخل كيف يتذكر‪،‬‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ً ن‬
‫ن‬
‫بمعن وصفها ثقوبا يف الحجر‪ ،‬بل بوصفها الفلسفة العملية للحد‬
‫فيها السور تولد معه األبواب‪ ،‬ليست‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ّ‬
‫تتحول إىل‬
‫تحم نفسها دون أن‬
‫لمدينة أن تكون مغلقة ومفتوحة يف الوقت ذاته‪ ،‬أن‬
‫نفسه‪ :‬كيف يمكن‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫رقت حجري‪ ،‬وأن تستقبل العالم دون أن تذوب فيه‪ .‬الباب هو التناقض المدار بحكمة‪ ،‬هو الحدود ن‬
‫حي‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫تتأنسن‪ ،‬ن‬
‫حي تسمح للعبور أن يكون فعال له طقسه ومهابته وقوانينه‪.‬‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ه‬
‫الباب يف جوهره ليس "مدخال" بل "عتبة"‪ ،‬والعتبة يف الثقافة اإلنسانية أقدم من العمارة نفسها‪ :‬ي‬
‫وبي أمن ومجازفة‪ .‬علماء اإلنسان ن‬
‫بي داخل وخارج‪ ،‬ن‬
‫هوية وأخرى‪ ،‬ن‬
‫حالي‪ ،‬ن‬
‫ن‬
‫انتقال ن‬
‫حي‬
‫بي‬
‫بي‬
‫لحظة‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ر‬
‫طرف بشكل‬
‫تنتم إىل أي‬
‫الن ال‬
‫وصفوا‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫طقوس العبور ربطوا العتبات دائما بلحظة الالمكان‪ :‬المنطقة ي‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫كامل‪ ،‬ألنها تنتج ن‬
‫معن التحول ذاته ‪ (van Gennep, 1909).‬لهذا يملك الباب جاذبية رمزية تتجاوز‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫النتة‪ ،‬ينخفض الصوت أو يرتفع‪ ،‬تشتد الرقابة أو ن‬
‫يلي التفاوض‪،‬‬
‫مادته‪ :‬عنده تتبدل الرسعة‪ ،‬تتغت ر‬
‫ر ً‬
‫أعت"‪ .‬الفيلسوف الفرنش باشالر كان يرى أن البيت ّ‬
‫ّ‬
‫يتكون‬
‫ويتحول‬
‫المش نفسه إىل ما يشبه اعتافا‪" :‬أنا ر‬
‫ي‬
‫ي‬
‫يتكون من طوابق حجر‪ ،‬وأن العتبات نف ّ‬
‫من طبقات خيال بقدر ما ّ‬
‫أي مكان ليست عنارص معمارية ثانوية‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫بل مفاصل شعورية تعيد ترتيب العالقة بي اإلنسان والفضاء ‪ (Bachelard, 1958).‬فإذا نقلنا هذه‬
‫باب ليس مجرد اتجاه‬
‫مدينة كاملة تصبح أبواب دمشق أشبه بمفاصل نفسية للمدينة‪ :‬كل‬
‫الفكرة إىل‬
‫ٍ‬
‫ٍ ً‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫ن‬
‫ّ‬
‫ر‬
‫عت القرون ويبق "نصه" ثابتا‪ :‬الحارس‪ ،‬القافلة‪،‬‬
‫اف‪ ،‬بل مزاج‪ ،‬وذاكرة‪ ،‬ومشهد متكرر تتبدل أزياؤه ر‬
‫جغر ي‬
‫الراحل‪ ،‬العائد‪ ،‬الفاتح‪ ،‬الهارب‪ ،‬المتسول‪ ،‬القديس‪ ،‬الجندي‪ ،‬الصديق الذي ينتظر‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫لكن دمشق ال ن‬
‫تكتق بفلسفة العتبة؛ إنها تضيف إىل الباب طبقة أعىل من الرمزية‪ ،‬طبقة كونية تقيم صلة‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫بي الحجر والسماء‪ .‬ن يف المدونات الدمشقية الوسيطة نقرأ أخبارا عن بناء المدينة "عىل الكواكب السبعة"‪،‬‬
‫ُ ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫تتحول بوابات المدينة إىل ما‬
‫باب نسبا كوكبيا وصورة كانت تعلق عليه أو تنقش قربه‪ ،‬بحيث‬
‫وعن أن لكل ٍ‬
‫ُ‬
‫ّ ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫يشبه خريطة سماوية مصغرة‪ ،‬توضع عىل األرض لتفهم السماء‪ ،‬أو تستدىع السماء لترسع األرض‪ .‬هذه‬
‫الرواية يوردها ابن عساكر ضمن أخبار بناء دمشق‪ ،‬وفيها أن المدينة ُجعلت عىل الكواكب السبعة‪ ،‬وأن‬
‫ُ‬
‫صور الكواكب كانت عىل األبواب‪ ،‬وأن باب كيسان نسب إىل زحل ن يف تلك األخبار (ابن عساكر‪ ،‬كما ن يف‪:‬‬
‫القوص‪ ،‬تاريـ ــخ مدينة دمشق)‪ .‬ومهما كانت درجة التاريخية الحرفية لهذه التفاصيل‪ ،‬فإن قيمتها هنا ال‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫تكمن ن يف أن نأخذها كحقيقة هندسية مؤكدة‪ ،‬بل أن نقرأها كطريقة دمشقية قديمة لفهم معن المدينة‪ :‬أن‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫عت " ن‬
‫عت فتحة‪ .‬ن‬
‫حي تقول‬
‫يتحول الدخول إليها إىل‬
‫نظام رمزي يحرسها‪ ،‬وأن‬
‫يكون لها‬
‫معن" ال ر‬
‫عبور ر‬
‫ٍ‬
‫ٌ‬
‫فه ال تتحدث عن الفلك بقدر ما تتحدث عن الرهبة‪ ،‬عن الحاجة إىل أن‬
‫مدينة عن أبوابها إنها كواكب‪ ،‬ي‬
‫ً‬
‫ٌ‬
‫ن‬
‫الفوص اليومية‪.‬‬
‫ترتيب أعىل من‬
‫يبدو العالم قابال للقراءة‪ ،‬وأن يكون للمدينة‬
‫‪2‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ٌ‬
‫ر‬
‫ميم‬
‫وإذا انتقلنا من طبقة الرمز إىل طبقة التاريـ ــخ الصلب‪ ،‬سنجد أن دمشق مدينة عاش فيها الزمن كت ٍ‬
‫دائم‪ .‬أقدم الشواهد المادية المرئية اليوم ألسوار دمشق وأبوابها تعود ـ كما تؤكد وثائق ر‬
‫العالم ـ إىل‬
‫التاث‬
‫ي‬
‫الحقبة الرومانية‪ ،‬حيث ما يزال ٌ‬
‫معتت من مخطط األسوار وبعض األبواب يحمل طابع تلك المرحلة‪،‬‬
‫جزء ر‬
‫ُ‬
‫ر‬
‫حن لو أعيد بناؤه أو ض ّم إىل عمران الحق ‪ (UNESCO, 2025).‬هذا مهم ألنه يضع أمامنا مفارقة دمشقية‬
‫ر‬
‫الن‬
‫دقيقة‪ :‬المدينة أقدم بكثت من آثارها المرئية‪ .‬دمشق اآلرامية‪ ،‬دمشق مملكة "آرام دمشق"‪ ،‬دمشق ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫كحارصة مزدهرة قبل أن يصلنا حجرها المحفوظ‪.‬‬
‫نطيي‪ ،‬كانت موجودة‬
‫والبت‬
‫سبقت اإلسكندر والرومان‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ماديا من السور والبوابات ليس بالضورة أقدم ما وجد‪ ،‬بل أقدم ما نجا‪ .‬الفارق ن‬
‫بي "األقدم"‬
‫لكن ما يصلنا‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ٌ‬
‫ر‬
‫بق قابال‬
‫و"األقدم ا ي‬
‫لمرئ" هو مكان خصب للكتابة‪ ،‬ألنه يعلمنا أن التاريـ ــخ ليس ما حدث فقط‪ ،‬بل ما ي‬
‫للعثور عليه‪.‬‬
‫ن‬
‫ن‬
‫شبكة واضحة‪ ،‬ومحورها األشهر "الشارع‬
‫الرومائ أخذت دمشق شكل المدينة المخططة عىل‬
‫يف العهد‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫الكتى عند نهاياته كأنها نقطتا‬
‫المستقيم" ‪ VIA RECTTA‬الذي يشق المدينة شقا وغربا‪ ،‬وتقوم األبواب ر‬
‫ّ‬
‫تنفس للمدينة‪ ،‬ال نقطتا خروج فقط‪ .‬دراسات حديثة عن الشارع المستقيم تؤكد أن باب ش ر يف هو أقدم‬
‫بناء ّبوائ قائم نف دمشق‪ ،‬وأنه يقع نف موضع كان ُي ّ‬
‫سم "باب الشمس"‪ ،‬نف عالقة واضحة ن‬
‫بي االتجاه‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ري‬
‫(الرسق) والرمز (الشمس) والوظيفة (بوابة الشارع األعظم) ‪( research paper (Nylund, 2016).‬هذه‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫جماليا‪ ،‬بل ٌ‬
‫جزء من عقل المدينة‪ :‬الرومان لم يبنوا بوابة وحسب‪ ،‬بل بنوا نظاما‬
‫العالقة ليست تفصيال‬
‫ً‬
‫ُّ‬
‫للحركة‪ ،‬والبوابة ه العقدة ر‬
‫الن تشد هذا النظام من طرفه‪ .‬ومن هنا نفهم لماذا يبدو باب ش ر يف مختلفا‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ُ‬
‫ر‬
‫كآلة‬
‫حن اآلن‪ :‬ليس ألنه أقدم من غته فقط‪ ،‬بل ألنه و ِلد أصال يف قلب‬
‫مخطط ر‬
‫إمتاطوري يرى المدينة ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٌ‬
‫مدنية‪ :‬شارع‪ ،‬أعمدة‪ ،‬تقاطعات‪ ،‬وبوابات ّ‬
‫الكتى‪.‬‬
‫تتوج المحاور ر‬
‫ر‬
‫ن‬
‫لتلغ الرومانية بل لتعيد استخدامها وتعيد تأويلها‪ .‬ن‬
‫ن‬
‫بتنطة ورثت المدينة‬
‫ثم ي‬
‫تأئ الحقبة البتنطية ال ي‬
‫الرومانية ولم تبدأ من فراغ‪ :‬حافظت عىل شبكتها األساسية‪ ،‬وأعادت ترتيب قدسيتها حول الكنائس‬
‫ً‬
‫أيضا عنارص نف حياة المدينة الدينية واالجتماعية‪ .‬هنا تصبح البوابة ر‬
‫أكت‬
‫والطقوس‪ ،‬وصارت األبواب‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫تعقيدا‪ :‬ليست حدودا دفاعية فقط‪ ،‬بل أيضا حدودا للطقس‪ ،‬للموكب‪ ،‬للزيارة‪ ،‬للموضع الذي يعلن فيه‬
‫القادم عن نفسه‪ .‬ن‬
‫أكت من اسم نف ر‬
‫وف مثل هذه المدن‪ ،‬يمكن لباب أن يحمل ر‬
‫أكت من عض‪ ،‬ألن االسم‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫نفسه يصبح وثيقة‪ :‬كل تسمية ه ٌ‬
‫ختم حضاري عىل الحجر‪ .‬لهذا نجد ن يف دمشق أبوابا بأسماء‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫مكانيةوأخرى بأسماء جنائزية أو فردوسية أو توصيفية‪ ،‬كأن المدينة توزع مشاعرها عىل منافذها يك ال‬
‫تنفجر ن يف الداخل‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً ً‬
‫ً‬
‫لكن ما الذي يجعل الباب يستحق كتابا ن يف أدب الرحلة‪ ،‬ال كتابا أثريا أو تاريخيا محضا؟ ألن الباب هو‬
‫ن‬
‫يختن الزمن كطبقات ترميم‪ ،‬أما ن يف الباب فهو‬
‫المكان الذي يتجسد فيه التاريـ ــخ‬
‫كفعل مباش‪ .‬يف السور ر‬
‫ٍ‬
‫ن‬
‫يظهر كحدث ومواجهة‪ .‬ن‬
‫نستدىع مشهد فتح دمشق يف المصادر اإلسالمية نلتى كيف يصبح‬
‫يكق أن‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫لمعن األبواب نفسها‪ .‬ابن كثت يروي تفاصيل الحصار ويذكر توزع القادة عىل‬
‫توزيـ ــع الجيوش توزيعا‬
‫ر‬
‫ن‬
‫ن‬
‫األبواب‪ ،‬ن ن‬
‫فيتل خالد بن الوليد عند الباب الرس يف‪ ،‬ويتل أبو عبيدة بن الجراح عند باب الجابية‪ ،‬وتتوزع‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫مدخال‪ ،‬ر‬
‫حن تنفك‬
‫بقية القوى عىل بقية المنافذ‪ ،‬كأن المدينة ال تفتح دفعة واحدة بل تقاس بوابيا‪ ،‬مدخال‬
‫ر ُ‬
‫ن‬
‫الن نسبت إىل ابن عساكر‪ ،‬يتكثف المشهد‬
‫عقدة السور (ابن كثت‪ ،‬تاريـ ــخ مدينة دمشق)‪ .‬ي‬
‫وف الروايات ي‬
‫‪3‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ٌ ن‬
‫ٌ‬
‫ر‬
‫ٌ‬
‫شائكا عن ن‬
‫معن الفتح نفسه‪:‬‬
‫أكت‪:‬‬
‫لقاء يف الداخل يفرض سؤاال‬
‫اقتحام عند باب‪ ،‬ثم‬
‫تفاوض عند باب‪،‬‬
‫ً‬
‫ن ن‬
‫صلحا أم ُعنوة؟ ُّ‬
‫وفلسق يف وقت‬
‫سياس‬
‫سؤال‬
‫هذا‬
‫الجديد؟‬
‫تعريفها‬
‫المدينة‬
‫يعط‬
‫باب‬
‫أي‬
‫هل كان‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫واحد‪ :‬ألن الباب الذي يفتح بالقوة ال يشبه الباب الذي يفتح بالتفاوض‪ ،‬ر‬
‫حن لو دخل الناس من كليهما إىل‬
‫المدينة ذاتها‪.‬‬
‫ُ‬
‫هذه الرحلة ليست حول "كم باب لدمشق" فقط‪ ،‬بل حول ن‬
‫معن أن ترى المدينة من عتباتها‪ .‬أنت تكتب‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫كصفحة يف‬
‫باب‬
‫دمشق كما تكتب الكتب القديمة‪ :‬من‬
‫ٍ‬
‫الحواس‪ ،‬من الفواصل‪ ،‬من أماكن التماس‪ .‬كل ٍ‬
‫ي‬
‫ن‬
‫نص الحجر الذي يروي عضه المعماري‪ّ ،‬‬
‫وف كل صفحة ستجد ثالثة نصوص رتتاكب‪ّ :‬‬
‫نص‬
‫تاريـ ـ ٍـخ طويل‪ ،‬ي‬
‫ّ‬
‫الحدث الذي ّ‬
‫ونص المخيال الذي يربطه بالكواكب وباألسماء‬
‫عته كجيش أو قافلة أو جنازة أو موكب‪،‬‬
‫يمر ر‬
‫ً‬
‫ر‬
‫الن تجعل من دمشق مدينة "مقروءة" ال "مبنية" فقط‪ .‬ن‬
‫وبي هذه النصوص‬
‫المتعددة وبالحكايات ي‬
‫ر‬
‫الن تناولت فكرة‬
‫سياج‬
‫ستظهر وظيفة السور نفسها‪ :‬ليس مجرد‬
‫خوف‪ ،‬بل جهاز ذاكرة‪ .‬الدراسات ي‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫األسوار نف دمشق تؤكد أن الحدود المادية كانت دائما مرتبطة بحدود رمزية؛ وأن ن‬
‫المسورة"‬
‫معن "المدينة‬
‫ي‬
‫ن‬
‫يتجاوز الدفاع ليصل إىل تشكيل الهوية‪ ،‬وكيف يرى الناس أنفسهم كأهل "داخل" يف مواجهة "خارج"‬
‫ً‬
‫يتحول ّ‬
‫بتغت السياسة والحرب ‪ (Halabi, 2017).‬لهذا ر‬
‫ّ‬
‫حيا ر‬
‫حن ن‬
‫حي يتآكل‪ :‬ألنه ال يعيش‬
‫يبق السور‬
‫كحجر فقط‪ ،‬بل كعادة نظر‪.‬‬
‫)‪* Halabi, Nour (2017‬‬
‫‪“The Ancient Walls of Damascus and the Siege of Mouaddamiyya: Bounded Space, Cultural Memory, and Urban‬‬
‫”‪Identity‬‬
‫‪Space and Culture, Vol. 20, No. 4, pp. 441–453.‬‬
‫شاهد مادي قائم يمكن رصده‬
‫أما سؤال أقدم إشارة لبناء الباب فهو سؤال ُيلزمنا بالدقة‪ :‬إذا قصدنا أقدم‬
‫ٍ‬
‫ن‬
‫الرومائ‪ ،‬وباب ش ر يف هو المثال األقوى لكونه يحتفظ بعنارص معمارية‬
‫ودرسه‪ ،‬فاألرجح أنه من العض‬
‫ي‬
‫ً‬
‫رومانية واضحة ومرتبطا بمحور الشارع المستقيم‪ (Nylund, 2016‬؛ ‪ UNESCO, 2025).‬وإذا قصدنا‬
‫أقدم إشارة نصية لوجود سور‪/‬بوابات نف دمشق قبل ذلك‪ ،‬فالنصوص القديمة ّ‬
‫تلمح إىل تحصينات‬
‫ً ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫لباب بعينه‪ ،‬وهو أمر مألوف يف مدن الرسق القديم حيث‬
‫تفصيليا‬
‫معماريا‬
‫وصفا‬
‫المدينة دون أن تمنحنا‬
‫ً‬
‫ٍ ً‬
‫ُ‬
‫ر‬
‫ن‬
‫والمرئ‪:‬‬
‫ام‬
‫ي‬
‫تذكر األسوار كعالمة سيادة وقوة أكت من كونها وصفا تقنيا‪ .‬هنا تظهر فجوة خصبة بي اآلر ي‬
‫حارصة كقوة سياسية وثقافية‪ ،‬غت أن مادتها ّ‬
‫دمشق اآلرامية ن‬
‫البوابية ال تصلنا بالوضوح نفسه الذي وصلت‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫به مادتها الرومانية‪ .‬هذا الغياب ال يشكل نقصا ن يف الرسد‪ ،‬بل يفتح طبقة أعمق من القراءة‪ ،‬إذ يسمح بتتبع‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ماديا تظل ن‬
‫ر‬
‫حارصة بوصفها احتماالت‬
‫الن لم تصلنا‬
‫ما فقد بقدر ما‬
‫بق‪ .‬فاألبواب ي‬
‫يسمح بتفكيك ما ي‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫المتحول‪ ،‬بحيث يصبح‬
‫تاريخية‪ ،‬ومواضع أعيدت تسميتها أو أعيد بناؤها أو ذابت ن يف نسيج المدينة‬
‫ً‬
‫ً‬
‫الغياب نفسه جزءا من تاريـ ــخ العمران‪ ،‬ال فراغا فيه‪.‬‬
‫ٌّ ِّ‬
‫يولد ن‬
‫معن‬
‫بهذه الروح يبدأ المسار من السور‪ ،‬ال بوصفه بداية تاريخية بقدر ما هو بداية فلسفية‪ :‬حد‬
‫ِّ‬
‫يولد شكلها‪ .‬ثم ر‬
‫تأئ األبواب‪ ،‬ال ألن الباب أهم من السور‪ ،‬بل ألن الباب هو اللحظة ر‬
‫الن‬
‫المدينة قبل أن‬
‫ي‬
‫ًي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫َّ‬
‫ن‬
‫ينفتح فيها المعن عىل العالم‪ .‬يف دمشق ال يدخل العالم مدينة محايدة‪ ،‬بل مدينة مفرسة سلفا‪ ،‬مدينة‬
‫‪4‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ً ن ً‬
‫ّ‬
‫فتيائيا‬
‫حولت عتباتها إىل أرشيف‪ ،‬ومنافذها إىل أبجدية حجرية‪ .‬فالحركة نحو الباب ليست عبورا‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ر‬
‫عت تاريخها الطويل‪ ،‬ن‬
‫بي‬
‫الن وازنت بها‪ ،‬ر‬
‫فحسب‪ ،‬بل قراءة يف كيفية رؤية المدينة لنفسها‪ ،‬ي‬
‫وف الطريقة ي‬
‫بي الوظيفة والرمز‪ ،‬ن‬
‫الخوف والحلم‪ ،‬ن‬
‫وبي السياسة والسماء‪.‬المراجع وفق هارفارد‬
‫‪Bachelard, G. (1958) La Poétique de l’espace. Paris: Presses Universitaires de‬‬
‫‪France.‬‬
‫‪Halabi, N. (2017) ‘The Ancient Walls of Damascus and the Siege of‬‬
‫‪Mouaddamiyya: A Historical and Spatial Analysis of Bounded Place and Cultural‬‬
‫‪Identity’, Space and Culture, 20(4), pp. 441–453.‬‬
‫‪( Ibn Kathir‬بدون تاريـ ــخ عىل نسخة الموقع) ‘كتاب الصلح إىل أهل دمشق’ ضمن البداية والنهاية‪ ،‬متاح‬
‫عت مكتبة إسالم ويب‪.‬‬
‫ر‬
‫‪Nylund, J.H. (2016) ‘Straight Street (in Damascus)’. Lund University (PDF).‬‬
‫‪UNESCO (2025) ‘Ancient City of Damascus’. World Heritage Centre.‬‬
‫‪van Gennep, A. (1909) Les Rites de Passage. Paris: Émile Nourry.‬‬
‫القوص‪ ،‬نبيلة (بدون تاريـ ــخ نرس واضح عىل الموقع) ‘سور دمشق القديم وأبوابها’‪ ،‬موقع نسيم الشام‪،‬‬
‫ً ي‬
‫ناقال عن ابن عساكر ن يف أخبار بناء دمشق واألبواب والكواكب‪.‬‬
‫‪5‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ن‬
‫المعب‪ :‬الجهات والكواكب ن يف أبواب دمشق‪:‬‬
‫هندسة‬
‫ن‬
‫ن‬
‫األدئ‪ ،‬عىل ر‬
‫أكت من منطق واحد‪ .‬فإىل جانب ن‬
‫الضورات الدفاعية‬
‫تقوم المدن القديمة‪ ،‬يف مخيال الرسق‬
‫ٍ‬
‫ن‬
‫ٌ‬
‫واالقتصادية‪ ،‬ثمة نظام غت مرئ كان ّ‬
‫نظام يرى نف الجهة ن‬
‫وف‬
‫يوجه بناء المدينة وتسمية أجزائها‪،‬‬
‫معن‪ ،‬ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ً ن‬
‫ن‬
‫الكوئ‪ .‬ضمن هذا األفق‪ ،‬ال تفهم أبواب‬
‫االنضباط‬
‫أشكال‬
‫من‬
‫شكال‬
‫الفضاء‬
‫وف الحركة داخل‬
‫االتجاه قدرا‪،‬‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ن‬
‫دمشق وسورها بوصفها حلوال معمارية فحسب‪ ،‬بل بوصفها عنارص يف منظومة رمزية أوسع‪ ،‬تخضع‬
‫عت شبكة من العالمات والدالالت‪.‬‬
‫يقاع أعىل منه‪ ،‬وتربط األرض بالسماء ر‬
‫الحجر إل ٍ‬
‫ن يف ثقافات الرسق القديم‪ ،‬لم تكن الجهات األربــع متكافئة‪ .‬الرسق هو جهة الرسوق والبداية والبعث‪،‬‬
‫والغرب جهة الغروب واالنطفاء والنهاية‪ ،‬والشمال ّ‬
‫والتد والمجهول‪ ،‬والجنوب موضع الدفء‬
‫مقر الرياح ر‬
‫وف الفكر اآلرام‪ ،‬ن‬
‫حارص نف النصوص المسمارية‪ ،‬ن‬
‫والخصب واالستقرار‪ .‬هذا ر‬
‫التاتب الجهوي ن‬
‫وف‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ر‬
‫والرومائ عىل السواء‪ ،‬حيث لم يكن اختيار المحاور والبوابات اعتباطيا‪ ،‬بل خاضعا‬
‫الهيلنسن‬
‫التخطيط‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ر‬
‫ّ‬
‫كوئ يرى المدينة صورة مصغرة عن العالم ‪ (Sauvaget, 1934).‬من هنا‪ ،‬يصبح الباب أكت من‬
‫لتصو ٍر ي‬
‫بي الفضاء المفتوح والنظام الداخىل‪ ،‬ن‬
‫بي الجهة ومعناها‪ ،‬ن‬
‫فتحة نف السور‪ :‬إنه نقطة تماس ن‬
‫بي ما ُيخش‬
‫ي‬
‫ي‬
‫وما ُيحتوى‪.‬‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫عت عصور متعاقبة‪ .‬فالمدينة‬
‫دمشق‪ ،‬بوصفها مدينة ذات استمرارية استثنائية‪ ،‬حملت هذا‬
‫التصور ر‬
‫ً‬
‫ً‬
‫اآلرامية ر‬
‫الن قامت عاصمة لمملكة قوية ن يف األلف األول قبل الميالد كانت جزءا من عالم يرى العمران‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫امتدادا للسلطة والطقس معا‪ .‬ورغم أن المادة المعمارية اآلرامية ألسوار دمشق وأبوابها لم تصلنا بشكل‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫محصنة ومركز حكم‪ ،‬ر‬
‫يفتض‬
‫مباش‪ ،‬فإن حضور المدينة ن يف النصوص اآلشورية واآلرامية‪ ،‬بوصفها مدينة‬
‫وجود منظومة ّبوابية تؤدي وظيفة سياسية ورمزية ن يف آن ‪ (Burns, 2005).‬غياب الشاهد المادي هنا ال‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫تبق بنيتها الرمزية ر‬
‫انيا مع كل عض‪ ،‬فيما ر‬
‫ن‬
‫أكت ثباتا‬
‫يلغ الفكرة‪ ،‬بل يؤكد أن المدينة كانت تعاد كتابتها عمر‬
‫ي‬
‫من حجارتها‪.‬‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ر‬
‫ائ الواضح‪ ،‬حيث ترسم‬
‫الهيلنسن ثم‬
‫مع العض‬
‫الرومائ‪ ،‬تدخل دمشق طورا جديدا من التنظيم العمر ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫المدينة عىل شبكة محاور متقاطعة‪ ،‬ويعط الشارع المستقيم دور العمود الفقري‪ ،‬وتنشأ األبواب عند‬
‫ن‬
‫يلغ التصورات السابقة‪ ،‬بل يعيد صياغتها بلغة‬
‫نهاياته كعالمات سيادة وانتظام‪ .‬هذا التخطيط ال ي‬
‫ر‬
‫المنته بباب ش ر يف من جهة وببوابة غربية من الجهة المقابلة‪ ،‬يعيد‬
‫الغرئ‪،‬‬
‫ر‬
‫ي‬
‫إمتاطورية‪ .‬فالمحور الرس يف– ر ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫كوئ–‬
‫فعل مكرس ضمن نظام ي‬
‫إنتاج ثنائية الرسوق والغروب يف قلب المدينة‪ ،‬ويحول الحركة اليومية إىل ٍ‬
‫ن‬
‫سياس ‪ (Burns, 2005).‬هنا يصبح الباب أداة ضبط للحركة‪ ،‬لكنه يحتفظ يف الوقت نفسه بعمقه‬
‫ي‬
‫الرمزي القديم‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫نف هذا السياق‪ ،‬تكتسب الروايات ر‬
‫الن تتحدث عن بناء دمشق عىل الكواكب السبعة أهمية خاصة‪ ،‬ال‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫وىع رمزي بالعمران‪ .‬يورد ابن عساكر ن يف تاري ــخ مدينة‬
‫عن‬
‫ا‬
‫تعبت‬
‫بوصفها‬
‫بل‬
‫‪،‬‬
‫حرفيا‬
‫هندسيا‬
‫وصفا‬
‫بوصفها‬
‫ٍي‬
‫ُ ّ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫صور كانت تنقش أو تعلق عليها‪ ،‬بما يجعل المدينة‬
‫دمشق أخبارا عن نسب األبواب إىل الكواكب‪ ،‬وعن‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ه محروسة ماديا بالسور (ابن عساكر‪ ،‬دون تاريـ ــخ)‪ .‬الكوكب هنا ليس‬
‫محروسة رمزيا من السماء كما‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ِّ‬
‫ن‬
‫العلم الحديث‪ ،‬بل قوة منظمة‪ ،‬حارسا زمنيا‪ ،‬وإشارة إىل أن المدينة ال تعيش خارج‬
‫بالمعن‬
‫جسما فلكيا‬
‫ي‬
‫الكون‪ ،‬بل داخله‪.‬‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫هذا الربط ن‬
‫بي الباب والكوكب يجد له أصداء يف ثقافات أخرى معارصة أو أقدم‪ ،‬حيث تربط األيام‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ّ‬
‫بالكواكب‪ ،‬وتوزع الوظائف واألقدار وفق هذا النسق‪.‬‬
‫تتحول هذه‬
‫وف دمشق‪ ،‬كما يف مدن شقية أخرى‪،‬‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫حن وإن تالس تمثيلها المادي‪ .‬فاألسماء ر‬
‫األفكار إىل جزء من الذاكرة المدينية‪ ،‬ر‬
‫تبق‪ ،‬والروايات تعاد‬
‫صياغتها‪ ،‬والباب يستمر بوصفه عالمة عىل ن‬
‫معن أوسع من وظيفته الدفاعية‪.‬‬
‫ن‬
‫تختق هذه البنية‪ ،‬بل تتداخل مع ّ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫تصورات مسيحية جديدة للمدينة والجهة‪.‬‬
‫نط‪ ،‬ال‬
‫ي‬
‫ومع التحول البت ي‬
‫ُ‬
‫فالرسق‪ ،‬بوصفه موضع النور والقيامة‪ ،‬يكتسب كثافة إضافية‪ ،‬وتعاد قراءة األبواب ضمن شبكة من‬
‫ن‬
‫المعائ الطقسية والموكبـية‪ .‬األبواب تصبح نقاط عبور للطقس كما للجسد‪ ،‬وتدخل ن يف حياة المدينة‬
‫ي‬
‫ً ّ‬
‫مقدسة بقدر ما ه حدود سياسية ‪ (Sauvaget, 1934).‬هذه الطبقة ن‬
‫البتنطية‬
‫اليومية بوصفها حدودا‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ر‬
‫ن‬
‫ستتك أثرها الحقا ن يف التقاليد اإلسالمية المدينية‪ ،‬حيث ال يلغ ما سبق بل يعاد تأويله‪.‬‬
‫ً‬
‫من هنا‪ ،‬يمكن فهم أبواب دمشق بوصفها نظاما قبل أن تكون مفردات منفصلة‪ .‬كل باب يؤدي وظيفته‬
‫ً‬
‫داخل ٍّ‬
‫كل متكامل‪ ،‬وكل تسمية تحمل أثرا من زمنها‪ ،‬وكل جهة تفتح عىل مخيال خاص بها‪ .‬إن االنتقال من‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ر‬
‫ن‬
‫المعن‪.‬‬
‫وحي‬
‫الن يتكثف عندها‬
‫السور إىل األبواب هو انتقال من‬
‫اإلطار إىل المفصل‪ ،‬من الكل إىل النقطة ي‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫تغ حدودها‪،‬‬
‫تبدأ قراءة األبواب واحدا واحدا‪ ،‬فإنها تقرأ بوصفها تجليات مختلفة‬
‫لمنطق واحد‪ :‬مدينة ي‬
‫ٍ‬
‫ّ‬
‫وتحول هذه الحدود إىل لغة‪.‬‬
‫المراجع (هارفارد)‬
‫‪Burns, R. (2005) Damascus: A History. London: Routledge.‬‬
‫( ‪Ibn ʿAsākir, ʿAlī ibn al-Ḥasan‬دون تاريـ ــخ‪) Tārīkh Madīnat Dimashq. Beirut: Dār al-‬‬
‫‪Fikr.‬‬
‫‪Sauvaget, J. (1934) Esquisse d’une histoire de la ville de Damas. Paris: Librairie‬‬
‫‪orientaliste Paul Geuthner.‬‬
‫‪7‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ُس ُ‬
‫ور دمشق‪ :‬الجدار‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ٌ ُ‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫تتكون كما ّ‬
‫دفعة واحدة‪ ،‬بل ّ‬
‫آثار تمىح جزئيا‪ ،‬وحدود‬
‫تتكون الذاكرة‪ :‬طبقات رتتاكم‪،‬‬
‫ال تظهر المدن العتيقة‬
‫ّ‬
‫‪ .‬ن‬
‫ُيعاد رسمها كلما ّ‬
‫ن‬
‫تغت معن الخطر أو تبدل تعريف الداخل والخارج يف هذا السياق‪ ،‬ال يمكن النظر إىل سور‬
‫ّ‬
‫النص األقدم الذي كتبت به المدينة عالقتها بالعالم‪.‬‬
‫دمشق بوصفه بنية دفاعية فحسب‪ ،‬بل بوصفه‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ترسيم‬
‫فالسور‪ ،‬قبل أن يكون جدارا‪ ،‬هو إعالن‪ :‬هنا تبدأ المدينة‪ ،‬وهنا يتوقف االمتداد المفتوح‪ .‬هو فعل‬
‫ٍ‬
‫ن‬
‫تحصي‪.‬‬
‫رمزي بقدر ما هو فعل‬
‫ن‬
‫باق ألسوارها‪.‬‬
‫تحصي دمشق أقدم من أقدم‬
‫تشت المصادر التاريخية واألثرية إىل أن فكرة‬
‫ٍ‬
‫شاهد مادي ٍ‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ّ‬
‫ر‬
‫الن قامت عاصمة لمملكة قوية يف القرن التاسع قبل الميالد‪ ،‬ال يمكن تخيلها خارج‬
‫فدمشق اآلرامية‪ ،‬ي‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ن‬
‫الن كانت ت ّ‬
‫األدئ ر‬
‫ن‬
‫عرف قوتها من خالل أسوارها قبل‬
‫التحصي‪ ،‬خصوصا يف سياق مدن الرسق‬
‫منطق‬
‫ي‬
‫ً‬
‫جيوشها‪ .‬غت أن المادة اآلرامية للسور لم تصلنا‪ ،‬ال ألن السور لم يكن موجودا‪ ،‬بل ألن المدينة خضعت‪،‬‬
‫ن‬
‫الحي‪ ،‬لسلسلة من عمليات الهدم وإعادة البناء جعلت الحجر األقدم يذوب ن يف األحدث‪ .‬هنا‬
‫منذ ذلك‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ن‬
‫يعن أن المدينة اختارت أن تعيد‬
‫يعن أنه لم يكن‪ ،‬بل ي‬
‫يتقدم الغياب بوصفه دليال سلبيا‪ :‬ما لم يبق ال ي‬
‫كتابة نفسها بالحجر الجديد ‪(Burns, 2005).‬‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫الرومائ‪ ،‬ن‬
‫مخطط‬
‫حي أعيد تنظيم المدينة وفق‬
‫أقدم األجزاء المرئية من سور دمشق تعود إىل العض‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫شبك واضح‪ُ ،‬‬
‫الرومائ لم يكن مجرد حزام‬
‫ائ الجديد‪ .‬هذا السور‬
‫ُي‬
‫وجعل السور إطارا لهذا النظام العمر ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ضا من عنارص المدينة القانونية والسياسية؛ فحدود المدينة كانت ت ّ‬
‫عرف من خالله‪،‬‬
‫دفاىع‪ ،‬بل عن‬
‫ُ ي‬
‫عت بوابات محددة بدقة‪ .‬الدراسات الكالسيكية عن دمشق تشت إىل أن الرومان‬
‫وتضبط الحركة إليه ومنه ر‬
‫أعادوا بناء السور عىل مسار أقدم‪ ،‬مع توسيعه وتدعيمه باألبراج‪ ،‬ما يدل عىل استمرارية موضع السور ر‬
‫حن‬
‫ٍ‬
‫مع ّ‬
‫تغت مادته‪(Sauvaget, 1934).‬‬
‫ً‬
‫جذريا‪ ،‬بل ّ‬
‫ّ‬
‫التحول ن‬
‫تغتت وظائفه الرمزية‪ .‬فالمدينة المسيحية‪ ،‬ر‬
‫الن‬
‫نط‪ ،‬لم يتغت منطق السور‬
‫البت‬
‫مع‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫أعادت توزيـ ــع قدسيتها حول الكنائس والطقوس‪ ،‬احتفظت بالسور كعنض حماية‪ ،‬لكنها أضافت إليه بعدا‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ً ّ‬
‫والمدنس‪ ،‬ن‬
‫حد ًا ن‬
‫بي الداخل الذي تقام فيه الشعائر‪ ،‬والخارج الذي‬
‫بي المقدس‬
‫طقسيا‪ :‬السور أصبح أيضا‬
‫ّ‬
‫متقلبة‪ .‬هذا البعد يظهر نف النصوص ر‬
‫الن تصف مواكب الدخول‬
‫ُيدار بعالقات سياسية وعسكرية‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ن‬
‫وف الدور الذي لعبته األبواب كأماكن إعالن واحتفال وحداد‪(Sauvaget, 1934).‬‬
‫والخروج‪ ،‬ي‬
‫ً‬
‫اإلسالم‪ ،‬يدخل السور مرحلة جديدة من حياته‪ ،‬ال بوصفه إرثا يجب هدمه‪ ،‬بل‬
‫ومع دخول العض‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ر‬
‫لغ السور‪ ،‬بل‬
‫بوصفه بنية قابلة إلعادة التأويل‪ .‬فالدولة اإلسالمية الناشئة‪ ،‬ي‬
‫الن ورثت مدينة مسورة‪ ،‬لم ت ِ‬
‫‪8‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ً‬
‫ن‬
‫أعادت استخدامه‪ ،‬وأضافت إليه‪ّ ،‬‬
‫ورممته عند الحاجة‪ .‬يف المصادر اإلسالمية المبكرة‪ُ ،‬يذكر السور دائما‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫بوصفه حقيقة قائمة‪ ،‬تدار عندها المعارك‪ ،‬وتعقد عندها الصلحيات‪ ،‬وتقاس بها قوة المدينة‪ .‬ابن كثت‪،‬‬
‫نف البداية والنهاية‪ ،‬ن‬
‫حي يروي حصار دمشق وفتحها‪ ،‬ال يصف السور بوصفه خلفية صامتة‪ ،‬بل بوصفه‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً ن‬
‫ن‬
‫‪:‬‬
‫عنضا فاعال يف الحدث عنده تتوزع الجيوش‪ ،‬وعنده تتفاوت أشكال الدخول‪ ،‬ومن خالله يتحدد معن‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫الفتح ذاته‪ ،‬صلحا كان أم عنوة (ابن كثت‪ ،‬دون تاريـ ــخ)‪.‬‬
‫ً‬
‫ن‬
‫أما ابن عساكر‪ ،‬يف تاري ــخ مدينة دمشق‪ ،‬فيمنح السور بعدا آخر‪ ،‬إذ يربطه برسديات أقدم عن بناء المدينة‬
‫ن ُ‬
‫ن‬
‫ر‬
‫كوئ‪ ،‬تنسب فيه‬
‫الن يوردها عن بناء دمشق‪ ،‬يظهر السور كجزء من نظام ي‬
‫فق ُاألخبار ي‬
‫وحراستها الرمزية‪ .‬ي‬
‫األبواب إىل الكواكب‪ ،‬وتفهم المدينة بوصفها محاطة بحراسة تتجاوز الحجر والسالح (ابن عساكر‪ ،‬دون‬
‫مدين يرى نف السور ر‬
‫ن‬
‫ن‬
‫أكت‬
‫وىع‬
‫تاريـ ــخ)‪ .‬هذه الروايات‪ ،‬مهما اختلفت درجات توثيقها‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫التاريىح‪ ،‬تكشف عن ٍي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ه مادية‪.‬‬
‫من جدار‪ :‬يراه حدا ذا معن‪ ،‬وطبقة حماية رمزية بقدر ما ي‬
‫ً‬
‫عت القرون الالحقة‪ ،‬خضع سور دمشق لعمليات ترميم وتعديل متكررة‪ ،‬خصوصا ن يف العصور األيوبية‬
‫ر‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫التحصي‪ .‬أضيفت أبراج‪ ،‬ورممت‬
‫والمملوكية والعثمانية‪ ،‬حيث تغتت تقنيات الحرب وتبدلت الحاجة إىل‬
‫ُ‬
‫وأهملت أجزاء أخرى‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬لم يفقد السور مكانته ن‬
‫ر‬
‫ن‬
‫ن‬
‫المدين‪ .‬حن حي بدأت‬
‫المخيال‬
‫ف‬
‫مقاطع‪،‬‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ي ًّ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫الجمغ‪ ،‬حدا تاريخيا يفصل‬
‫الوىع‬
‫المدينة الحديثة تتمدد خارج أسوارها‪ ،‬ظل السور عالمة فاصلة يف‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً ُ‬
‫“المدينة” عن “االمتداد”‪ ،‬ومرجعا تقاس به أصالة المكان وانتماؤه‪.‬‬
‫المعن‪ ،‬يصبح السور جهاز ذاكرة بامتياز‪ .‬هو يحتفظ بآثار الحصار‪ ،‬وبندوب ر‬
‫ن‬
‫التميم‪ ،‬وبعالمات‬
‫ن يف هذا‬
‫يعن موته الرمزي؛ فالسور يستمر بوصفه عادة نظر‪ ،‬طريقة نف ّ‬
‫ن‬
‫ن‬
‫تخيل‬
‫ي‬
‫العصور المتعاقبة‪ .‬تآكله الفت ي‬
‫يائ ال ي‬
‫ر‬
‫الن تناولت مفهوم األسوار ن يف دمشق ترى أن هذه البنية المادية‬
‫المدينة وحدودها‪ .‬الدراسات الحديثة ي‬
‫ذهن‪ُ ،‬يعاد إنتاجه ر ن‬
‫ّ‬
‫عت الزمن‪ ،‬إىل نموذج ن‬
‫عت تخطيطات‬
‫حن يف غياب الجدار نفسه‪ ،‬سواء ر‬
‫تحولت‪ ،‬ر‬
‫ي‬
‫عت حدود غت مرئية تفرضها السياسة والحرب‪(Burns, 2005).‬‬
‫إدارية‪ ،‬أو ر‬
‫ً‬
‫ن‬
‫الماص فقط‪ ،‬بل بوصفه بنية ن‬
‫ن‬
‫حارصة ن يف طريقة فهم‬
‫المعن‪ ،‬ال ُيقرأ سور دمشق بوصفه أثرا من‬
‫بهذا‬
‫ي‬
‫ن‬
‫يعط للعبور ثقله‪ ،‬وللدخول رهبة‪،‬‬
‫والمعن الذي‬
‫المدينة لنفسها‪ .‬إنه اإلطار الذي يجعل األبواب ممكنة‪،‬‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ر‬
‫وللخروج ن‬
‫األكت ثباتا ن يف‬
‫معن الفقد أو المغامرة‪ .‬من هذا الجدار تبدأ الحكاية‪ ،‬ال ألنه األقدم زمنا‪ ،‬بل ألنه‬
‫ن‬
‫المدين‪.‬‬
‫الوىع‬
‫تشكيل‬
‫ي‬
‫ي‬
‫المراجع (هارفارد)‬
‫‪Burns, R. (2005) Damascus: A History. London: Routledge.‬‬
‫( ‪Ibn Kathir, Ismāʿīl ibn ʿUmar‬دون تاري ـ ـخ‪) Al-Bidāya wa al-Nihāya. Beirut: Dār al-Fikr.‬‬
‫( ‪Ibn ʿAsākir, ʿAlī ibn al-Ḥasan‬دون تاريـ ــخ‪) Tārīkh Madīnat Dimashq. Beirut: Dār al-‬‬
‫‪Fikr.‬‬
‫‪Sauvaget, J. (1934) Esquisse d’une histoire de la ville de Damas. Paris: Librairie‬‬
‫‪orientaliste Paul Geuthner.‬‬
‫‪9‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫السور‪ :‬مادة دمشق وحدودها غت المرسومة‪.‬‬
‫ً‬
‫ّ ً‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ن‬
‫السور الذي ّ‬
‫يطوق دمشق القديمة ليس خطا واحدا متجانسا يمكن قياسه كما تقاس األسوار النموذجية يف‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ٌ‬
‫ن‬
‫كيان مركب‪ ،‬عاش قرونا من التفكيك وإعادة البناء والتبديل‪ ،‬ر‬
‫ن‬
‫حن صار يف مواضع‬
‫التحصي‪ ،‬بل‬
‫كتب‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫يختق‬
‫كثتة جزءا من نسيج السكن واألسواق‪ ،‬وليس كتلة منعزلة قائمة بذاتها‪ .‬ولهذا يبدو اليوم كأنه‬
‫ًي‬
‫ً ن‬
‫كظهر‬
‫باب أو برج‪ ،‬ثم يبتلعه العمران بعد أمتار‪ ،‬ثم يعود ثانية‬
‫مقطع مكشوف قرب‬
‫ويظهر‪ :‬يظهر فجأة يف‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ٍّ‬
‫ّ‬
‫مدينة ال تتوقف عن‬
‫يطل من خلف البيوت‪ .‬هذا التقطع ليس عرضا طارئا‪ ،‬بل نتيجة طبيعية لـ‬
‫حجري‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫عت القرون إىل ما يشبه مقلعا مفتوحا إلعادة توظيف موادها نفسها‬
‫استعمال حجارتها‪ ،‬إذ تحولت دمشق ر‬
‫ن‬
‫يف الطبقات المتعاقبة من البناء‪(Mouton, 2010, Les portes et la muraille de Damas).‬‬
‫تتبع المسار العام أن السور كما ّ‬
‫الن أعادت ّ‬
‫التقرين‪ ،‬تذكر الدراسات الحديثة ر‬
‫يطوق‬
‫من جهة الطول‬
‫ي‬
‫ري‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ر‬
‫المدينة القديمة اليوم يمكن ّ‬
‫تتبعه عىل امتداد يقارب أربعة كيلومتات ونصف تقريبا‪ ،‬أي ما يوازي محيطا‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫دفاعيا واسعا نسبيا بالنسبة لمدينة داخل الواحة ‪(Mouton, 2010, Les portes et la muraille de‬‬
‫ن‬
‫يلغ حقيقة أن للسور تاريـ ــخ مخطط ال يقل أهمية عن تاريـ ــخ الحجر نفسه‪:‬‬
‫‪Damas).‬لكن هذا الرقم ال ي‬
‫ً‬
‫فالباحثون الذين درسوا المرحلة القديمة ر‬
‫ّ‬
‫رباىع األضالع ن يف بعض أطوار العصور‬
‫يقتحون هيئة أقرب إىل‬
‫ي‬
‫ًّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ر ً‬
‫ر ً‬
‫ً‬
‫تقريبيا‬
‫وه أبعاد تنتج محيطا‬
‫اإلمتاطورية‪،‬‬
‫ر‬
‫بأبعاد ُتقارب ‪ 1330‬متا شقا‪-‬غربا و‪ 855‬متا شماال‪-‬جنوبا‪ ،‬ي‬
‫ر ً‬
‫يناهز ‪ 4370‬متا إذا أخذت كهيئة هندسية صافية ‪(Mouton, Guilhot & Piaton, 2012,‬‬
‫‪Nouvelles interprétations sur le tracé et la chronologie de l’enceinte de Damas).‬‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫توح به قراءة المسار الوسيط‪/‬المتأخر‪ ،‬تتقدم فكرة أساسية‪ :‬السور‬
‫الرباىع والبيضاوي الذي‬
‫وبي‬
‫ي‬
‫الشكل ً ي‬
‫ً‬
‫ٌ‬
‫حدود ّ‬
‫تغتها السياسة والحرب والتقنية وطبائع نمو المدينة‪.‬‬
‫ليس رسما ثابتا‪ ،‬بل‬
‫‪(Mouton, 2010, Les portes et la muraille de Damas).‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫واحدا نف كل مكان‪ ،‬لكنها تدور نف المقاطع المدروسة حول ر‬
‫متين تقريبا‪ ،‬وهو ما‬
‫أما السماكة‪ ،‬فليست رقما‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫نط؛ إذ‬
‫ُتؤكده قراءات الحجر يف مواضع متعددة من السور الوسيط الذي ًأعاد استعمال قاعدة السور البت ي‬
‫توصف االرتفاعات‪/‬الواجهات المتأخرة بأنها تبلغ نحو ر‬
‫متين سماكة‪ ،‬مع اعتماد واضح عىل بازلت حوران‪،‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫تماما من الخارج‪ ،‬بحيث ر‬
‫تبق الواجهة الخشنة جزءا‬
‫وبمداميك عالية (نحو ‪ 0.30‬م) من كتل غت مشذبة‬
‫الدفاىع ‪(Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020, Portes et murailles de‬‬
‫من لغة البناء‬
‫ي‬
‫ن‬
‫وف بعض األبواب تظهر‬
‫‪Chapitre II).‬‬
‫‪ Damas de l’Antiquité aux premiers mamlouks,‬ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫قياسات ر‬
‫أكت تحديدا‪ :‬فواجهة باب الجابية – يف القراءة المعمارية – تقوم عىل جدار سماكته نحو ‪ 2.20‬م‪،‬‬
‫ً‬
‫مع تفاصيل إنشائية دقيقة فوق الفتحة‪ ،‬ومع بقايا دعائم كانت تحمل برتشة دفاعية‪(Mouton, Guilhot‬‬
‫‪& Piaton, 2018/2020, Portes et murailles…, Chapitre III).‬‬
‫ٌ‬
‫بابا أو فتحة نف السور‪ ،‬يكون عىل هيئة ّ‬
‫حجري دفاىع يعلو ً‬
‫ر‬
‫ّ‬
‫منصة أو‬
‫ائ ُيقصد به بروز‬
‫التتشة مصطلح‬
‫ر‬
‫معماري–عسكري تر ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫عت إلقاء المقذوفات أو السوائل الحارة عموديا عىل‬
‫شفة صغتة بارزة‪ ،‬تستخدم لمراقبة الداخلي وللدفاع عن المدخل ر‬
‫‪10‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ن‬
‫ً‬
‫ن‬
‫وف سياق باب الجابية تشت بقايا‬
‫المهاجمي‪ ،‬وغالبا ما تكون محمولة عىل دعائم أو كوابيل حجرية وتحتوي فتحات سفلية‪ ،‬ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫تحصي المدخل‪ ،‬بما ينسجم مع سماكة الجدار وطبيعة‬
‫الدفاىع الذي كان جزءا من منظومة‬
‫التوز‬
‫الدعائم إىل وجود هذا ر‬
‫ي‬
‫العمارة العسكرية للمدينة التاريخية‪.‬‬
‫التبة حوله ارتفعت بفعل الردم ر‬
‫متحول بحسب موضع السور وبحسب ما إذا كانت ر‬
‫ّ‬
‫المتاكم‬
‫االرتفاع بدوره‬
‫ً‬
‫ً‬
‫عت القرون‪ ،‬أو انخفضت بفعل حفريات أو كشف أثري‪ .‬ومع ذلك تمنح بعض المقاطع رقما قريبا من "ارتفاع‬
‫ر‬
‫ر ُ‬
‫ن‬
‫ر‬
‫الدفاىع المتأخر‪ :‬قرب باب ش يف توصف كتلة جدارية بسماكة تقارب متين وارتفاع‬
‫عمىل" للسور يف عضه‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ر ً ن‬
‫قائم يصل إىل نحو ‪ 13‬متا يف حالتها المرصودة‪ ،‬مع بقايا منظومة دفاعية كانت متعددة المستويات‬
‫‪(Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020, Portes et murailles…, Chapitre III).‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ً‬
‫ر‬
‫نظاما مزدوجا‬
‫الن يوردها تلخيص مرسوع "األسوار واألبواب" تظهر أيضا صورة السور بوصفه‬
‫ي‬
‫وف الرواية ي‬
‫نف لحظة متأخرة‪ :‬تذكر بعض أوصاف ّ‬
‫الغربيي نف القر ن‬
‫ن‬
‫ني السادس عرس والسابع عرس وجود سورين‬
‫الرحالة‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ن‬
‫للداخىل ‪(Mouton,‬‬
‫الخارح ونحو ‪ 8‬م‬
‫متقاربي يفصل بينهما أمتار قليلة‪ ،‬مع ارتفاع يقارب ‪ 7.5‬م للسور‬
‫ر ي‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫الرقمي يلخصان كل العصور‪،‬‬
‫يعن أن هذين‬
‫‪de Damas).‬‬
‫‪2010, Les portes ً et la muraille‬هذا ال ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫يضء "خياال دفاعيا" متأخرا حاول تعويض ضعف الخط الواحد بتكثت العتبات‪.‬‬
‫لكنه ي‬
‫ا‬
‫ً‬
‫أصيًل ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫بي السورين – ن‬
‫المساحة ن‬
‫دفاعيا‬
‫دائما ن يف تخطيط السور‪ ،‬بل حًل‬
‫عنضا‬
‫حي تظهر ن يف دمشق – ليست‬
‫ً‬
‫متأخرا يظهر نف لحظات ضغط ن‬
‫أمن أو شعور بالهشاشة‪ .‬ن يف تلك الحاالت‪ ،‬ال ُيستبدل السور القديم‪ ،‬بل‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ً ُ‬
‫رُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫اختق‬
‫نسبيا‪ ،‬تستخدم كمجال امتصاص‪ :‬إن‬
‫ثان قريب منه‪ ،‬فتتشكل منطقة فاصلة ضيقة‬
‫يضاعف بخط ٍ‬
‫ن‬
‫ُ‬
‫للرم والمراقبة‪ .‬هذا‬
‫السور‬
‫ر ي‬
‫الخارح ال يصل المهاجم مباشة إىل المدينة‪ ،‬بل يحتجز يف فراغ مكشوف قابل ي‬
‫حارصا فن‬
‫ن‬
‫ً‬
‫متكررا عىل امتداد سور دمشق كله وال ن ً‬
‫النمط معروف يف العمارة العسكرية الوسيطة‪ ،‬لكنه ليس‬
‫ي‬
‫كل العصور؛ بل تشت أوصاف بعض ّ‬
‫الرحالة نف القر ن‬
‫ني السادس عرس والسابع عرس‪ ،‬كما يقرأها موتون‪ ،‬إىل‬
‫ي‬
‫غالبا حيث ضعفت التحصينات القديمة أو ّ‬
‫ظهوره نف مقاطع محددة‪ً ،‬‬
‫تغت منسوب التهديد‪ .‬األهم أن هذا‬
‫ي‬
‫تحول ن‬
‫بي السورين” ال ُيفهم كمكان مستقل‪ ،‬بل كعالمة عىل ّ‬
‫“الفراغ ن‬
‫الدفاىع‪ :‬انتقال من منطق‬
‫التفكت‬
‫ف‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫الجدار الواحد القاطع إىل منطق العتبات المتعددة‪ ،‬أي دفاع يقوم عىل التأخت واالستتاف ال عىل المنع‬
‫المطلق‪ .‬ن يف دمشق‪ ،‬إذن‪ ،‬هو ظاهرة ظرفية ال بنية ثابتة‪ ،‬ويكسب داللته من ندرته ال من تكراره‪ ،‬بوصفه أثر‬
‫تاريىح ر‬
‫ن‬
‫أكت منه قاعدة تخطيطية‪.‬‬
‫قلق‬
‫ي‬
‫بحسب ما يمكن استخالصه من أوصاف ّ‬
‫الرحالة المتأخرين وقراءة ‪ ،Jean-Michel Mouton‬فإن المساحة‬
‫ن‬
‫الشماىل–‬
‫بي السورين ن يف دمشق لم تكن عامة وال دائرية حول المدينة‪ ،‬بل ظهرت عىل األرجح ن يف القطاع‬
‫ي‬
‫ن‬
‫الشماىل الغرئ من السور‪ ،‬أي نف المقطع األقرب إىل القلعة ن‬
‫الملغ‪،‬‬
‫وبي محيط باب الفرج وباب النض‬
‫ي‬
‫ري‬
‫ي‬
‫حيث كانت التحصينات ر‬
‫أكت عرضة للتعديل وإعادة البناء ن يف العصور األيوبية والمملوكية ثم العثمانية‪ .‬هذا‬
‫ً‬
‫القطاع تحديدا شهد كثافة ن يف األبراج‪ ،‬وإعادة تنظيم للمدخالت‪ ،‬ومحاوالت لتعويض ضعف الخط الواحد‪،‬‬
‫ن‬
‫منطقيا هناك ر‬
‫ً‬
‫ما يجعل قيام سور ثان قريب ً‬
‫الرومائ عىل‬
‫أكت من الرسق أو الجنوب حيث حافظ السور‬
‫أمرا‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ً‬
‫ن‬
‫استمرارية أوضح‪ .‬لذلك فـ«بي السورين» يف دمشق ليس موقعا واحدا ثابتا يمكن رسمه بدقة عىل مخطط‬
‫الدفاىع للمدينة‪ ،‬تظهر حيث ضغط الخطر وتكاثفت التدخالت‪،‬‬
‫شامل‪ ،‬بل حالة موضعية مرتبطة بالشمال‬
‫ي‬
‫ن‬
‫تختق مع زوال دوافعها‪.‬‬
‫ثم‬
‫ي‬
‫‪11‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ن‬
‫بنية الحجر يف سور دمشق شديدة الداللة‪ ،‬ألنها تظهر كيف يشتغل الزمن داخل الجدار نفسه‪ .‬يف مقاطع‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫خليطا من كتل كبتة قديمة )‪ (spolia‬أعيد استعمالها كمداميك تأسيسية‪ ،‬فوقها ٌ‬
‫بناء‬
‫كثتة تبدو القاعدة‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أصغر حجرا وأقرب إىل "الحجارة الركامية‪/‬المو ِيلن" مع البازلت خصوصا‪ .‬قرب "باب صغت"‪ ،‬ترى مثال‬
‫ن‬
‫مقاطع من السور بارتفاع يقارب خمسة أمتار من كتل ضخمة قديمة أعيد توظيفها‪ ،‬بينما تظهر يف موضع‬
‫قري ب واجهة من البازلت فوق تأسيس من كتل أقدم ‪(Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020,‬‬
‫ن‬
‫‪Portes et murailles…, Chapitre III).‬هذا ر‬
‫التاكب ليس مجرد اقتصاد يف المواد‪ ،‬بل شهادة عىل أن‬
‫عض كان يكتب سوره بالحروف المتاحة‪ :‬الحجر القديم يتحول إىل ذاكرة حاملة لحجر جديد‪.‬‬
‫كل‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫يختق وأين يظهر‪ ،‬فاألدق أنها مسألة اندماج ال اختفاء‪ .‬السور اليوم ليس خطا مكشوفا بالتمام‪،‬‬
‫أما مسألة أين‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ألن البناء التصق به من الداخل والخارج‪ ،‬وأحيانا ارتق فوقه أو ع رت عىل األبواب نفسها‪ ،‬فصار جزءا من‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫مساكن خاصة ومنشآت ملحقة‪ .‬هذا االندماج جعل قراءة ال ُسور معماريا عمال شاقا‪ ،‬ألن الدليل الحجري‬
‫ً‬
‫متداخال مع سكن ّ‬
‫ح ال يزال يتنفس ويستعمل الفضاء حوله ‪(Mouton, 2010, Les portes et la‬‬
‫صار‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ّ‬
‫‪muraille de Damas).‬ومع ذلك تشت الدراسات إىل أن خط السور يمكن تتبعه اليوم‪ ،‬يف بعض مقاطع‬
‫ً‬
‫ً‬
‫الجنوب خصوصا‪ ،‬من باب الجابية إىل باب توما عىل امتداد يمكن مالحظته ميدانيا ن يف أجزاء متعددة‬
‫‪(Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020, Portes et murailles…, Chapitre II).‬ووجود هذا‬
‫ً‬
‫تماما لصالح العمران‪ ،‬بل ن‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫اكتق بأن يصبح طيةضمن المدينة‪.‬‬
‫يعن أن السور لم ينهزم‬
‫"التتبع الممكن" ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫مستويا فقط‪ ،‬بل منظومة أبراج ومفاصل‪ .‬نف المقاطع المدروسة ن‬
‫بي باب الجابية وباب‬
‫السور لم يكن جدارا‬
‫ي‬
‫ٍ‬
‫توما تظهر قواعد أبراج مستطيلة‪ ،‬كثت منها مصمت‪ ،‬بأبعاد تقريبية رتتاوح حول ‪ 5.60–5.25‬م عىل ‪–3.10‬‬
‫َ َ‬
‫وه قواعد كانت تعمل كإيقاع ثابت لعملية الفلنكة (حماية الجدار بالنتان الجانبية) ‪(Mouton,‬‬
‫‪ 4.20‬م‪ ،‬ي‬
‫‪Guilhot & Piaton, 2018/2020, Portes et murailles…, Chapitre IV).‬ويزداد هذا اإليقاع‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ر ً‬
‫ّ‬
‫وضوحا ن‬
‫بتخيل ما يقارب ‪75‬‬
‫متا‪ ،‬ما يسمح – حسابيا –‬
‫حي ُيذكر أن تباعد األبراج كان ن يف حدود ‪ 28‬إىل ‪32‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫موزعا عىل نحو ‪ 2400‬ر‬
‫مت من الجدار ن يف ذلك القطاع الذي أمكن تحليله بهذه الطريقة ‪(Mouton,‬‬
‫برجا‬
‫‪Guilhot & Piaton, 2018/2020, Portes et murailles…, Chapitre IV).‬هذه ليست زينة‪ ،‬بل‬
‫لغة عسكرية دقيقة‪ٌ :‬‬
‫برج كل مسافة تضمن أال ر‬
‫تبق قطعة من الجدار بال تغطية جانبية‪.‬‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ُتظهر القراءة المعمارية للسور‪ ،‬وال سيما نف القطاع الممتد ن‬
‫بي باب الجابية وباب كيسان‪ ،‬انتظاما واضحا ن يف‬
‫ي‬
‫ر ً‬
‫متا‪ُ .‬‬
‫بي قواعد األبراج المتتالية ن‬
‫تباعد األبراج الدفاعية‪ ،‬حيث رتتاوح المسافة ن‬
‫ويالحظ هذا‬
‫بي نحو ‪ 28‬و‪32‬‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫مثال ن‬
‫والتج الذي يليه شقا عىل خط السور‪ ،‬وهو قياس موثق‬
‫الجنوئ‪-‬‬
‫التج‬
‫التباعد‬
‫الغرئ لباب الجابية ر‬
‫بي ر‬
‫ر‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ي‬
‫َ َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ميدانيا ويعكس منطقا دفاعيا محسوبا ال توزيعا اعتباطيا‪ .‬فهذه المسافة تتوافق مع متطلبات الفلنكة‪ ،‬أي‬
‫تغطية واجهات الجدار بالنتان الجانبية المتقاطعة‪ ،‬بما يضمن ّأّل ر‬
‫يبق أي مقطع من السور خارج مدى‬
‫ً‬
‫الرم ّ‬
‫الفعال لألسلحة الفردية المستخدمة ن يف العصور الوسيطة‪ .‬ويشت ثبات هذا اإليقاع تقريبا ن يف قطاعات‬
‫ي‬
‫بي باب كيسان وباب ش رف‪ ،‬إىل اعتماد نظام دفاىع ّ‬
‫أخرى من السور‪ ،‬بما فيها المقطع الرس رف ن‬
‫موحد‪ُ ،‬يظهر‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫أن األبراج لم ُت ر ن‬
‫الدفاىع‬
‫ي كعنارص معمارية مستقلة‪ ،‬بل كأجزاء من شبكة متكاملة صممت لضبط المجال‬
‫ي‬
‫‪12‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫عىل امتداد الجدار بكامله ‪Portes et murailles de ، Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020‬‬
‫‪ ،Damas de l’Antiquité aux premiers mamlouks‬الفصل الرابع‪.‬‬
‫ّ‬
‫تبدل مواقع األبواب هو باب كيسان نف دمشق‪ .‬هذا الباب كان نف األصل ً‬
‫جزءا من السور‬
‫مثال واضح عىل‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ر‬
‫ن‬
‫الجنوئ الرس يف‪ ،‬وموقعه مرتبط بشبكة الشوارع المستقيمة للمدينة الكالسيكية‪ ،‬لكن مع العصور‬
‫الرومائ‬
‫ري‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫وتحول إىل عنض ثانوي يف السور‪ ،‬ثم أعيد‬
‫عمليا‬
‫الدفاىع والمروري‪ ،‬فـأغلق‬
‫اإلسالمية المتأخرة تراجع دوره‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫توظيفه ً‬
‫ً‬
‫ودينيا بعد ربطه برسدية هروب بولس الرسول‪ ،‬وصوّل إىل تحويله يف القرن العرسين إىل كنيسة‪.‬‬
‫رمزيا‬
‫هنا ال يتبدل الباب فقط بوظيفته‪ ،‬بل ينفصل عن منطق العبور العسكري الذي أنش من أجله‪ ،‬ويصبح‬
‫ً‬
‫شاهدا عىل انتقال المدينة من نظام دفاىع إىل نظام رمزي–عمر نائ مختلف‪ .‬هذا ما يقصده موتون ن‬
‫حي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫متحركة‪ :‬الباب ال ُي نلغ فجأة وال ر‬
‫ثابتا‪ ،‬بل ُيزاح‪ُ ،‬ي َّ‬
‫ّ‬
‫يتعامل مع السور واألبواب ن‬
‫همش‪ ،‬أو ُيعاد‬
‫يبق‬
‫كبن تاريخية‬
‫تعريفه بحسب ّ‬
‫تحول المدينة‪ ،‬ال بحسب المخطط األول الذي ُوضع له‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أكت من غته‪ ،‬لكن وظيفته ّ‬
‫ن‬
‫الرومائ األصىل ر‬
‫جذريا؛ فمع انحسار‬
‫تغتت‬
‫موقعه‬
‫عىل‬
‫حافظ‬
‫مثًل‬
‫باب ش ر يف‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫الدور العسكري للسور ّ‬
‫معت ن‬
‫بتوسع األحياء خارج‬
‫حضي مفتوح مرتبط‬
‫تحول من بوابة دفاعية صارمة إىل ر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ن‬
‫الوظيق‪ .‬ن يف المقابل‪ ،‬باب الفراديس يقدم حالة مختلفة‪ :‬تشت‬
‫المكائ لم يمنع التبدل‬
‫األسوار‪ ،‬أي إن الثبات‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫وجنوبا ضمن نطاق محدود تبعاً‬
‫ّ‬
‫عت العصور‪ ،‬بل تحرك شماّل‬
‫المصادر إىل أن موضعه لم يكن واحدا ثابتا ر‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ائ‪ .‬كذلك‬
‫إلعادة بناء السور وتعديل خطه‪ ،‬ما يعكس استجابة مباشة لتبدل طرق الوصول والضغط العمر ي‬
‫ً‬
‫خصوصا نف ر‬
‫ّ‬
‫الفتات‬
‫متكررة‪،‬‬
‫باب الجابية نفسه‪ ،‬رغم استمرارية اسمه‪ ،‬خضع إلزاحات وإعادة تشكيل‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫األيوبية والمملوكية‪ ،‬حيث أعيد تنظيم المدخل‪ ،‬وزيدت عنارص دفاعية‪ ،‬وتغت شكل الفتحة بما يتالءم مع‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ن‬
‫التحصي الجديد‪ .‬هذه األمثلة ال تقول إن األبواب كانت تنقل اعتباطا‪ ،‬بل إن موقع الباب كان نتيجة‬
‫نظام‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫توازن متغت ن‬
‫بي الدفاع‪ ،‬والمدينة‪ ،‬والطريق‪ ،‬والسلطة؛ أي أنه جزء من السور بوصفه "كائنا تاريخيا" يعيد‬
‫ترتيب أعضائه كلما ّ‬
‫تغت الجسد الذي يحميه‪.‬‬
‫قريبا من القلعة‪ُ ،‬‬
‫ن‬
‫وي َّ‬
‫باب النرص ‪:‬كان يقع نف الجهة الشمالية من المدينة‪ً ،‬‬
‫ن‬
‫نط أعيد‬
‫رجح أنه باب‬
‫ي‬
‫ي‬
‫رومائ–بت ي‬
‫ظاهرا ً‬
‫استخدامه نف ر‬
‫ً‬
‫ماديا‬
‫الفتات اإلسالمية المبكرة‪ ،‬ثم اندثر مع إعادة تنظيم تحصينات الشمال‪ ،‬ولم يعد‬
‫ي‬
‫المتأخر‪.‬‬
‫الوسيط‬
‫العض‬
‫منذ‬
‫ً‬
‫ن‬
‫َ‬
‫باب الفرج ‪:‬باب مرتبط بمنطقة القلعة أيضا‪ ،‬ظهر يف المصادر األيوبية والمملوكية كبوابة ذات وظيفة‬
‫عسكرية وإدارية‪ ،‬لكنه ُأ ن‬
‫ً‬
‫نهائيا مع التحوالت العثمانية وبناء القلعة بصيغتها المتأخرة‪ ،‬ولم يبق له أثر‬
‫لغ‬
‫ي‬
‫قائم‪.‬‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫متصًل بالمعبد الرومائن‬
‫ن‬
‫الرومائ)‪ :‬يعد من أقدم أبواب دمشق الكالسيكية‪ ،‬وكان‬
‫الجيون (أو الجتون‬
‫باب ِ‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ً يً‬
‫ُ‬
‫اإلسالم‪ ،‬ويعرف اليوم فقط من المصادر‬
‫الكبت‪ ،‬وقد فقد وظيفته مبكرا جدا‪ ،‬قبل اكتمال تشكل السور‬
‫ي‬
‫الكالسيكية‪.‬‬
‫َ‬
‫باب الفراديس القديم ‪:‬رغم بقاء باب الفراديس المعروف‪ ،‬تشت بعض القراءات إىل وجود موضع أقدم للباب‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ُأ ن‬
‫يعن أن النسخة الحالية ليست ن‬
‫شماّل‪ ،‬ما ن‬
‫بالضورة ن يف الموقع األول‪.‬‬
‫السور‬
‫بناء‬
‫إعادة‬
‫عند‬
‫ـح‬
‫ـ‬
‫ـ‬
‫ي‬
‫ز‬
‫أ‬
‫أو‬
‫لغ‬
‫ي‬
‫ي‬
‫‪13‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫الغربيي‪ ،‬فتحات أو ً‬
‫أبواب ثانوية بال أسماء ثابتة ‪:‬تذكر بعض المصادر‪ ،‬خاصة أوصاف ّ‬
‫ن‬
‫أبوابا صغتة‬
‫الرحالة‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫الحضية‪.‬‬
‫خدمية أو عسكرية أغلقت الحقا مع تضييق السور أو مضاعفته‪ ،‬ولم تحتفظ بأسماء يف الذاكرة‬
‫ً‬
‫استثنائيا‪ ،‬بل ً‬
‫ً‬
‫هذا الجرد ّ ن‬
‫جزءا من منطق السور بوصفه بنية تاريخية‬
‫يبي أن اختفاء األبواب لم يكن حدثا‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ّ‬
‫وت ن‬
‫ً‬
‫لغ ن‬
‫متحولة‪ُ :‬تفتح األبواب ن‬
‫الوظيق‪،‬‬
‫دفاعيا أو تفقد معناها‬
‫حي تصبح عبئا‬
‫حي تخدم طريقا أو سلطة‪،‬‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ر‬
‫الن ال تقل داللة‬
‫عت األبواب القائمة فقط‪ ،‬بل أيضا ر‬
‫وهو ما يجعل قراءة دمشق ال تتم ر‬
‫عت األبواب الغائبة ي‬
‫عنها‪.‬‬
‫ً‬
‫ن‬
‫إىل جانب هذه القواعد المتكررة‪ ،‬توجد أبراج كبتة استثنائية يف بعض المواضع‪ ،‬ترتبط عادة بحماية األبواب‬
‫ً‬
‫ن‬
‫‪.‬‬
‫برج متقدم ُوصف بأبعاد‬
‫إىل‬
‫المعطيات‬
‫تشت‬
‫مثال‬
‫كيسان‬
‫باب‬
‫عند‬
‫السور‬
‫خط‬
‫ف‬
‫أو االنعطافات الحساسة‬
‫ي‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ام )‪ (archères‬وربما مستوى ثالث‬
‫تقارب ‪ 22‬م طوال و‪ 9‬م عرضا و‪ 11‬م ًارتفاعا‪ ،‬مزودا بمستويي من المر ي‬
‫ن‬
‫الجنوئ ‪(Mouton, Guilhot‬‬
‫عىل السطح‪ ،‬ما يجعله يف زمانه واحدا من أثقل عنارص الدفاع عىل الجدار‬
‫ري‬
‫‪ & Piaton, 2018/2020, Portes et murailles…, Chapitre III).‬ن‬
‫وبي باب كيسان وباب ش ر يف تظهر‬
‫ً‬
‫ً‬
‫برج مستطيل تقارب أبعاده ‪ 9×21‬م‪ ،‬انفصلت كتلته جزئيا عن السور نفسه بفعل التحوالت‬
‫بقايا‬
‫أيضا‬
‫ٍ‬
‫الالحقة وكشفه ن يف أعمال حديثة ‪(Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020, Portes et‬‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫‪murailles…, Chapitre III).‬مثل هذه األبراج تقرأ بوصفها ُعقدا ن يف شبكة الدفاع‪ :‬نقاط تكثيف‪ ،‬ال مجرد‬
‫تكرار‪.‬‬
‫ن‬
‫ومن العنارص ر‬
‫التقن العميق "الفتحات القتالية" وما يقابلها من فضاءات داخلية‪.‬‬
‫الن تمنح السور بعده‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫رم خلفية تتيح للمقاتل‬
‫الرم (المرم‪/‬المزغل) ليست شقا بسيطا يف الحجر‪ ،‬بل جهازكامل يضم غرفة ي‬
‫فتحة ي‬
‫ن‬
‫ُ‬
‫رم"‬
‫ام ي‬
‫الرم يتم ر‬
‫عت " ًحجرة ً ي‬
‫ذكر أن الوصول إىل فتحة ي‬
‫الحركة والحماية‪ .‬يف قراءة معمارية حديثة للمر ي‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ن‬
‫يعن أن داخل السور لم يكن مصمتا دائما‪ ،‬بل‬
‫يزيد عرضها عىل ثالثة أمتار ويقارب عمقها متين تقريبا‪ ،‬ما ي‬
‫يحوي تجاويف محسوبة لتشغيل السالح الفردي وإدارة الرماة ‪(Mouton, Guilhot & Piaton, 2012,‬‬
‫ن‬
‫المعن يصبح السور أقرب إىل بناء معماري منه‬
‫‪Nouvelles interprétations sur le tracé…).‬وبــهذا‬
‫ّ‬
‫خارح‪.‬‬
‫إىل كتلة‪ :‬داخله قابل للعيش العسكري‪ ،‬ال مجرد حد‬
‫ر ي‬
‫األكت ن يف أي سور‪ .‬لذلك‬
‫عىل مستوى األبواب نفسها تتضاعف تفاصيل الدفاع‪ ،‬ألن الباب هو نقطة الضعف ر‬
‫تظهر أمام بعض األبواب عنارص إضافية مثل الباشورة )‪ (barbacane‬أو بوابة أمامية ّ‬
‫تحول الدخول إىل‬
‫ُ‬
‫متاهة قصتة تبط المقتحم وتكشفه للنتان الجانبية‪ .‬عند باب الجابية تذكر القراءة التاريخية وجود باشورة‬
‫ن‬
‫أمام‪/‬أو جدار منخفض‪ ،‬وبرج متقدم‪ ،‬وهو ما يعكس هندسة دفاعية تتجاوز‬
‫ببابي‪ ،‬وفصيل )‪ (faṣīl‬كسور ي‬
‫فكرة باب واحد ن يف جدار إىل فكرة نظام بوابات ‪(Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020, Portes‬‬
‫التتشة )‪ (bretèche‬والميازيب القتالية‪/‬المرسافات‬
‫‪et murailles…, Chapitre III).‬كذلك تظهر ر‬
‫ر‬
‫ن‬
‫أس فوق فتحة العبور‪ ،‬وقد ُرصدت يف وصف باب ش يف وغته‬
‫)‪(machicolis‬كعنارص تسمح بالدفاع الر ي‬
‫ر‬
‫ام فوق الممر‪(Mouton,‬‬
‫ضمن منظومة طبقات دفاعية تشمل أكت من مستوى للمر ي‬
‫‪Guilhot & Piaton, 2018/2020, Portes et murailles…, Chapitre III).‬‬
‫‪14‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ر‬
‫الدمشق يحمل طبقة كتابية‪ ،‬ألن‬
‫وال يقل أهمية عن الحجر الصامت الكالم المنقوش عىل الحجر‪ .‬فالسور‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ن‬
‫‪.‬‬
‫الن‬
‫اسات‬
‫ر‬
‫الد‬
‫عية‬
‫والرس‬
‫القوة‬
‫خطاب‬
‫من‬
‫جزءا‬
‫يبن ريتك أثره بوصفه‬
‫ي‬
‫السلطان أو األمت الذي يرمم أو ي‬
‫ترتيب‬
‫جمعت نقوش السور والبوابات تتحدث عن مدونة من نصوص ترتبط مباشة بالمرابط واألبواب‪ ،‬مع‬
‫ٍ‬
‫ّ‬
‫بتتبع كيف ّ‬
‫زمن يسمح ّ‬
‫ن‬
‫ن‬
‫تحصي ‪(Mouton,‬‬
‫سجل أسماء وألقاب وتواريـ ــخ‪ ،‬ال مجرد‬
‫تحول الجدار إىل‬
‫ي‬
‫‪Guilhot & Piaton, 2018/2020, Portes et murailles…, Chapitre VI).‬كما توجد مشاريـ ــع علمية‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫خصصت عمال مستقال لبناء “كوربس )‪” (Corpus‬لهذه النقوش‪ ،‬بوصفها مفاتيح لقراءة السياسة والعمارة‬
‫ً‬
‫معا ‪(Mouton, 2018, Corpus des inscriptions arabes des portes et de l’enceinte de‬‬
‫‪Damas).‬‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ر ن‬
‫وتغلق‪ ،‬حركة تجارة ّ‬
‫تمر‪ ،‬وربما‬
‫حن يف السلم‪ :‬صيانة‪ ،‬مراقبة‪ ،‬بوابات تفتح‬
‫السور بطبيعته فضاء عمل دائم‬
‫ُ‬
‫ن ُ‬
‫ن‬
‫تحويل بعض فضاءاته إىل استعماالت ال عسكرية حي تضعف الحاجة الدفاعية أو حي تغري المدينة‬
‫بتوسيع رزقها عىل حساب الحراسة‪ .‬إحدى الصور الدقيقة لهذا التوتر تظهر ن يف باب الجابية‪ ،‬حيث تشت‬
‫القراءة التاريخية إىل أن فضاء الباشورة ر‬
‫اشتته أوقاف الجامع لصالح مقاصد تجارية‪ ،‬ثم اضطرت السلطة‬
‫ً‬
‫الن ّ‬
‫ن ر‬
‫ضيقت الممرات‪ ،‬ن يف مشهد يكشف كيف يمكن للمدينة أن تأكل‬
‫الحقا إىل إصدار أوامر بهدم الدكاكي ي‬
‫مناعة سورها باسم الحياة اليومية ‪(Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020, Portes et‬‬
‫ُ‬
‫‪murailles…, Chapitre III).‬وعىل مستوى أوسع تظهر دراسة "الدفاع والسلطة والمجتمع" أن السور‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫عت األسماء والرموز والسبوليا‪ ،‬ومكان تمارس‬
‫ليس دفاعا فقط‪ ،‬بل موضع دعاية سياسية‪ ،‬وذاكرة للمدينة ر‬
‫ُ‬
‫فيه ن‬
‫معائ السيادة وتتحرك فوقه السلطة وتعلن قراراتها ‪(Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020,‬‬
‫ي‬
‫‪Portes et murailles…, Chapitre V).‬‬
‫إن توصيف السور من حيث الطول والسماكة والبنية واالختفاء والظهور واألبراج والنقوش والغرف‪ ،‬ال يكون‬
‫ٌ‬
‫حجر واحد‪ ،‬بل وصف "بنية مدينة عاملة"‪:‬‬
‫محيط يقارب ‪ 4.5‬كم ن يف صورته الراهنة حول‬
‫المطلوب وصف‬
‫ٍ‬
‫ن‬
‫المدينة القديمة‪ ،‬مع تاريـ ــخ تخطيط أقدم يمكن أن ر‬
‫يقتب من ‪ 4.37‬كم يف لحظة رباعية األضالع‪ ،‬سماكة‬
‫ي‬
‫ر‬
‫نموذجية حول ر‬
‫متين تزيد عند بعض العقد‪ ،‬وارتفاعات تتاوح بحسب الموضع والردم لكنها قد تصل إىل‬
‫ن‬
‫نحو ‪ 13‬م يف مقاطع محفوظة‪ ،‬ومادة بازلتية واضحة مع إعادة استعمال كثيف لكتل أقدم‪ ،‬وأبراج متكررة‬
‫ن ر ً‬
‫ً ن‬
‫وح بعرسات األبراج‪ ،‬تتخللها أبراج “ثقيلة” استثنائية‬
‫اإليقاع كل ثالثي متا تقريبا يف بعض المقاطع بما ي ي‬
‫ام لها غرف تشغيل داخلية‪ ،‬وطبقة كتابية من النقوش تجعل‬
‫قرب األبواب واالنكسارات‪ ،‬مع منظومات مر ي‬
‫ر‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ر‬
‫ن‬
‫الدمشق‪ ،‬حن وهو منهك وملتبس داخل‬
‫تحصي‪ .‬والنتيجة أن السور‬
‫السور وثيقة سياسية بقدر ما هو‬
‫ي‬
‫ً‬
‫يبق من أ ر‬
‫العمران‪ ،‬ر‬
‫كت أسوار المرسق قدرة عىل إظهار كيف يتحول الدفاع إىل أسلوب عيش‪ ،‬وكيف يصبح‬
‫ً‬
‫الحجر أرشيفا‪.‬‬
‫مراجع مختارة بصيغة هارفارد (مع أسماء الكتب‪/‬الدراسات)‬
‫‪Mouton, J.-M. (2010) Les portes et la muraille de Damas : un patrimoine à‬‬
‫‪redécouvrir (résumé d’un article paru dans Archéologia n°473, janvier 2010). Atelier‬‬
‫‪des Mots et du Regard (AMER).‬‬
‫‪15‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫‪Mouton, J.-M., Guilhot, J.-O. & Piaton, C. (2012) ‘Nouvelles interprétations sur le‬‬
‫‪tracé et la chronologie de l’enceinte de Damas’, Comptes rendus de l’Académie des‬‬
‫‪Inscriptions et Belles-Lettres (Persée).‬‬
‫‪Mouton, J.-M., Guilhot, J.-O. & Piaton, C. (dir.) (2018/2020) Portes et murailles de‬‬
‫‪Damas de l’Antiquité aux premiers mamlouks. Beyrouth: Presses de l’Ifpo /‬‬
‫‪OpenEdition Books.‬‬
‫‪Mouton, J.-M. (2018) Corpus des inscriptions arabes des portes et de l’enceinte de‬‬
‫‪Damas (projet et présentation). Ifpo Orient – Archeologie.‬‬
‫باب رش يف ‪:‬باب الشمس ومحور المدينة‪:‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫يقف باب ش رف بوصفه ر‬
‫أكت أبواب دمشق التصاقا بفكرة المحور‪ ،‬ال بوصفه مدخال فحسب‪ ،‬بل بوصفه‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ر‬
‫ن‬
‫ائ كامل‪ .‬فالموضع الذي يحتله عىل الحد الرس يف للمدينة القديمة ليس اعتباطيا‪،‬‬
‫نقطة انطالق‬
‫ٍ‬
‫لنظام عمر ي‬
‫ً‬
‫ًّ‬
‫ّ‬
‫يعت المدينة من الرسق‬
‫بل يشد إليه الشارع المستقيم شدا عضويا‪ ،‬بحيث يتحول الباب إىل عتبة لمحور ر‬
‫ن‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫تتجسد العالقة ن‬
‫والمعن‪:‬‬
‫بي الجهة‬
‫الرومائ عىل األقل‪ .‬هنا‬
‫إىل الغرب‪ ،‬ويصوغ حركتها اليومية منذ العض‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ن ٍّ‬
‫مدين مسبق التفست‪.‬‬
‫نظام‬
‫إىل‬
‫الدخول‬
‫إعالن‬
‫بوصفه‬
‫والباب‬
‫وبداية‪،‬‬
‫وقا‬
‫الرسق بوصفه ش‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫تؤكد الدراسات الكالسيكية أن باب ش ر يف هو الباب الوحيد ن يف دمشق الذي احتفظ‪ ،‬ن يف بنيته األساسية‪،‬‬
‫ّ‬
‫ر‬
‫مخصص للعربات‪،‬‬
‫الثالئ للفتحة‪ :‬مدخل مركزي عريض‬
‫بسمات رومانية واضحة‪ ،‬من حيث التكوين‬
‫ي‬
‫ن‬
‫الكتى‪ ،‬يدلّ‬
‫يحيط به مدخالن جانبيان أصغر للمشاة‪ .‬هذا النمط‪ ،‬المعروف يف بوابات المدن الرومانية ر‬
‫ّ‬
‫ٍّ‬
‫عىل أن الباب لم ُي ر ن‬
‫دفاىع فحسب‪ ،‬بل كجزء من مخطط حركة منظم يربط المدينة بطرقها‬
‫كحل‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫اإلمتاطورية ‪ (Sauvaget, 1934).‬ومع أن عمليات ر‬
‫التميم الالحقة‪ ،‬خصوصا ن يف العصور اإلسالمية‪،‬‬
‫ر‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫غتت من تفاصيل الواجهة‪ ،‬فإن منطق التكوين ظل قابال للقراءة يف الحجر‪.‬‬
‫من حيث المادة‪ ،‬يقوم باب ش ر يف عىل كتل حجرية كبتة أعيد استخدامها)‪ ، (spolia‬بعضها يحمل آثار‬
‫يدل عىل إعادة توظيف عنارص معمارية أسبق‪ .‬هذا ر‬
‫تشذيب قديم ّ‬
‫التاكب المادي ال يطمس األصل‬
‫حي ّ‬
‫الرومائ‪ ،‬بل يكشف عن استمرارية موضع الباب عت العصور‪ ،‬إذ ناد ًرا ما ّ‬
‫ن‬
‫تغت موقعه ر‬
‫حن ن‬
‫تغتت‬
‫ر‬
‫ي‬
‫طبقاته‪ .‬ويشت هذا الثبات إىل أن الباب لم يكن ّ‬
‫مجرد فتحة ن يف السور‪ ،‬بل عقدة تخطيطية ال يمكن نقلها‬
‫دون تفكيك نظام المدينة نفسه‪(Burns, 2005).‬‬
‫ن‬
‫التاريىح األشد كثافة ن يف لحظة فتح دمشق ن يف القرن السابع الميالدي‪ .‬فبحسب‬
‫يكتسب باب ش ر يف بعده‬
‫ي‬
‫الروايات اإلسالمية المتقاطعة‪ ،‬كان هذا الباب موضع االقتحام العسكري‪ ،‬حيث دخلت القوات بقيادة‬
‫‪16‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫خالد بن الوليد بعد قتال‪ ،‬نف الوقت الذي جرى فيه التفاوض عىل الصلح عند باب الجابية‪ .‬هذا ر ن‬
‫التامن‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ن‬
‫بي االقتحام والصلح جعل باب ش يف ُيقرأ الحقا بوصفه باب العنف المنضبط‪ ،‬مقابل أبواب التفاوض‪،‬‬
‫ن‬
‫تميت ر‬
‫سيتك أثره ف الذاكرة التاريخية للمدينة (ابن كثت) ‪.‬ال يعود الباب هنا ّ‬
‫ن‬
‫مجرد موضع عبور‪ ،‬بل‬
‫وهو‬
‫ي‬
‫يتحول إىل شاهد عىل إشكالية سياسية وفقهية حول طبيعة الفتح‪ ،‬وعىل كيفية تغليب رواية الصلح عىل‬
‫ّ‬
‫واقع تعدد أشكال الدخول‪.‬‬
‫ر‬
‫تجاور باب ش يف مع الشارع المستقيم يمنحه وظيفة إضافية تتجاوز الدفاع والرمز‪ .‬فالشارع‪ ،‬الذي وصفته‬
‫ً‬
‫المصادر القديمة بوصفه العمود الفقري لدمشق الرومانية‪ ،‬يبدأ عمليا من هذا الباب‪ ،‬ليقود الحركة نحو‬
‫ً‬
‫قلب المدينة وأسواقها ومعابدها ثم مساجدها الحقا‪ .‬بذلك يصبح الباب نقطة تحويل‪ :‬الخارج‪ ،‬عند عبوره‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ر‬
‫انتظاما‪ .‬هذه الخاصية ّ‬
‫تفرس كثافة‬
‫األكت‬
‫العتبة‪ ،‬ال يدخل حيا هامشيا‪ ،‬بل ُيقذف مباشة يف نسيج المدينة‬
‫ً‬
‫يضا لماذا ّ‬
‫ن‬
‫ّ‬
‫ظل موضعه أقل عرضة لإلهمال مقارنة بأبواب أخرى‬
‫وتفرس أ‬
‫التاريىح للباب‪،‬‬
‫االستخدام‬
‫ي‬
‫‪(Burns, 2005).‬‬
‫وعىل المستوى الرمزي‪ ،‬ارتبط باب ش ر يف منذ وقت مبكر بتسميات ودالالت تتجاوز الجغرافيا‪ .‬فقد ُعرف‬
‫انسجام مع الجهة الرسقية ومع فكرة البداية والبعث‪ .‬كما‬
‫ن يف بعض الروايات باسم "باب الشمس"‪ ،‬ن يف‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ر‬
‫الن ستدخل ن يف‬
‫ارتبط محيطه برسديات إسكاتولوجية الحقة‪ ،‬خصوصا مع وجود المنارة البيضاء القريبة‪ ،‬ي‬
‫الدين بوصفها عالمة من عالمات آخر الزمان‪ .‬هذا ر‬
‫ن‬
‫التاكم الرمزي ال ينفصل عن الموقع‪ ،‬بل‬
‫المخيال‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫يتغذى منه‪ :‬الرسق بوصفه موضع النور‪ ،‬والباب بوصفه مدخال للمدينة‪ ،‬والمنارة بوصفها عالمة ارتفاع‬
‫ومراقبة "ابن كثت"‪.‬‬
‫ُ‬
‫مع التحوالت العمرانية نف العصور اإلسالمية والالحقة‪ّ ،‬‬
‫تعرض باب ش ر يف لتعديالت دفاعية‪ ،‬أضيفت فيها‬
‫ي‬
‫عنارص حماية فوق الفتحة‪ ،‬وأعيد تنظيم الممر بما يتالءم مع تقنيات القتال المتغتة‪ .‬غت أن هذه‬
‫ً‬
‫حي ضعفت وظيفة السور الدفاعية‪ّ ،‬‬
‫التعديالت لم ُتلغ طابعه "المحوري"‪ .‬ر‬
‫حن ن‬
‫ظل الباب محتفظا‬
‫ّ ً‬
‫ِ ً‬
‫ال‪ ،‬وموضع عبور كثيف‪ ،‬ونقطة التقاء ن‬
‫بي المدينة القديمة وامتداداتها الرسقية‪.‬‬
‫بدوره بوصفه مدخال مفض‬
‫المعن‪ ،‬يمكن قراءة باب ش رف بوصفه الباب الذي يجمع ر‬
‫ن‬
‫أكت من زمن ن يف موضع واحد‪ .‬هو باب‬
‫ن يف هذا‬
‫ي‬
‫ن ن‬
‫ن‬
‫إسالم ن يف لحظة الفتح وإعادة التأويل‪ ،‬وحديث ن يف‬
‫نط ن يف استمراريته الطقسية‪،‬‬
‫ي‬
‫روما يئ يف بنيته األوىل‪ ،‬بت ي‬
‫اندماجه مع حركة المدينة المعارصة‪ .‬ال ُي ر ن‬
‫ختل ن يف حدث واحد وال ن يف وظيفة واحدة‪ ،‬بل يعمل كبوصلة‬
‫تاريخية‪ :‬من يدخل منه يعت‪ ،‬دون أن يدري‪ ،‬طبقات ر‬
‫متاكبة من التنظيم وال ن‬
‫معن‪ ،‬حيث تتقاطع الجهة مع‬
‫ر‬
‫ٍ‬
‫السياسة‪ ،‬والحجر مع الذاكرة‪ ،‬والعبور مع الرسد‪.‬‬
‫المراجع (هارفارد)‬
‫‪Burns, R. (2005) Damascus: A History. London: Routledge.‬‬
‫( ‪Ibn Kathir, Ismāʿīl ibn ʿUmar‬دون تاريـ ــخ‪) Al-Bidāya wa al-Nihāya. Beirut: Dār al-Fikr.‬‬
‫( ‪Ibn ʿAsākir, ʿAlī ibn al-Ḥasan‬دون تاريـ ــخ‪) Tārīkh Madīnat Dimashq. Beirut: Dār al-‬‬
‫‪Fikr.‬‬
‫‪Sauvaget, J. (1934) Esquisse d’une histoire de la ville de Damas. Paris: Librairie‬‬
‫‪orientaliste Paul Geuthner.‬‬
‫‪17‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫باب توما ‪:‬من محور المدينة إىل عتبة الطقس‪:‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ر‬
‫إذا شنا من باب ش يف شماال بوصفه خروجا تدريجيا من منطق المحور إىل منطق االنحناء‪ .‬فالسور‪ ،‬الذي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ّ‬
‫ر‬
‫كان عند باب ش يف جزءا من خط مستقيم تقريبا‪ ،‬يبدأ بالميل الطفيف نحو الشمال الرس يف‪ ،‬كأن المدينة‪،‬‬
‫ً‬
‫بعد أن ّأدت وظيفة االنتظام اإلمتاطوري‪ ،‬تستعد للدخول نف فضاء ر‬
‫دا وأقل رصامة‪ .‬المسافة ن‬
‫بي‬
‫أكت تعقي‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ ن‬
‫ن‬
‫المش بمحاذاة السور هنا يكشف عن تحول يف العالقة‬
‫البابي ليست طويلة زمنيا‪ ،‬لكنها كثيفة دالليا‪ ،‬ألن‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ن‬
‫أحياء سكنية وفضاءات طقسية أخذت‬
‫بي الجدار والمدينة‪ :‬من جدار يحد محورا مركزيا إىل جدار يجاور‬
‫ّ‬
‫عت قرون‪.‬‬
‫تتكون حوله ر‬
‫نف هذا القطاع من السور‪ ،‬ن‬
‫بي باب ش ر يف وباب توما‪ ،‬ال يظهر الجدار بوصفه كتلة دفاعية معزولة‪ ،‬بل‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫‪.‬‬
‫ائ متداخل السور هنا أقل انكشافا‪ ،‬إذ تلتصق به األبنية من الداخل‪ ،‬وتستند إليه‬
‫كجزء من‬
‫ٍ‬
‫نسيج عمر ي‬
‫ٍ‬
‫تتبع خطه العام عت تغتّ‬
‫ن‬
‫ّ‬
‫‪.‬‬
‫يمكن‬
‫ذلك‪،‬‬
‫ومع‬
‫الحقة‬
‫إضافات‬
‫خلف‬
‫مداميكه‬
‫بعض‬
‫وتختق‬
‫البيوت‪،‬‬
‫ان‬
‫جدر‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ر‬
‫تش بوجود جدار أقدم يعمل كدعامة‬
‫سماكات الجدران‪ ،‬ر‬
‫الن ي‬
‫وعت االنقطاعات الطفيفة يف انتظام البناء‪ ،‬ي‬
‫صامتة للعمران الالحق‪ .‬هذا التداخل يجعل السور أقرب إىل ظهر المدينة منه إىل واجهتها‪ :‬عنض موجود‪،‬‬
‫ً‬
‫الكتى‪.‬‬
‫لكنه ال يفرض نفسه بضيا كما يفعل قرب األبواب ر‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ر‬
‫تحم األبواب‪ ،‬لكن‬
‫الن‬
‫ي‬
‫وال تعرف يف هذا المقطع عنارص دفاعية استثنائية عىل ًشاكلة األبراج الثقيلة ي‬
‫الدفاىع العام‪ ،‬مع احتمال وجود أبراج‬
‫انتظام السور واستمرارية سماكته يشتان إىل أنه كان جزءا من اإليقاع‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫مصمتة اندمجت الحقا ن يف األبنية أو طمست مع إعادة البناء‪ .‬هنا يعمل السور بوظيفته الصامتة‪ :‬حامال‬
‫ُ‬
‫ر‬
‫التاىل‪.‬‬
‫الن ست رتز نفسها عند الباب ي‬
‫للبنية ي‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ر‬
‫الن كانت‪ ،‬قبل أمتار‪ ،‬تقرأ من خالل المحور‬
‫وعند‬
‫الوصول إىل باب توما‪ ،‬يتبدل المشهد‪ .‬فالمدينة ي‬
‫ُ‬
‫والشارع‪ ،‬تقرأ هنا من خالل االسم والذاكرة‪ .‬باب توما ليس باب جهة فقط‪ ،‬بل باب شخص‪ ،‬وباب طقس‪،‬‬
‫ّ‬
‫تشكل حوله ٌ‬
‫وباب ّ‬
‫وىع خاص باالنتماء‪ .‬التسمية نفسها تحيل إىل القديس توما الرسول‪ ،‬وتفتح الباب‬
‫ح‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫مسيىح مبكر‪ ،‬يجعل من هذا الموضع عتبة بي المدينة بوصفها كيانا سياسيا‪،‬‬
‫منذ اسمه عىل فضاء‬
‫ً‬
‫ي ً‬
‫ً‬
‫والمدينة بوصفها فضاء إيمانيا واجتماعيا‪.‬‬
‫تشت المصادر التاريخية إىل أن هذا الباب كان ُيعرف ن يف مراحل أقدم بأسماء أخرى‪ ،‬مرتبطة بالجهة أو‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫التحول ن يف االسم ليس تفصيال‬
‫بالوظيفة‪ ،‬قبل أن تستقر التسمية المسيحية بوصفها االسم الغالب‪ .‬هذا‬
‫ً‬
‫ً‬
‫لغويا‪ ،‬بل مؤش عىل انتقال مركز الثقل الرمزي للباب‪ :‬من كونه جزءا من منظومة دفاعية إىل كونه بوابة‬
‫ح كامل‪ ،‬ر‬
‫ح ذي هوية دينية واضحة‪ .‬ومع الزمن‪ ،‬صار الباب عالمة عىل ّ‬
‫ّ‬
‫حن بات االسم يشت إىل ما وراء‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ر‬
‫عت قرون ‪(Sauvaget,‬‬
‫الن حملت هذا الطابع ر‬
‫الفتحة الحجرية‪ ،‬إىل شبكة من األزقة والكنائس والبيوت ي‬
‫‪1934).‬‬
‫‪18‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ر‬
‫ن‬
‫الرومائ الذي ّ ن‬
‫يمت باب ش يف‪ .‬بنيته أبسط‪ ،‬وقد‬
‫من الناحية المعمارية‪ ،‬ال يحتفظ باب توما بالوضوح‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ر‬
‫خضعت إلعادة بناء وترميم يف عصور متعددة‪ ،‬ما يجعل قراءة طبقاته أكت تعقيدا‪ .‬غت أن هذا لفقد يف‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ن‬
‫الصفاء المعماري يقابله ثراء يف الداللة‪ :‬فالباب يبدو وكأنه تخىل مبكرا عن استعراض القوة لصالح وظيفة‬
‫ن‬
‫العبور اليوم‪ ،‬وارتبط ر‬
‫ّ‬
‫للىح المحيط به‪ .‬وجود الكنائس القديمة يف‬
‫أكت بالحياة المدنية والطقسية‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫محيطه‪ ،‬وعىل رأسها كنيسة حنانيا‪ّ ،‬‬
‫طقش غت مكتوب‪،‬‬
‫مسار‬
‫من‬
‫جزءا‬
‫الباب‬
‫ويجعل‬
‫الطابع‪،‬‬
‫هذا‬
‫ز‬
‫يعز‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫تعاد صياغته مع كل عيد ومناسبة‪(Burns, 2005).‬‬
‫ر‬
‫تذكر الروايات األساسية عن حصار دمشق أن الفتح لم ُي ر ن‬
‫ختل بباب ش يف وباب الجابية وحدهما‪ ،‬بل إن‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫فق رواية ابن كثت يف كتاب‬
‫الفاتحي توزعت عىل أبواب أخرى أيضا ضمن‬
‫قوات‬
‫ٍ‬
‫طوق عسكري شامل؛ ي‬
‫ر‬
‫ُ‬
‫البداية والنهاية يذكر أن خالد بن الوليد رابط عند باب ش يف ومعه باب كيسان‪ ،‬وأن أبا عبيدة كان عند باب‬
‫أئ سفيان كان عند باب الجابية الصغت‪ ،‬بينما رابط عمرو بن العاص وشحبيل‬
‫الجابية الكبت‪ ،‬وأن يزيد بن ر ي‬
‫بن حسنة عند أبواب أخرى‪ ،‬ما يدل عىل وجود مرابطة وحصار عىل ر‬
‫أكت من مدخل ‪ (Ibn Kathir,‬دون‬
‫تاريـ ــخ‪ ،Al-Bidāya wa al-Nihāya) ،‬كما ترد الفكرة نفسها عند البالذري ن يف فتوح البلدان مع إشارات إىل‬
‫أبواب مثل باب توما وباب الفراديس والباب الصغت ضمن توزيـ ــع القوات أثناء الحصار ‪(al-Balādhurī,‬‬
‫ّ‬
‫دون تاريـ ــخ‪ ،Futūḥ al-Buldān) ،‬غت أن الذاكرة التاريخية ركزت عىل باب ش ر يف وباب الجابية ألنهما‬
‫ارتبطا بالرسدية الحاسمة للفتح ن‬
‫بي االقتحام من جهة والتفاوض والصلح من جهة أخرى‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ُّ‬
‫ُ‬
‫ر‬
‫باب قرينا سماويا‬
‫الن تجعل لكل ٍ‬
‫ه الكوكب الذي ربط بباب توما يف بعض المرويات الدمشقية ي‬
‫الزهرة ي‬
‫ّ‬
‫عالمة كونية ال مجرد فتحة ن يف السور‪ّ .‬أما تسميات الباب‬
‫فيتحول الباب إىل‬
‫ضمن نظام الكواكب السبعة‪،‬‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ً ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ٍّ‬
‫ولىح كامل‬
‫لبوابة‬
‫فليست اسما واحدا ثابتا‪ ،‬بل طبقات تداول‪ :‬أشهرها باب توما الذي استقر بوصفه اسما‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫المسيىح ن يف المدينة‪ ،‬وترد أيضا صيغة "باب توماء" ن يف بعض الضبطات اللغوية‬
‫ارتبط تاريخيا بالحضور‬
‫ي‬
‫ٌ‬
‫بموضع‬
‫تفست للتسمية يربطها بشخصية رومانية تحمل اسم توما أو‬
‫القديمة‪ ،‬كما يظهر ن يف أخبار أخرى‬
‫ٍّ‬
‫ر‬
‫تأئ تسمية “باب الزهرة” بوصفها االسم الرمزي المتولد من‬
‫كانت تقوم عنده كنيسة مالصقة‬
‫للباب‪ ،‬بينما ً ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫الكوكن‪ ،‬ال بوصفها بديال شعبيا متأخرا‪ ،‬بل كصدى لفكرة قديمة ترى أبواب دمشق مفاتيح‬
‫اإلسناد‬
‫ري‬
‫ن‬
‫آن واحد‪.‬‬
‫للمدينة ومفاتيح للسماء يف ٍ‬
‫عىل المستوى الرمزي‪ ،‬يعمل باب توما كعتبة انتقال من منطق المدينة الكونية – المرتبط بالجهة والمحور‬
‫والكواكب – إىل منطق المدينة المجتمعية‪ ،‬حيث االسم والطقس والعادة اليومية تصوغ الفضاء‪ .‬الدخول‬
‫منه ال ن‬
‫يعن فقط عبور السور‪ ،‬بل الدخول نف ّ‬
‫االجتماىع‪.‬‬
‫ح له إيقاعه الخاص‪ ،‬ولغته المعمارية‪ ،‬ونظامه‬
‫ي ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫الخط إىل‬
‫المعن‪ ،‬يشكل باب توما أول انحراف واضح ن يف الرحلة حول سور دمشق‪ :‬انحراف من‬
‫بهذا‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫الدائرة‪ ،‬ومن السياسة إىل االجتماع‪ ،‬ومن الحجر بوصفه نظاما إىل الحجر بوصفه ذاكرة حية‪.‬‬
‫ر‬
‫ر‬
‫الن‬
‫موقعه عند زاوية االنعطاف ن يف الركن‬
‫ً ي‬
‫الشماىل الرس يف من السور جعله آخر األبواب القادمة من الغرب ي‬
‫يحميها بردى مباشة‪ ،‬وهو ٌ‬
‫باب يفتح شقا وكان يخدم ن يف العصور الوسط طريق القوافل المتجهة نحو‬
‫ً‬
‫حلب وتدمر‪ ،‬مع وجود جرس قريب لعبور النهر صار جزءا من تعريف المكان نفسه ‪(Mouton, Guilhot‬‬
‫ُ‬
‫‪& Piaton, 2018/2020).‬واألهم أن الباب كان تعلوه مئذنة بالفعل‪ :‬تظهر الصور الفوتوغرافية‬
‫ً‬
‫والقراءات األثرية أن باب توما كان مرتبطا بكتلة مربعة تحمل المئذنة وتضم درجها‪ ،‬وأن هذا الجزء أزيل ن يف‬
‫‪19‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫النصف األول من القرن العرسين‪ ،‬ثم جرت أعمال ترميم للواجهة بعد إزالة المئذنة‪ ،‬بما يجعل غياب‬
‫المئذنة اليوم عالمة حديثة ال صفة تاريخية أصيلة للباب ‪ (Mouton, Guilhot & Piaton,‬ومن‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫التفاصيل ر‬
‫بالمعن البسيط‪ ،‬إذ تكشف‬
‫الن تضيف عمقا شديا للمكان أن باب توما لم يكن بابا واحدا‬
‫ي‬
‫ر ً‬
‫متا إىل‬
‫القراءة األثرية عن "باب توما ‪ "1‬وهو باب صغت ثانوي " ّبوابة "كان يقع عىل بعد نحو ‪130‬‬
‫ر‬
‫الحاىل هو "باب توما ‪ ،"2‬مع احتمال‬
‫الحاىل وهو مطموس اليوم‪ ،‬بينما الباب‬
‫الجنوب الرس يف من الباب‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً ُ‬
‫ّ‬
‫عت األزمنة ‪ (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020).‬تاريخيا‪ ،‬تذكر هذه البوابة‬
‫تغت التسميات ر‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫بالمقتة‬
‫الفاتحي زمن حصار ‪ ،635/14‬ثم ارتبط اسمها‬
‫أيضا بوصفها موضعا لمعسكر إحدى فرق‬
‫ر‬
‫ر ُ‬
‫بمقتة باب توما‪ ،‬وبحوادث الحقة مثل دخول قوات نور الدين إىل المدينة من‬
‫الن تعرف ر‬
‫اإلسالمية األقدم ي‬
‫ر‬
‫هذا الباب (مع أن الدخول االحتفاىل ارتبط بباب شف)‪ ،‬ثم واقعة ‪ 1195/592‬ن‬
‫حي دخل منها الملك‬
‫ي‬
‫ي ً‬
‫وصوال إىل لحظة ‪ 1260‬ن‬
‫الىح‬
‫باب‬
‫بوصفها‬
‫رمزيتها‬
‫البوابة‬
‫اكتسبت‬
‫حي‬
‫العادل لالستيالء عىل دمشق‪،‬‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ىح يف سياق سيطرة المغول وما تبعها من توترات وإغالق مؤقت للباب & ‪(Mouton, Guilhot‬‬
‫المسي ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫المعن‪ ،‬يصبح باب توما غنيا بتفاصيله الخاصة‪ :‬مئذنة كانت تعلوه ثم‬
‫‪Piaton, 2018/2020).‬بهذا‬
‫ّ‬
‫ومقتة حملت اسمه‪ ،‬ووظيفة طريق‬
‫أزيلت‪ ،‬جرس يجاوره‪" ،‬باب شي أو بوابة ثانوية مطموسة قربه‪،‬‬
‫ر‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ٌ‬
‫ر‬
‫ر‬
‫إمتاطوريا‪ ،‬وأكت التصاقا‬
‫قوافل‪ ،‬وهو تاريـ ــخ يضيف للباب ملمحا مختلفا عن باب ش يف‪ :‬أقل استعراضا ر‬
‫بديناميات ّ‬
‫الىح‪ ،‬والذاكرة‪ ،‬والتحوالت االجتماعية الطويلة‪.‬‬
‫ي‬
‫مراجع (هارفارد)‪:‬‬
‫‪Mouton, J.-M., Guilhot, J.-O. & Piaton, C. (2018/2020) Portes et murailles de‬‬
‫‪Damas de l’Antiquité aux premiers mamlouks: Histoire, architecture, épigraphie.‬‬
‫‪Beyrouth: Presses de l’Ifpo.‬‬
‫المراجع (هارفارد)‬
‫‪Burns, R. (2005) Damascus: A History. London: Routledge.‬‬
‫( ‪Ibn ʿAsākir, ʿAlī ibn al-Ḥasan‬دون تاريـ ــخ‪) Tārīkh Madīnat Dimashq. Beirut: Dār al-‬‬
‫‪Fikr.‬‬
‫‪Sauvaget, J. (1934) Esquisse d’une histoire de la ville de Damas. Paris: Librairie‬‬
‫‪orientaliste Paul Geuthner.‬‬
‫‪20‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫باب السالم ‪:‬‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ائ عن القطاع السابق عليه‪ .‬فهنا يبتعد‬
‫ف‬
‫توما‬
‫باب‬
‫بعد‬
‫شماال‬
‫يمتد السور‬
‫قطاع يختلف يف مزاجه العمر ي‬
‫ي‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ٍّ‬
‫ر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ر‬
‫ٍّ‬
‫دفاىع يتكيف مع انحناءة‬
‫الن تحكم باب ش يف‪ ،‬ويتحول إىل خط‬
‫ي‬
‫الجدار قليال عن رصامة "المحور" ي‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ن‬
‫الشماىل الرس يف‪ .‬هذا االنحناء ريتك أثره عىل شكل السور نفسه‪ :‬فبدال من االستقامة‪ ،‬تظهر‬
‫المدينة يف ركنها‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ن‬
‫انكسارات خفيفة ّ‬
‫وتغتات موضعية يف سماكة البناء‪ ،‬وتبدو المداميك يف بعض المواضع وكأنها تعيد ترتيب‬
‫ً‬
‫تبعا ر‬
‫للتبة ونقاط الضعف المحتملة‪ .‬عىل هذا االمتداد‪ّ ،‬‬
‫يقل حضور الكتل الرومانية الضخمة‬
‫نفسها‬
‫ن‬
‫ر‬
‫ر‬
‫ن‬
‫لن الداكن يف طبقات التميم الوسيط‪ ،‬مع استمرار ظاهرة إعادة‬
‫الظاهرة للعي‪ ،‬ويزداد‬
‫حضور الحجر الباز ي‬
‫ً ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫أكت حجما أقدم زمنا تشكل أساسا لبناء الحق ‪(Mouton,‬‬
‫االستعمال يف القاعدة حيث تشاهد كتل ر‬
‫‪Portes et murailles de Damas de l’Antiquité aux ،Guilhot & Piaton, 2018/2020‬‬
‫‪premiers mamlouks).‬‬
‫الشمالية الرس ّ‬
‫ّ‬
‫القطاع المقصود ن‬
‫قية من دمشق القديمة‪ ،‬وهو‬
‫بي باب توما و باب السالم يقع عىل الحافة‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ٌّ‬
‫الن ُتقرأ فيها األسوار عىل أنها “حد عمر نائ” ر‬
‫من المناطق ر‬
‫أكت من كونها جدارا مكشوفا‪ .‬من جهة الداخل‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫السكن‪ ،‬ومن جهة الخارج ر‬
‫ن‬
‫ُتالمس األسوار أطراف ّ‬
‫تقتب كثتا‬
‫ح باب توما ثم تتداخل تدريجيا مع النسيج‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫المش بمحاذاة السور ن يف هذا الجزء مالصقا تقريبا لفضاء نهر بردى أو أحد‬
‫يصبح‬
‫من مجرى الماء‪ ،‬بحيث‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫الن كانت ّ‬
‫فروعه‪/‬قنواته ر‬
‫الشماىل‪ .‬لذلك نعم‪ :‬يف هذا المقطع غالبا يكون السور عىل‬
‫تمر خارج الجدار‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫جدا منه‪ُ ،‬‬
‫ن‬
‫التحصي‪ ،‬قبل أن تتكفل‬
‫وينظر إىل النهر بوصفه خندقا طبيعيا يجاور‬
‫تماس مع الماء أو قريبا‬
‫ن‬
‫يختق ثم يعود للظهور‪.‬‬
‫األبنية الحديثة ن يف مواضع كثتة بحجب الرؤية المباشة وجعل السور يبدو وكأنه‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫عادة باسم ّ‬
‫ح باب السالم (وتدخل ضمن النطاق‬
‫فه تعرف‬
‫التاىل ي‬
‫ي‬
‫أما تسمية المنطقة نفسها قرب الباب ي‬
‫ر‬
‫ر‬
‫الن يبدأ منها هذا المسار داخل‬
‫ي‬
‫الشماىل لدمشق القديمة)‪ ،‬بينما يبق باب توما هو االسم الغالب للحارة ي‬
‫المدينة‪.‬‬
‫ً‬
‫ٍّ‬
‫أيضا تظهر وظيفة السور بوصفه جهاز مراقبة ر‬
‫أكت منها جهاز صد مباش؛ إذ إن الشمال‬
‫ن يف هذا القطاع‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫تعرضا ر‬
‫ر‬
‫كتى‪ .‬لذلك يتقدم‬
‫الختاقات شيعة مقارنة‬
‫تاريخيا أقل‬
‫الن تفتح عىل الطرق التجارية ال ر‬
‫بالجهات ي‬
‫ً ً‬
‫ً‬
‫ثابتا‪ ،‬ر‬
‫حن إن لم تعد األبراج واضحة كلها اليوم بسبب اندماج‬
‫منطق األبراج المتقاربة بوصفه إيقاعا دفاعيا‬
‫ن‬
‫ر‬
‫ر‬
‫الن تقرأها الدراسات‬
‫أجزاء من السور يف األبنية أو اختفائها خلف إضافات الحقة‪ .‬وتبق الفكرة األساسية ي‬
‫الميدانية‪ :‬تتابع األبراج ضمن مسافات تسمح بالتغطية الجانبية المتبادلة‪ ،‬بحيث ال ر‬
‫يبق أي مقطع من‬
‫الجدار خارج الحماية النتانية ‪Portes et ، (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020‬‬
‫ً‬
‫التاىل‪ ،‬يظهر باب السالم بوصفه بوابة أقل صخبا من باب توما‪،‬‬
‫‪murailles…).‬وعند الوصول إىل الباب‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ر‬
‫ر‬
‫الن تحيط بباب ش يف؛ وقد ارتبط هذا الباب يف التقليد الرمزي لكواكب‬
‫وأقل احتشادا بالطبقات األيقونية ي‬
‫ه باب القمر‪ ،‬كما‬
‫أبواب دمشق بكوكب القمر‪ ،‬ولذلك ترد له ن يف‬
‫بعض الطبقات القديمة تسمية موازية ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫بنتة‬
‫ترد له أيضا صيغة باب السالمة بوصفها اسما قديما يسبق‬
‫يش ر‬
‫االختصار الشائع‪ .‬االسم نفسه ي‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫مختلفة‪" :‬السالم" ليس اتجاها وال شخصية تاريخية‪ ،‬بل قيمة ترفع إىل مستوى المكان‪ .‬هذا النوع من‬
‫ن‬
‫اإلمتاطورية األوىل حيث ُت ّ‬
‫سم األبواب وفق الوظيفة والجهة‪ ،‬بل‬
‫التسميات ال يتشكل عادة يف العصور ر‬
‫‪21‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ر‬
‫ن‬
‫يميل إىل الظهور ن‬
‫دين‪ ،‬فتمنح بواباتها أسماء‬
‫عت‬
‫حي تبدأ المدينة بإعادة تفست فضائها ر‬
‫ٍ‬
‫معجم أخال يف‪ /‬ي‬
‫ً‬
‫وعدا أو ً‬
‫رجاء أو صورة ذهنية عن العبور‪ .‬لذلك يبدو باب السالم أقرب إىل بوابة المدينة كما تريد أن‬
‫تحمل‬
‫عرف نفسها‪ ،‬ال كما فرضتها ن‬
‫ُت ِّ‬
‫الضورات العسكرية وحدها‪Esquisse d’une ، (Sauvaget, 1934‬‬
‫‪histoire de la ville de Damas).‬من النا حية الطبوغرافية‪ ،‬يؤدي باب السالم وظيفة ربط الشمال‬
‫ر‬
‫ر‬
‫الرس يف للمدينة بما يليه من مسالك نحو الشمال والشمال الرس يف‪ ،‬ويقف ضمن تسلسل األبواب عىل‬
‫بي باب توما‪ّ /‬‬
‫الىح ن‬
‫السور كحلقة انتقال ن‬
‫وبي أبواب الشمال األخرى‪ ،‬وال سيما باب الفراديس‪ّ .‬أما بنيته‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ن‬
‫ر‬
‫الن أعيد تشكيلها مرارا وفق الحاجات‬
‫الرومائ‬
‫المعمارية فليست من النمط‬
‫ي‬
‫ي‬
‫الثالئ‪ ،‬بل من األبواب ي‬
‫المتابطة مع السور أكتر‬
‫الدفاعية المتأخرة‪ ،‬بحيث يغلب عىل الباب طابع الممر الدفاىع والكتلة الحجرية ر‬
‫ي‬
‫من طابع “الواجهة” االحتفالية‪Damascus: A History). ، (Burns, 2005‬بهذه الطريقة يتحول باب‬
‫ً‬
‫ً ن‬
‫اضا ر‬
‫وأكت اندماجا يف المنظومة‬
‫السالم إىل عالمة عىل مرحلة تاريخية أصبح فيها الباب أقل استعر‬
‫ً‬
‫العسكرية–المدينية‪ :‬كتلة حراسة‪ ،‬عبور مضبوط‪ ،‬وبوابة تحمل اسما يخفف من خشونة الجدار دون أن‬
‫يلغيها‪.‬‬
‫المراجع (هارفارد)‬
‫‪Burns, R. (2005) Damascus: A History. London: Routledge.‬‬
‫‪Mouton, J.-M., Guilhot, J.-O. & Piaton, C. (2018/2020) Portes et murailles de‬‬
‫‪Damas de l’Antiquité aux premiers mamlouks: Histoire, architecture, épigraphie.‬‬
‫‪Beyrouth: Presses de l’Ifpo.‬‬
‫‪Sauvaget, J. (1934) Esquisse d’une histoire de la ville de Damas. Paris: Librairie‬‬
‫‪orientaliste Paul Geuthner.‬‬
‫باب الفراديس ‪:‬‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫منطقة تعرف‬
‫بعد باب السالم‪ ،‬يواصل السور خطه عىل الحافة الشمالية لدمشق القديمة وهو يدخل‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫وتتشعب المياه‪ ،‬وتعمل‬
‫تاريخيا بأنها محمية بالطبيعة قبل أن تكون محمية بالحجر؛ فهنا تتكاثف األشجار‬
‫ّ‬
‫فروع بردى والقنوات الخارجة منه كحاجز ٍّ‬
‫مائ غت مكتوب يخفف الضغط العسكري عن الجدار‪ ،‬ولهذا‬
‫ً ٍ ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ً ر‬
‫ن‬
‫تختق خلف النسيج‬
‫يبدو السور أقل استعراضا وأكت اندماجا يف المشهد األخض‪ :‬مقاطع تظهر واضحة ثم ُ ي‬
‫ٌّ‬
‫دفاىع يجاور الماء ُ‬
‫العمر نائ ر‬
‫ٌّ‬
‫ويسايره بدل أن يصطدم به‪ .‬ن يف هذا المقطع تالمس أطراف‬
‫وخط‬
‫المتاكم‪،‬‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ر‬
‫الدمشق ر‬
‫الن كانت تنمو عىل ظهر السور أو بمحاذاته‪ ،‬ويبدأ اسم العمارة بالظهور بوصفه‬
‫الشمال‬
‫حارات‬
‫ي ي‬
‫‪22‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ر‬
‫قطاع تتقاطع عنده قناتان‬
‫التاىل؛ فالطريق يست فوق‬
‫عالمة مكانية تتقدم كلما اقتب المسار من الباب ي‬
‫ٍ‬
‫ن‬
‫ر‬
‫العقربائ الذي ّ‬
‫الدمشق كعصب‬
‫يعت الشمال‬
‫مائيتان أساسيتان ‪:‬نهر‬
‫يمر قرب السور‪ ،‬وبردى نفسه الذي ر‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ماء ال كزينة‪ ،‬ما ّ‬
‫يفرس لماذا ت ِرد يف المصادر إشارات متكررة إىل الجسور أمام األبواب الشمالية‪ .‬وعند اكتمال‬
‫هذا االنحناء تظهر بوابة الشمال التالية ‪:‬باب الفراديس‪ ،‬وهو ٌ‬
‫باب ليس "للطريق الكبت" بقدر ما هو بوابة‬
‫ّ‬
‫والضواح الهادئة؛ إذ تذكر القراءة الطبوغرافية الدقيقة أن باب الفراديس لم‬
‫إىل فضاء الحدائق والمقابر‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن ر ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫بوابتي تحمالن االسم نفسه تفصل بينهما مسافة تزيد عىل أربعي متا‪،‬‬
‫يكن بابا واحدا فقط‪ ،‬بل‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫مصطف ن‬
‫العقربائ‪،‬‬
‫نهر‬
‫يعت‬
‫جرس‬
‫عىل‬
‫يفتح‬
‫الجنوئ‬
‫اديس‬
‫ر‬
‫الف‬
‫باب‬
‫‪:‬‬
‫الجوانية‬
‫العمارة‬
‫ع‬
‫شار‬
‫محور‬
‫عىل‬
‫تي‬
‫ر‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ٌ‬
‫ترتيب يكشف أن هذه البوابة لم ُت ر ن‬
‫ي بمعزل عن‬
‫يعت بردى‪ ،‬وهو‬
‫الشماىل يفتح عىل‬
‫جرس ر‬
‫ٍ‬
‫وباب الفر ُاديس ُ ي‬
‫ن‬
‫آن واحد & ‪(Mouton, Guilhot‬‬
‫داري الماء وتستخدمه وتخضع إليقاعه يف ٍ‬
‫الماء‪ ،‬بل خلقت لت ِ‬
‫‪Chapitre III). ،Portes et murailles de Damas… ،Piaton, 2018/2020‬ومن جهة الحارات‪،‬‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫يتقدم هنا هو "العمارة" نفسها‪ :‬ألن الباب ّ‬
‫غت تسميته يف بدايات القرن العرسين‬
‫فإن االسم الذي صار‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أيضا باسم باب العمارة نسبة إىل ّ‬
‫الىح خارج األسوار الذي نما شمال المدينة ‪(Mouton,‬‬
‫وأصبح ُيعرف‬
‫ي‬
‫‪ّ Chapitre III). ،Portes et murailles de Damas… ،Guilhot & Piaton, 2018/2020‬أما عالقة‬
‫ّ‬
‫ر‬
‫ر‬
‫الدمشق‪ :‬إذ ُيعد باب الفراديس‬
‫الن حفظها التقليد‬
‫الكواكب بالباب‪ ،‬فهذه من الطبقات‬
‫ي‬
‫الرمزية القديمة ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫طارد ‪ ،‬وكانت تنسب إليه كغته من أبواب دمشق‬
‫مؤرح المدينة بابا "عتيقا" مهدى إىل ع‬
‫ن يف نظر بعض‬
‫ِ‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫لمدينة ترى كأنها‬
‫تمثيل رمزي مرتبط بالكوكب‪ ،‬بما يجعل العتبة هنا جزءا من خريطة سماوية‬
‫صورة أو‬
‫ٍ‬
‫ٌ‬
‫أرض تحرسها الكواكب السبعة ‪Portes et ، (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020‬‬
‫ّ‬
‫…‪Chapitre III). ،murailles de Damas‬اسم "الفراديس" نفسه‪ ،‬كما ُت ّ‬
‫فصله الدراسة التاريخية‪ ،‬يرتد‬
‫إىل أفق ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫بت ّ‬
‫وحقول ترويــها فروع‬
‫بساتي‬
‫بساتي النعيم" ألن الباب يخرج إىل منطقة‬
‫ويعن "‬
‫نط الداللة‪،‬‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ر ّ‬
‫بردى شمال المدينة‪ ،‬ومن هنا صار بابا ُ‬
‫الن عدتها‬
‫اديس‬
‫ر‬
‫الف‬
‫باب‬
‫ة‬
‫مقت‬
‫وإىل‬
‫الجنائن‬
‫إىل‬
‫للوصول‬
‫ستعمل‬
‫ي‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ر ُ‬
‫حن نسب إليها أنها تضم قبور عدد كبت من األنبياء‪ ،‬كما‬
‫الذاكرة المحلية من أوسع مقابر دمشق وأشهرها‪،‬‬
‫ًّ‬
‫ممرا لمن يريد دخول المدينة واالتجاه مباشة نحو الجامع الكبت دون االلتفاف عىل أبواب الطرق‬
‫صار‬
‫التجارية الثقيلة‪Portes et murailles de ، (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020‬‬
‫…‪ Chapitre III). ،Damas‬ن‬
‫السياس‪ ،‬يخرج الباب من رهافة الجنائن إىل رصامة الحصار‪:‬‬
‫وف التاريـ ــخ‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫فقد ُذكر عند فتح دمشق سنة ‪14‬ـه‪635/‬م ضمن األبواب ر‬
‫الن رابطت عندها جيوش الفتح‪ ،‬وتنسب‬
‫ي‬
‫قيادة الحصار أمامه نف ر‬
‫أكت الروايات إىل شحبيل بن حسنة ّ‬
‫الغس نائ الذي انتقل من خدمة ن‬
‫ن‬
‫نطيي إىل‬
‫البت‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫صفوف اإلسالم‪ ،‬ثم عاد الباب ليظهر يف حصار العباسيي لدمشق سنة ‪132‬ـه‪749/‬م ضمن توزيـ ــع‬
‫القوات عىل األبواب الشمالية ‪Portes et ، (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020‬‬
‫…‪Chapitre III). ،murailles de Damas‬وبعد ذلك يدخل باب الفراديس مرحلة التضاعف الحاسم‬
‫ُ‬
‫حي ُش ِّيدت البوابة الثانية (الخارجية‪ /‬ر ّ‬
‫نف القرن السابع الهجري‪/‬الثالث عرس الميالدي‪ ،‬ن‬
‫التانية) وأثبت‬
‫ي‬
‫تاريـ ــخ بنائها بالنقش إىل ‪639‬ـه‪1243–1242/‬م‪ ،‬ن‬
‫ن‬
‫األيوئ‬
‫الملك‬
‫بها‬
‫أمر‬
‫ى‬
‫كت‬
‫تحصي‬
‫أعمال‬
‫سياق‬
‫ف‬
‫ر‬
‫ري‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً ّ‬
‫ن‬
‫وخارح‪ ،‬وممرا دفاعيا أشد ضبطا ‪(Mouton,‬‬
‫داخىل‬
‫بابي‬
‫الصالح إسماعيل‪ ،‬وهو ما خلق واقع‬
‫ر ي‬
‫ي‬
‫‪Chapitre III). ،Portes et murailles de Damas… ،Guilhot & Piaton, 2018/2020‬ثم تأئر‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫السياس‪ :‬إذ تذكر األخبار – ويشت إليها ابن كثت ضمن أحداث‬
‫لحظة دامية ت ّثبت الباب ن يف ذاكرة الرعب‬
‫ي‬
‫ِّ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫فارقي الذي قتله المغول ُعلق أو ُعرض عند باب‬
‫األيوئ صاحب ميا‬
‫سنة ‪657‬ـه‪1259/‬م – أن رأس األمت‬
‫ري‬
‫‪23‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ً‬
‫الداخىل بعد استعادة المماليك للمدينة‪ ،‬وكأن الباب‬
‫الخارح‪ ،‬قبل أن ُيدفن الحقا قرب الباب‬
‫الفراديس‬
‫ر ي‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫قاس عن انقالب القوى "ابن كثت"‪ ،‬دون تاريـ ــخ‪Al-Bidāya wa al-Nihāya ،‬؛‬
‫تحول إىل منصة‬
‫ٍ‬
‫إعالن ٍ‬
‫ً‬
‫ن‬
‫وانظر أيضا تجميع وتحليل الوقائع يف‪Portes et ،: Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020‬‬
‫…‪Chapitre III. ،murailles de Damas‬‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ن‬
‫المملوك تحديدا نرصبت المنطقة فيضانات قاتلة‬
‫فق العض‬
‫وبعد السياسة ي‬
‫ي‬
‫تأئ الطبيعة لتفرض سطوتها‪ :‬ي‬
‫ر‬
‫عت الباب نفسه إىل داخل المدينة‪ ،‬فتسببت بخراب‬
‫الرم واندفعت ر‬
‫رلتدى‪ ،‬حن دخلت المياه من فتحات ي‬
‫واسع سنة ‪669‬ـه‪1271/‬م ثم سنة ‪683‬ـه‪1285/‬م حيث جرفت السيول جرس الباب ودفعت مصاريعه‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫وتحسي للدفاعات أدخل فيها ذكر الباشورة للمرة األوىل تقريبا‪،‬‬
‫بقوة الماء‪ ،‬ما أدى الحقا إىل أعمال ترميم‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫دكاكي عىل جانن الجرس ُت َّ‬
‫ن‬
‫ؤجر للتجار & ‪(Mouton, Guilhot‬‬
‫ثم استثمر المكان اقتصاديا بإقامة‬
‫ري‬
‫ن‬
‫‪Chapitre III). ،Portes et murailles de Damas… ،Piaton, 2018/2020‬هكذا يصت الباب‪ ،‬يف‬
‫ً‬
‫ن‬
‫(العقربائ وبردى)‪ ،‬والجنائن (الفراديس)‪ ،‬والحصار‬
‫قراءة واحدة‪ ،‬عقدة تجمع السماء (عطارد)‪ ،‬والماء‬
‫ي‬
‫لسياس (‪ ،)1259‬ثم كارثة الطبيعة (‪ 1271‬و‪ ،)1285‬ليظهر بوصفه‬
‫(‪ 635/14‬و‪ ،)749/132‬والرعب ا‬
‫ي‬
‫ً‬
‫مسورة ونهر ال ر‬
‫ّ‬
‫"باب الشمال الرطب" الذي ال ُيفهم إال بوصفه عتبة ن‬
‫يعتف باألسوار‪.‬‬
‫مدينة‬
‫بي‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫المراجع (هارفارد)‬
‫( ‪Ibn Kathir, Ismāʿīl ibn ʿUmar‬دون تاريـ ــخ‪) Al-Bidāya wa al-Nihāya. Beirut: Dār al-Fikr.‬‬
‫‪Mouton, J.-M., Guilhot, J.-O. & Piaton, C. (2018/2020) Portes et murailles de‬‬
‫‪Damas de l’Antiquité aux premiers mamlouks: Histoire, architecture, épigraphie.‬‬
‫‪Beyrouth: Presses de l’Ifpo.‬‬
‫باب النرص ‪:‬‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫حس فيه المدينة كأنها تست بمحاذاة الماء ر‬
‫غربا من باب الفراديس نف قطاع ُت ّ‬
‫أكت مما تست‬
‫السور‬
‫يمتد‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ٍ ً‬
‫ر‬
‫تاريخيا ّ‬
‫جسور‬
‫من‬
‫عنه‬
‫د‬
‫يتول‬
‫وما‬
‫بردى‬
‫بفروع‬
‫االرتباط‬
‫شديد‬
‫ظل‬
‫الدمشق‬
‫بمحاذاة الحجر؛ ألن الشمال‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ر‬
‫الن تشكل محورا شماليا داخل المدينة‬
‫وسواق‪ .‬ومن جهة الداخل تالمس‬
‫ومجار‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫منطقة العمارة الجوانية ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ّ‬
‫يكق ليجعل فكرة الباب هنا مرتبطة بالجرس تلقائيا‪ ،‬ال‬
‫القديمة‪ ،‬بينما من جهة الخارج يظل النهر‬
‫قريبا بما ي‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫ن‬
‫بالعتبة الحجرية وحدها‪ .‬ن‬
‫وف هذا المسار تحدد المسافة أيضا بدقة يف قراءة السور‪ :‬فقد ورد أن موضع باب‬
‫ي‬
‫ً‬
‫الجنوئ كان يقع – وفق مسح نور الدين ‪564‬ـه‪ – 1169–1168/‬عىل نحو ‪370‬ميا غرب باب‬
‫الفرج‬
‫ري‬
‫ر‬
‫ّ‬
‫سلجوف من أبراج القلعة ‪(Mouton, Guilhot & Piaton, 2018,‬‬
‫الفراديس‪ ،‬وعىل تماس شديد مع برج‬
‫ي‬
‫‪Portes et murailles de Damas…, Chapitre III).‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫اىل)‬
‫باسم واضح ‪:‬باب الفرج‪ ،‬وهو ليس بابا واحدا بسيطا‪ ،‬بل بابان‬
‫التاىل‬
‫وهنا يتبدى الباب‬
‫ٍ‬
‫(جنوئ وشم ي‬
‫ري‬
‫ي‬
‫جرس بثالث‬
‫الشماىل من باب الفرج يفتح عىل‬
‫يرتبطان بالتحصينات الشمالية الغربية وبقرب القلعة‪ .‬الباب‬
‫ٍ‬
‫ي ُ‬
‫كامتدادات‬
‫جانن الجرس‬
‫ٍ‬
‫قناطر يعي نهر بردى‪ ،‬وتذكر القراءة المعمار ًية وجود حوانيت صغية أقيمت عىل ر ي‬
‫بارزة‪ ،‬ر‬
‫الحاىل‬
‫حن إنها كانت تحجب رؤية الماء جزئيا‪ ،‬مع بقايا لقناطر حجرية أقدم تحت مستوى الجرس‬
‫ي‬
‫‪24‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫‪(Mouton, Guilhot & Piaton, 2018, Portes et murailles de Damas…, Chapitre III).‬هذا‬
‫تماس مباش مع منظومتها الدفاعية؛ أي إنه ٌ‬
‫ّ‬
‫باب من أبواب السور‬
‫الباب ليس داخل القلعة‪ ،‬لكنه يقع عىل‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫الحرئ‪.‬‬
‫الحضي‪ ،‬غت أنه يعيش يف ظل القلعة كما لو كان جزءا من جهازها‬
‫ري‬
‫ن‬
‫أما ارتباط الكواكب بباب الفرج فهنا يلزم قدر من الضامة‪ :‬باب الفرج نف جوهره ٌ‬
‫باب ُمحدث يف العض‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫واحدا من األبواب األصلية ر‬
‫الن جرى ربطها يف الذاكرة الدمشقية القديمة بالكواكب السبعة‬
‫اإلسالم‪ ،‬وليس‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ٌ‬
‫ن‬
‫ٌّ‬
‫كوكن راسخ مثل باب الفراديس (عطارد)‬
‫نحو ثابت‪ .‬لذلك ال يظهر له يف المصادر‬
‫المتخصصة ًتثبيت ً ر ي‬
‫عىل ٍ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫التحصي ال من النظام‬
‫أو باب الجابية (المريـ ــخ)؛ بل يفهم عادة بوصفه بابا وظيفيا–عسكريا نشأ من تطور‬
‫الرمزي القديم ‪(Mouton, Guilhot & Piaton, 2018, Portes et murailles de Damas…,‬‬
‫‪Chapitre III).‬‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫زنك‪،‬‬
‫برسدية دفاعية دقيقة‪ :‬تنسب فتحة باب الفرج‬
‫تاريخيا‪ ،‬يرتبط باب الفرج‬
‫ٍ‬
‫الجنوب إىل عهد نور الدين ي‬
‫ي‬
‫حي ّ‬
‫ثم تذكر الدراسة أن الباب ُنقل‪/‬أعيد تنظيمه ن‬
‫توسعت القلعة ن يف عهد الملك العادل‪ ،‬وأن إعادة البناء‬
‫ً‬
‫ُت َّ‬
‫زمنيا ن‬
‫رجح ن‬
‫بي ‪( 1214‬حفر خندق القلعة) و‪( 1225‬إغراق الخندق بالماء‬
‫بي ‪ 1203‬و‪ ،1225‬واألقرب‬
‫ن‬
‫ضبط للمسارات ال‬
‫وه مرحلة تكشف كيف صار الباب أداة‬
‫ٍ‬
‫وقطع الطريق بي باب الحديد وباب الفرج)؛ ي‬
‫منفذ عبور ‪(Mouton, Guilhot & Piaton, 2018, Portes et murailles de Damas…,‬‬
‫مجرد‬
‫ٍ‬
‫ن‬
‫ر‬
‫‪Chapitre III).‬ثم تأئ واقعة بالغة الداللة سنة ‪799‬ـه‪ 1396/‬ف عهد السلطان المملوك برقوق‪ ،‬ن‬
‫حي‬
‫ّي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ّ‬
‫حريق كبت امتد من خارج الباب إىل داخله وأرص بالباب‬
‫الشماىل بعد‬
‫تذكر النصوص ترميم واجهة باب الفرج‬
‫ي‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ٌ‬
‫ن‬
‫وبالباشورة المرتبطة به‪ ،‬ما يضع الباب يف قلب االقتصاد الحضي أيضا‪ :‬ألنه باب تحرسه النار كما يحرسه‬
‫الحجر ‪(Mouton, Guilhot & Piaton, 2018, Portes et murailles de Damas…, Chapitre‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫‪III).‬وبجانب ذلك تظهر تسمية الباب نفسها كعالمة سياسية–نفسية‪" :‬الفرج" ليس اتجاها وال شخصا‪ ،‬بل‬
‫ن ُ َ‬
‫موضع من مواضع الحصار‪ ،‬كأن المدينة تكتب رغبتها بالنجاة عىل عتبتها‪.‬‬
‫عىل‬
‫ق‬
‫طل‬
‫معن ي‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫بعد باب الفرج يبدأ المجال الذي تتشابك فيه األسوار مع قلعة دمشق حقا‪ :‬أي أن الست بمحاذاة السور‬
‫ً‬
‫اب أخرى مرتبطة‬
‫يدخل منطقة أصبحت فيها القلعة سورا داخل السور‪ ،‬فتتقاطع مسارات األبواب مع أبو ٍ‬
‫بالقلعة (كباب الحديد وغته) ‪(Mouton, Guilhot & Piaton, 2018, Portes et murailles de‬‬
‫‪Damas…, Chapitre III).‬‬
‫(هارفارد)‬
‫المراجع‬
‫‪Mouton, J.-M., Guilhot, J.-O. & Piaton, C. (eds.) (2018) Portes et murailles de Damas‬‬
‫‪de l’Antiquité aux premiers mamlouks: Histoire, architecture, épigraphie. Beyrouth:‬‬
‫‪Presses de l’Ifpo.‬‬
‫‪25‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫جادة ما ن‬
‫بي السورين‪:‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫جادة ما ن‬
‫توح به بعض‬
‫دفاىع" كما‬
‫جيب‬
‫بي السورين يف دمشق ليست ممرا ضيقا محصورا داخل "‬
‫ي‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ٌ‬
‫يط عمر ن ٌّ‬
‫ن‬
‫ائ واضح المعالم يف الجهة الشمالية من المدينة القديمة‪ ،‬يمتد‬
‫التحصي النظري‪ ،‬بل ش‬
‫أوصاف‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ٍّ‬
‫ن‬
‫إنشائ محدد‪ :‬وجود سورين‬
‫واقع‬
‫من‬
‫اسمه‬
‫ويأخذ‬
‫‪،‬‬
‫غربا‬
‫الفرج‬
‫وباب‬
‫قا‬
‫ش‬
‫اديس‬
‫ر‬
‫الف‬
‫باب‬
‫بي‬
‫عمليا‬
‫ي‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ن ن‬
‫ن‬
‫التاريىح األقدم (المسار الذي يعكس خط‬
‫وئ هو السور‬
‫ي‬
‫متوازيي يف هذا القطاع وحده تقريبا‪ .‬السور ً الجن ر ً ي‬
‫ن‬
‫الرومائ‪ /‬ن‬
‫ن‬
‫الشماىل فهو سور‬
‫نط الذي صار الحقا أساسا للتعديالت اإلسالمية)‪ّ ،‬أما السور‬
‫البت‬
‫التحصي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ ً‬
‫ن‬
‫األساس عىل طول‬
‫األيوئ بوصفه خطا دفاعيا إضافيا يوازي السور‬
‫أمام متأخر أ‬
‫قيم يف أواخر العض ً ر ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ر ً‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ر‬
‫ن‬
‫وبفاصل يتاوح عادة بي ‪40‬و‪ 50‬متا تقريبا‪ ،‬فنتجت بينهما مساحة طولية ليست‬
‫يقارب ‪650‬متا‪،‬‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫جادة‬
‫بالمعن الصارم بل "منطقة فاصلة" واسعة نسبيا تسمح بالحركة‪ ،‬ثم تحولت مع الزمن إىل‬
‫خندقا‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ومتنفس ن‬
‫حضي تتجاور فيه األشجار والممرات والبناء المنخفض‪ ،‬وترى فيه المدينة من خارصتها‬
‫ٍ‬
‫الشمالية‪ :‬إىل الجنوب يقوم الجدار القديم بأبراجه وتقطعاته وكتله البازلتية الداكنة‪ ،‬وإىل الشمال يلوح‬
‫ًّ ً‬
‫حارص ٍّ‬
‫ثانيا أقل مهابة لكنه ن‬
‫كخط موازي‪ ،‬بينما ّ‬
‫عت هذا المشهد‬
‫السور المتأخر بوصفه حدا‬
‫يترسب الماء ر‬
‫ً‬
‫ر‬
‫الدمشق‪ ،‬سواء عىل شكل بردى نفسه أو أحد فروعه وقنواته القريبة‪ ،‬فتكتسب‬
‫بصفته قرينا للشمال‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن ّ‬
‫وهادئا‪ ،‬أقرب إىل ٍّ‬
‫حدين"منه إىل شارع داخل ٍّ‬
‫فه‬
‫بي‬
‫"‬
‫طويل‬
‫ممر‬
‫رطبا‬
‫طابعا‬
‫الجادة‬
‫ح مكتظ‪ ،‬ومع ذلك ي‬
‫ي‬
‫ٍ‬
‫تالمس من جهة الرسق تخوم العمارة وفضاء باب الفراديس‪ ،‬ومن جهة الغرب ر‬
‫تقتب من نطاق القلعة‬
‫ن‬
‫التحصي العسكري يفرض لغته عىل المكان‪Les ،. (Mouton, 2010‬‬
‫وباب الفرج حيث يبدأ ثقل‬
‫‪portes et la muraille de Damas : un patrimoine à redécouvrir‬؛ ‪bornindamascus,‬‬
‫‪ ،2019‬ن‬
‫بي السورين‪).‬‬
‫باب األروام‪:‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ِّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫آللة حربية‬
‫بعد باب الفرج يبدأ المشهد بالثقل فورا‪ :‬السور هنا ال‬
‫مة ٍ‬
‫يعود خطا مدنيا عاديا بل يتحول إىل مقد ٍ‬
‫ً‬
‫ر‬
‫أكت ه قلعة دمشق؛ ر ن‬
‫وتكت نقاط االنكسار والزوايا الحادة‪ ،‬ويصبح‬
‫فتداد الكتل الحجرية ضخامة‪،‬‬
‫ر ي‬
‫اإلحساس بالمكان أقرب إىل تخوم سلطة ال إىل تخوم ّ‬
‫الغرئ تتجاور الحركة‬
‫الشماىل‬
‫ح‪ .‬عىل هذا االمتداد‬
‫ري‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫اليومية مع ّ‬
‫ن‬
‫تلتف عىل حافة الماء‪ ،‬ثم يشتد حضور القلعة‬
‫التحصي‪ :‬أسواق قريبة من الجدار وممرات‬
‫ظل‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫التاىل تاريخيا عند قدم القلعة‪ ،‬عىل الجهة‬
‫كأنها تقطع السور وتعيد تعريفه‪ .‬ن يف هذه المنطقة يتبدى الباب‬
‫ي‬
‫ّ ُ‬
‫الغربية من المدينة‪ ،‬شمال باب الجابية‪ ،‬وهو باب النرص؛ لكنه اليوم غي قائم ألنه هدم ن يف القرن التاسع‬
‫عرس مع ّ‬
‫شق سوق الحميدية ‪.‬باب النض لم يكن من "األبواب الرومانية السبعة" بل ٌ‬
‫باب ُمستحدث‪ :‬أعيد‬
‫ُ‬
‫موضع كان ُيعرف قبل ذلك باسم باب الجنان‪ ،‬ثم غ ّت اسمه إىل‬
‫فتحه بعد ‪1174‬م عىل يد صالح الدين ن يف‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ائ بطابع‬
‫"النض" بوصفه كتابة سياسية عىل الحجر تخلد االستيالء عىل المدينة وتطبع المشهد العمر ي‬
‫الدولة‪Portes et murailles de Damas de ، (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020‬‬
‫‪26‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫‪Chapitre III). ،l’Antiquité aux premiers mamlouks‬ومع الزمن صار باب النض أهم من باب‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ن‬
‫المملوك ألنه يفتح مباشة عىل قلب السلطة‪ :‬القلعة أوال‪ ،‬ثم دار السعادة (دار العدل‬
‫الجابية نفسه يف العض‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ُ ّ‬
‫ّ‬
‫سد ر‬
‫سابقا) ّ‬
‫مقر الوالة‪ ،‬ر‬
‫ويبق باب النض (وأحيانا باب‬
‫حن إن الحصار إذا اشتد كانت أبواب دمشق األخرى ت‬
‫ُ‬
‫الفرج) هو المنفذ الذي تدار منه حركة العسكر ‪ (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020).‬يحمل‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫دقيقا‪ُ :‬عرف بوجود ِدركاه‪/‬رواق عند مدخله‪ ،‬وبوجود باب ّ‬
‫شي )‪(poterne‬‬
‫الباب أيضا تاريخا دفاعيا داخليا‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ن‬
‫جرس فوق الخندق‪ ،‬وبوجود مرسفة‪/‬منظر استعمل موضع مراقبة يف أزمنة االضطراب‪،‬‬
‫عت‬
‫يفض إىل القلعة ر‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ّ‬
‫الخارح د ّمر‬
‫متمردين‪ ،‬لكن هذا الباب‬
‫خارح" أمامه يف ‪1390–1389‬م عىل يد أمراء‬
‫باب‬
‫ثم شهد إضافة " ٍ‬
‫ر ي‬
‫ر ي‬
‫ً‬
‫بمرسوم بعد ‪ 1391‬إلزالة أثرهم‪ ،‬بينما بقيت البوابة األصلية زمنا أطول ‪(Mouton, Guilhot & Piaton,‬‬
‫ٍ‬
‫ّ‬
‫مملوك‪،‬‬
‫‪2018/2020).‬وأما كوكبه فتتبط بطبقة متأخرة من التأويل‪ :‬يذكر أبو البقاء البدري‪ ،‬وهو مؤلف‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أن هذا الباب كان ُم ً‬
‫ر‬
‫تعت عن‬
‫المشتي بوصفه الحارس‬
‫هدى إىل كوكب‬
‫وه نسبة ر‬
‫ي‬
‫اإلله القديم للمدينة‪ ،‬ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫كوئ ‪(Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020).‬‬
‫ٍ‬
‫رغبة يف رفع الباب من وظيفة سياسية إىل معن ي‬
‫ن‬
‫فق مطلع القرن السادس عرس غلب عليه اسم باب دار‬
‫وللباب أسماء أخرى ال تقل داللة عن اسمه األشهر‪ :‬ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫العثمائ صار ُيعرف باسم باب سوق األروام أو اختصارا باب األروام‬
‫السعادة أو باب السعادة‪ ،‬ثم ن يف العهد‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫نسبة إىل السوق الذي نشأ عند قدم القلعة‪ ،‬قبل أن ُيزال الباب نهائيا سنة ‪ 1863‬مع فتح سوق الحميدية؛‬
‫ن ً‬
‫ر‬
‫ُ‬
‫يبتلعه العمران‬
‫حارصا ن يف نسيج المدينة‪ ،‬بينما غاب حجره الذي كان يعلن االنتصار ثم‬
‫بق موضعه‬
‫وبذلك ي‬
‫الحديث ‪(Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020).‬‬
‫(هارفارد)‬
‫المراجع‬
‫‪Mouton, J.-M., Guilhot, J.-O. & Piaton, C. (2018/2020) Portes et murailles de Damas‬‬
‫‪de l’Antiquité aux premiers mamlouks: Histoire, architecture, épigraphie. Beyrouth:‬‬
‫‪Presses de l’Ifpo, Chapitre III.‬‬
‫باب الجابية ‪:‬‬
‫الغرئ‬
‫الشماىل‪ ،‬يهبط المسار بمحاذاة السور نحو الجنوب‬
‫الغرئ‬
‫بعد اجتياز موضع باب النض ن يف القطاع‬
‫ري‬
‫ي‬
‫ري‬
‫المدين ر‬
‫نّ‬
‫أكت مما يحتفظ بطابع القلعة العسكري الخالص‪ .‬ن يف هذا االمتداد‬
‫حيث يستعيد الجدار طابعه‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ر‬
‫تختلط كتلة السور بالعمران المتاكم‪ ،‬وتصبح قراءة الحجر متقطعة ألن البيوت والمتاجر تستند إىل الجدار‬
‫ّ‬
‫أو تحجبه‪ ،‬غت أن خطه يقود بثبات إىل البوابة الغربية األبرز ‪:‬باب الجابية ‪ .‬ريتّب ـع هذا الباب عىل الطرف‬
‫‪27‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ن‬
‫الرومائ العظيم المعروف بـ ‪(Via Recta‬الشارع‬
‫قطن الشارع‬
‫ي‬
‫النقيض تماما من باب ش يف‪ ،‬بوصفهما ر ي‬
‫ر‬
‫المستقيم)؛ فإذا كان باب ش يف عتبة الرسق وبداية المحور‪ ،‬فإن باب الجابية هو عتبة الغرب ونهايته‪ ،‬ورأس‬
‫الغرئ‪ (Sauvaget, 1934‬؛ ‪Burns,‬‬
‫الفيا ريكتا الذي تخرج منه المدينة إىل مسالك الغرب والجنوب‬
‫ري‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ّ‬
‫‪2005).‬وبذلك ال ُيفهم باب الجابية كفتحة يف السور فقط‪ ،‬بل كعقدة تخطيطية‪ :‬بوابة تتوج محورا عمرانيا‬
‫ً ّ ً‬
‫حن بعد ّ‬
‫حيا نف تنظيم المدينة ر‬
‫تغت الدول والعهود‪.‬‬
‫إمتاطوريا ظل‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ن‬
‫افيا أبعد من دمشق نفسها‪ :‬فـ "الجابية" إحالة إىل مدينة‪/‬موضع تل الجابية يف‬
‫يحمل الباب اسمه من جغر ٍ‬
‫ً‬
‫ً ن‬
‫حوران‪/‬الجوالن‪ ،‬وهو مر ٌ‬
‫ن‬
‫اإلسالم بوصفه محطة‬
‫تاريىح ارتبط بالغساسنة ثم صار معروفا يف أخبار الفتح‬
‫كز‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ُ ّ‬
‫ر‬
‫الن تقود إىل ذلك‬
‫م الباب "باب الجابية" ألنه يفتح عىل الجهة ي‬
‫أساسية عىل طرق الجنوب‪ ،‬ولذلك س ي‬
‫اتجاه وطريق قبل أن يكون باب حجارة ‪ (Burns, 2005).‬وبــهذا المع نن يصبح االسم‬
‫الموضع‪ ،‬أي أنه باب‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫خريطة عىل الحجر‪ :‬الباب يعد بالطريق قبل أن يفتحه‪.‬‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫التاريخ"مدخل ‪ :‬ر‬
‫لقت‬
‫الشهاب ن يف كتابه "معجم دمشق‬
‫يذكر قتيبة‬
‫سن جابية أن التسمية من أوهام العامة ً ر ٍ‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ِّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مجهول النسبة يقع قرب باب الجابية‪ ،‬وبذلك يكون هو من أوضح من سجل هذا التفسي وقيده نقديا ال‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫بوصفه حقيقة اشتقاقية‪ ،‬بل بوصفه اعتقادا شفويا متأخرا ملتصقا بالمكان‪.‬‬
‫(الشهائ‪ ،1999 ،‬معجم دمشق‬
‫ري‬
‫ن‬
‫يىح)‪.‬‬
‫التار ي‬
‫ينتم باب الجابية ن يف أصله إىل نموذج البوابات الرومانية الثالثية الفتحات‪ ،‬مثل‬
‫ومن الناحية المعمارية‪،‬‬
‫ي‬
‫باب ش ر يف‪ :‬فتحة مركزية عريضة كانت مخصصة للعربات والمرور الكثيف‪ ،‬وعىل جانبيها فتحتان أصغر‬
‫للمشاة‪ .‬ومن هنا يظهر نف بعض التداول التفريق ن‬
‫بي باب الجابية الكبت وباب الجابية الصغت ‪":‬الكبت" هو‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫الفتحة الرئيسية‪/‬المدخل المركزي‪ ،‬و"الصغت" إشارة إىل إحدى الفتحتي الجانبيتي اللتي كانتا تتبعان‬
‫ّ‬
‫الثالئ‪ ،‬قبل أن ُت ّ‬
‫ر‬
‫غت التعديالت الدفاعية المتأخرة هذه البنية وتحد من عدد‬
‫البوابة األصلية ضمن نظامها‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫فتغلق بعض الفتحات أو تضبط ك ال ر‬
‫يبق الباب مدخال مكشوفا‪ (Sauvaget, 1934‬؛‬
‫الممرات الفاعلة‪،‬‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫‪Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020).‬هذا التفصيل يفرس أيضا لماذا استعملت عبارة "الجابية‬
‫ً‬
‫ً‬
‫الكبت‪/‬الصغت" ن يف بعض روايات الفتح بوصفها توصيفا لمنافذ داخل باب واحد‪ ،‬ال بوصفها أبوابا مستقلة‬
‫متباعدة‪.‬‬
‫ً‬
‫تاريخيا‪ ،‬ارتبط باب الجابية بأثقل لحظات المدينة السياسية‪ ،‬ن‬
‫وف مقدمتها حصار دمشق وفتحها سنة‬
‫ي‬
‫ن‬
‫أئ عبيدة بن الجراح‪ ،‬ودخل منه قسم من الجيش‬
‫فق أشهر الروايات تمركزت عنده قيادة ر ي‬
‫‪14‬ـه‪635/‬م؛ ي‬
‫وفق صيغة الصلح‪ ،‬بينما ر‬
‫اقتنت بوابة الرسق برسدية االقتحام‪ ،‬فصار باب الجابية ن يف الذاكرة باب التفاوض‬
‫فتح تعددت فيه أشكال الدخول( ابن كثت ‪- ،‬البداية والنهاية ‪.‬ثم عاد الباب إىل صدارة‬
‫والتسوية نضمن مشهد ٍ‬
‫ن‬
‫ن‬
‫األكت يف حاالت‬
‫الغرئ هو المدخل الذي يستقبل الضغط‬
‫التحصي يف العصور الالحقة‪ ،‬ألن المدخل‬
‫ر‬
‫ري‬
‫ً‬
‫الحصار القادمة من السهل ومن طرق القوافل‪ ،‬فخضع لعمليات ضبط دفاىع جعلته أقل انفتاحا ر‬
‫وأكت‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ً ُ‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪/‬‬
‫تعقيدا‪:‬‬
‫ائ) يك ال يبق الباب ثغرة مباشة‬
‫بر‬
‫(جوائ‬
‫مزدوج‬
‫نظام‬
‫إىل‬
‫المرور‬
‫ل‬
‫وتحو‬
‫الباشورة‪،‬‬
‫فكرة‬
‫دخلت‬
‫أ‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن يف الجدار‪ ،‬بل ممرا خاضعا للتأخت والرقابة‪ ،‬وتزايدت الكتل الحارسة فوقه وحوله بما يتالءم مع تقنيات‬
‫ّ‬
‫الحرب المتبدلة ‪ (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020).‬وبقدر ما كان باب الجابية نقطة حرب‪،‬‬
‫‪28‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ودكاكي ومسارب‪ ،‬ثم‬
‫كان أيضا نقطة سوق؛ إذ إن كثافة الحركة عنده جعلت محيطه موضع ازدحام تجاري‬
‫ً‬
‫ًّ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫دورة‬
‫شهدت هذه الزوائد شدا وجذبا مع السلطة كلما ضاقت حركة العبور أو خفت الحاجة الدفاعية‪ ،‬يف‬
‫ٍ‬
‫ُتظهر كيف ينتقل الباب ن‬
‫بي منطق العسكر ومنطق االقتصاد داخل العتبة نفسها & ‪(Mouton, Guilhot‬‬
‫‪Piaton, 2018/2020).‬‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫وف الطبقة الرمزية ر‬
‫الن ربطت أبواب دمشق بالكواكب السبعة‪ ،‬نسب باب الجابية إىل المريـ ــخ‪ ،‬وهو إسناد‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫عسكرية ّ‬
‫حساسة تكررت عندها لحظات الحصار‬
‫ينسجم مع صورة الباب بوصفه مدخال غربيا ثقيال وعتبة‬
‫ّ‬
‫والحدة ليحرس ن‬
‫ن‬
‫معن‬
‫التحصي‪ ،‬كأن المدينة وضعت عىل بوابتها الغربية كوكب القوة‬
‫والتفاوض وإعادة‬
‫ٌ‬
‫العبور من جهة الحرب قبل جهة التجارة‪ .‬بهذه اإلضافة يستعيد الباب ازدواجيته الكاملة‪ :‬طريق يفتح عىل‬
‫أرص يجاوره ٌ‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫واسم ن ٌّ‬
‫ن‬
‫سماوي‪.‬‬
‫قرين‬
‫تحصي‪،‬‬
‫فتح وذاكرة‬
‫ي‬
‫الجابية وما وراءها‪ ،‬ومحور يختتم الفيا ريكتا‪ ،‬وذاكرة ٍ‬
‫(هارفارد)‬
‫المراجع‬
‫‪Burns,‬‬
‫‪R.‬‬
‫)‪(2005‬‬
‫‪Damascus:‬‬
‫‪A‬‬
‫‪History.‬‬
‫‪London:‬‬
‫‪Routledge.‬‬
‫( ‪Ibn Kathir, Ismāʿīl ibn ʿUmar‬دون تاريـ ــخ‪) Al-Bidāya wa al-Nihāya. Beirut: Dār al-Fikr.‬‬
‫‪Mouton, J.-M., Guilhot, J.-O. & Piaton, C. (2018/2020) Portes et murailles de Damas‬‬
‫‪de l’Antiquité aux premiers mamlouks: Histoire, architecture, épigraphie. Beyrouth:‬‬
‫‪Presses‬‬
‫‪de‬‬
‫‪l’Ifpo.‬‬
‫‪Sauvaget, J. (1934) Esquisse d’une histoire de la ville de Damas. Paris: Librairie‬‬
‫‪orientaliste Paul Geuthner.‬‬
‫باب الصغت‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫قطاع تتبدل فيه‬
‫الغرئ‪ ،‬ن يف‬
‫بعد باب الجابية ينحرف الست بمحاذاة السور من الغرب نزوال نحو الجنوب‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫تماس مباش مع الماء كما ن يف الشمال‪ ،‬بل يجاور حركة برسية‬
‫طبيعة الحد نفسه‪ :‬فالجدار هنا ال يقف عىل‬
‫ّ‬
‫ر‬
‫الضواح‪.‬‬
‫يخف حضور‬
‫أكت كثافة‪ ،‬حيث تتداخل التخوم الدفاعية مع تخوم األسواق والطرق الخارجة إىل‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫تختق‬
‫"الواجهة الحجرية المكشوفة" ويزداد حضور السور بوصفه دعامة خلفية للعمران؛ مقاطع كاملة‬
‫ًي‬
‫ً‬
‫يوما ممراّ‬
‫فتحة كانت‬
‫برج قديم أو عند‬
‫انكسار أو عند قاعدة‬
‫بيوت التصقت به‪ ،‬ثم يعود ليظهر ن يف‬
‫خلف‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫مراق ًبا‪ .‬خارج السور تبدأ مالمح الشاغور واالمتدادات الجنوبية الغربية ر‬
‫الن ستنفتح الحقا نحو الميدان‪ ،‬بينما‬
‫ي‬
‫ٌ‬
‫ً‬
‫ٌ‬
‫داخل السور ّ‬
‫ات ن‬
‫‪:‬‬
‫تفض ن يف‬
‫ر‬
‫ومسا‬
‫ى‪،‬‬
‫الكت‬
‫األسواق‬
‫إىل‬
‫تتجه‬
‫أزقة‬
‫بخيطه‬
‫ممسكا‬
‫يظل النسج القديم للمدينة‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ر‬
‫الن تتبدى كعالمة انتقال من "غرب المدينة" إىل "جنوبــها"‪.‬‬
‫النهاية إىل العتبة التالية ي‬
‫هنا يظهر الباب التاىل عىل ّ‬
‫خط السور بوصفه باب الجنوب الغرئ ‪:‬الباب الصغي‪ ،‬وهو ٌ‬
‫باب ال يحمل رهبة‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫تماما‪ٌ :‬‬
‫ن‬
‫باب مرتبط منذ وقت مبكر‬
‫الغرئ‪ ،‬بل يحمل رنتة مختلفة‬
‫المدخل‬
‫صخب‬
‫وال‬
‫الرومائ‬
‫المحور‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫التاريىح‬
‫بالمقابر والذاكرة الجنائزية للمدينة‪ ،‬ألن الخارج من هذا الباب يدخل شيعا إىل فضاء المقابر‬
‫ي‬
‫ً‬
‫المعروف باسم مقية الباب الصغي‪ ،‬وه من أشهر مقابر دمشق وأقدمها ر‬
‫وأكتها حضورا ن يف الذاكرة الدينية‬
‫ي‬
‫ُ ّ‬
‫ن‬
‫واالجتماعية‪ .‬لهذا ي ُ‬
‫وظيق فقط؛ إنه بوابة ُت ن‬
‫فض إىل منطقة تذكر‬
‫كمنفذ‬
‫الصغت‬
‫الباب‬
‫صعب النظر إىل‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫المدينة بما تخرجه من داخلها ر‬
‫أكت مما تذكرها بما تدخله إليها‪.‬‬
‫‪29‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ُ َ‬
‫نف طبقة التصنيف الرمزي ر‬
‫الن تربط أبواب دمشق بالكواكب السبعة‪ ،‬ارتبط الباب الصغي بكوكب زحل‪،‬‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫منطقيا مع مزاج المكان‪ٌ :‬‬
‫وبالحد الفاصل ن‬
‫بي‬
‫جنوئ‪ ،‬شديد الصلة بالمقابر‪،‬‬
‫باب‬
‫ينسجم‬
‫الذي‬
‫اإلسناد‬
‫وهو‬
‫ُ ري‬
‫ن‬
‫والتودة‬
‫الحياة اليومية داخل المدينة ومجال الموت خارجها‪ ،‬وزحل يف المخيال القديم كوكب الثقل ر‬
‫والنهاية‪ .‬ال يعمل هذا اإلسناد بوصفه “حقيقة فلكية”‪ ،‬بل بوصفه طريقة قديمة لقراءة الجغرافيا عىل أنها‬
‫نً‬
‫ن‬
‫كوئ‪.‬‬
‫معن ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ر‬
‫الن يرد ذكر الباب الصغت ضمنها تاريخيا فتعود أوال إىل زمن حصار دمشق وفتحها سنة‬
‫أما أهم األحداث ي‬
‫حي تذكر روايات توزيـ ــع القوات أن بعض قادة الفتح رابطوا عند األبواب الجنوبية‪ ،‬ر‬
‫‪14‬ـه‪635/‬م‪ ،‬ن‬
‫ويأئ‬
‫ي‬
‫ً‬
‫الباب الصغت ضمن هذا األفق بوصفه جزءا من الطوق العام الذي أحكم عىل المدينة مخارجها‪ ،‬ر‬
‫حن لو‬
‫ن‬
‫ر‬
‫بقيت "لقطة الفتح المؤسسة" مرتبطة ر‬
‫أكت بباب ش يف وباب الجابية‪ .‬ثم يتقدم الباب الصغت يف ذاكرة‬
‫ر ُ‬
‫عت العصور‬
‫دفن واستقرار‪ :‬قربه‬
‫دمشق ال بوصفه بوابة‬
‫الن دفن فيها ر‬
‫ر‬
‫ٍ‬
‫المقتة ي‬
‫حصار فقط‪ ،‬بل بوصفه بوابة ٍ‬
‫ّ‬
‫عبور من‬
‫لمجال كامل خارج األسوار‪ ،‬فصار الباب عالمة‬
‫اسم‬
‫ٍ‬
‫عدد كبت من أعالم المدينة‪ ،‬وتحول اسمه إىل ٍ‬
‫ٍ‬
‫ّ‬
‫المقدس" إن ّ‬
‫ّ‬
‫صح التعبت؛ هامش ال يضعف فيه ال ن‬
‫صيغة‬
‫معن‪ ،‬بل يتكثف ن يف‬
‫المسورة إىل "هامشها‬
‫المدينة‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ُ‬
‫ر‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫يوم‬
‫أخرى‪ .‬ولهذا أيضا ظل الباب الصغت أقل قابلية ألن يختل يف وظيفة عسكرية‪ ،‬ألنه عاش طويال‬
‫رٍ‬
‫كمعت ي‬
‫ن‬
‫والمقتة‪ ،‬ن‬
‫السكن والخارج الجنائزي‪ ،‬ن‬
‫ن‬
‫بي الوقت العابر والذاكرة الطويلة‪.‬‬
‫بي السوق‬
‫بي الداخل‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫الن يفتح عليها‪ُ ،‬‬
‫مقرونا باسم المنطقة ر‬
‫فيقال "باب الشاغور" بوصفه‬
‫أحيانا‬
‫ومن حيث االسم‪ ،‬يرد الباب‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ٌ‬
‫التباس قديم بينه ن‬
‫وبي تعبتات مثل‬
‫الجنوئ داخل المدينة‪ ،‬كما يظهر يف بعض النصوص‬
‫توصيفا لمجاله‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫"باب الجابية الصغت" ن يف روايات الفتح‪ ،‬وهو التباس سببه أن كلمة "الصغت" كانت تستعمل أحيانا للداللة‬
‫عىل فتحة جانبية نف باب كبت‪ ،‬ال ن‬
‫الجنوئ‬
‫باب مستقل؛ غت أن "الباب الصغت" ن يف موضعه‬
‫بالضورة عىل‬
‫ٍ‬
‫ري‬
‫ي ٍ ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ّ ً‬
‫ر‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫وبالىح‪ ،‬ومحمال بطبقة معن ال تشبه ما تحمله بوابات الشمال والرسق‪.‬‬
‫بالمقتة‬
‫بق اسما قائما بذاته‪ ،‬مقرونا‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ي‬
‫(هارفارد)‬
‫المراجع‬
‫‪Burns,‬‬
‫‪R.‬‬
‫)‪(2005‬‬
‫‪Damascus:‬‬
‫‪A‬‬
‫‪History.‬‬
‫‪London:‬‬
‫‪Routledge.‬‬
‫( ‪Ibn ʿAsākir, ʿAlī ibn al-Ḥasan‬دون تاريـ ــخ‪) Tārīkh Madīnat Dimashq. Beirut: Dār al-Fikr.‬‬
‫( ‪Ibn Kathir, Ismāʿīl ibn ʿUmar‬دون تاريـ ــخ‪) Al-Bidāya wa al-Nihāya. Beirut: Dār al-Fikr.‬‬
‫‪Mouton, J.-M., Guilhot, J.-O. & Piaton, C. (2018/2020) Portes et murailles de Damas‬‬
‫‪de l’Antiquité aux premiers mamlouks: Histoire, architecture, épigraphie. Beyrouth:‬‬
‫‪Presses de l’Ifpo.‬‬
‫باب كيسان ‪:‬‬
‫‪30‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫فيتغت اإليقاع‬
‫الجنوئ لدمشق القديمة‪،‬‬
‫بعد الباب الصغي ينحرف المست بمحاذاة السور شقا عىل الضلع‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ً ن‬
‫التاريىح الذي جعل هذا الجزء من المدينة ر‬
‫ن‬
‫أكت هدوءا وأقل انغماسا يف‬
‫فورا‪ :‬خارج السور يمتد فضاء المقابر‬
‫ي‬
‫صخب األسواق‪ ،‬وداخل السور تتكاثف تخوم الشاغور وأحزمة السكن القديمة ال رن تلتصق بالجدار ر‬
‫حن‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ٌّ‬
‫ن‬
‫ٌ‬
‫جدار ن ٌّ‬
‫أكت؛‬
‫يبدو السور أحيانا كأنه‬
‫خلق للمدينة ال حد مستقل‪ .‬يف هذا االمتداد تظهر طبقات البناء بوضوح ر‬
‫ًي‬
‫ات خفيفة‬
‫كتل تأسيسية أقدم ر‬
‫وأكت حجما تتلوها مداميك بازلتية داكنة من ترميمات الحقة‪ ،‬مع انكسار ٍ‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ر‬
‫تفضح ر‬
‫التاىل هنا‬
‫الجنوئ الرس يف حيث يصبح السور أكت “تحصينا” وأقل‬
‫اقتابنا من الركن‬
‫ر‬
‫“واجهة”‪ .‬الباب ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫تاريخا مرّك ًبا‪ :‬ن‬
‫هو باب كيسان‪ ،‬بوصفه عتبة االنعطاف ن‬
‫فق الذاكرة المسيحية‬
‫بي الجنوب والرسق‪ ،‬وقد حمل‬
‫ي‬
‫ن ّ‬
‫ً‬
‫ن‬
‫وه رواية مذكورة يف نصوص‬
‫ارتبط هذا الموضع بقصة إنزال بولس من السور يف سلة هربا من المطاردة‪ ،‬ي‬
‫نُ‬
‫ن‬
‫اإلسالم يظهر هذا القطاع ضمن الطوق العام الذي رصب عىل أبواب المدينة‬
‫وف ذاكرة الفتح‬
‫العهد الجديد‪،‬‬
‫ي‬
‫ي‬
‫بي الصلح ُ‬
‫والعنوة‪ ،‬ثم رتتاكم حوله طبقات التحصين‬
‫سنة ‪14‬ـه‪635/‬م قبل أن ُتحسم رواية الدخول ن‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ر‬
‫الجنوئ الرس يف‪ .‬ووفق منهج “الكواكب السبعة” الذي يعتمد هذه‬
‫الوسيط بوصفه جزءا حساسا من الجدار‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫الرحلة بوصفه طبقة رمزية موازية‪ ،‬فإن باب كيسان ُيهدى إىل ز َحل ن يف رواية حسن البدري‪ ،‬فيغدو الباب‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫عتبة تتجاور عندها الذاكرة‬
‫قرين الثقل والحد والنهاية‪ ،‬ال تفستا للتاريـ ــخ بل عالمة فوقه‪ :‬حارسا سماويا عىل‬
‫ٍ‬
‫الدينية مع ذاكرة الحصار ومع لغة الحجر الدفاعية ‪. (al-Badrī,‬دون تاريـ ــخ‪Nuzhat al-Imām fī ،‬‬
‫‪Maḥāsin al-Shām‬؛ ‪Portes et murailles de ، Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020‬‬
‫‪Damas de l’Antiquité aux premiers mamlouks‬؛ ‪The Holy Bible, Acts 9:25; 2‬‬
‫‪Corinthians 11:32–33‬؛ ‪ Ibn Kathir,‬دون تاريـ ــخ‪Al-Bidāya wa al-Nihāya). ،‬‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ر‬
‫ن‬
‫ن‬
‫نطيي‪ ،‬وقد ُعد ن يف‬
‫والبت‬
‫الدمشق بوصفه بوابة عتيقة من طبقة الروم‬
‫تبدو صورة باب كيسان ن يف التاريـ ــخ‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫تقاليد المدينة واحدا من األبواب السبعة المنسوبة إىل الكواكب‪ ،‬بل تروى خصوصيته بأنه حافظ عىل صورة‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫سجل الوقائع العسكرية مبكرا إذ يرد ضمن‬
‫زحل عىل واجهته زمنا أطول من سائر األبواب‪ ،‬ثم يدخل الباب ن يف‬
‫ً‬
‫ر‬
‫الكتى مثل حصار‬
‫الن حارصها جيش الفتح سنة ‪14‬ـه‪635/‬م‪ ،‬ويتكرر ذكره الحقا عند المحن ر‬
‫طوق األبواب ي‬
‫ن‬
‫أئ عون عنده‪ ،‬ثم حادثة سنة ‪197‬ـه‪813–812/‬م‬
‫العباسيي لدمشق سنة ‪132‬ـه‪749/‬م وتمركز قوات ر ي‬
‫ن‬
‫حي تمكن رج ال ابن بيهس من اقتحام المدينة بتسلق السور بالساللم قربه‪ ،‬ثم قتال سنة ‪363‬ـه‪–973/‬‬
‫ن‬
‫وف طبقة التسمية يظهر انتقال من صيغ مثل باب قيان إىل استقرار‬
‫‪974‬م خالل اضطرابات الحكم‬
‫الفاطم‪ ،‬ي‬
‫ي‬
‫اسم باب كيسان مع روايات تربطه بكيسان أئ حريز‪ ،‬بينما يذكره المقدس وحده باسم باب الكبت‪ّ ،‬أما فن‬
‫ري‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫ن ّ‬
‫ً يً‬
‫الذاكرة المسيحية فقد ر‬
‫ن‬
‫اقتنت هذه العتبة بقصة بولس الرسول حي أنزل من سور دمشق يف سلة ليال هربا‬
‫ن‬
‫ر‬
‫يأئ التحول الحاسم نف العض الزنك ن‬
‫حي تقرر إغالق‬
‫ي‬
‫وه رواية مذكورة يف العهد الجديد‪ ،‬ثم ي‬
‫ي‬
‫من المطاردة‪ ،‬ي‬
‫ر‬
‫ن‬
‫الباب وتسويره ن يف فتة بي ‪549‬ـه‪1154/‬م و‪564‬ـه‪1169–1168/‬م ألسباب دفاعية تتعلق بضعف الجدار‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ً ر‬
‫ر‬
‫ر‬
‫مئن سنة‪ ،‬قبل أن ُيعاد فتحه رسميا سنة ‪765‬ـه‪1364–1363/‬م‬
‫ري‬
‫الجنوئ الرس يف‪ ،‬فيبق مغلقا أكت من ي‬
‫ن‬
‫ُ‬
‫القبىل مع إنشاءات جديدة مثل القبو والجرس والباشورة‪ ،‬ثم ال يلبث أن يغلق مرة ثانية يف أواخر‬
‫باسم باب‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ُ‬
‫القرن الرابع عرس يف سياق اضطرابات المماليك‪ ،‬ليصبح الباب الوحيد الذي لم يعد يفتح بعدها كمدخل من‬
‫ّ‬
‫ر‬
‫ر‬
‫الن ارتبطت‬
‫مداخل المدينة‪ ،‬وبقيت شهرته الالحقة معلقة أكت بذكرى بولس الرسول وموضع الكنيسة ي‬
‫بالمكان من كونها متصلة بوظيفته الدفاعية األوىل‪، (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020‬‬
‫‪31‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫‪Portes et murailles de Damas de l’Antiquité aux premiers mamlouks‬؛ ‪The Holy‬‬
‫‪Bible, Acts 9:25; 2 Corinthians 11:32–33).‬‬
‫ر ُّ‬
‫ّ‬
‫ر‬
‫خط السور ر‬
‫كيلومتات‬
‫حن باب كيسان‪ ،‬فإن الرحلة تقطع قرابة ثالثة‬
‫إذا بدأ المست من باب ش يف واتبع‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ساعة ونصف ن‬
‫المش‬
‫يتباطأ‬
‫حي‬
‫إىل‬
‫تمتد‬
‫وقد‬
‫هادئة‪،‬‬
‫بخط‬
‫ساعة‬
‫يقارب‬
‫زمنا‬
‫وتستغرق‬
‫‪،‬‬
‫تقريبا‬
‫ونصف‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫تكتق بالوصول بل ت ِض عىل الفهم‪ .‬غت أن خاتمة هذا الدوران ال تقاس بالمسافة‪ ،‬بل بما يكشفه‬
‫ألن العي ال‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫الحد نفسه‪ :‬فسور دمشق ال يعمل هنا بوصفه فاصال رصيحا ن‬
‫بي المدينة والخارج‪ ،‬وال بوصفه درعا نجح‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫دائما نف الحماية؛ بل بوصفه “خط ن‬
‫معن” ُرسم ليصنع مدينة قابلة للتعريف‪ .‬لقد كان السور‪ ،‬يف جوهره‬
‫ي ًّ‬
‫ّ‬
‫ٍّ‬
‫سماوي انعكس عىل األرض كما ّ‬
‫ن‬
‫ن‬
‫‪:‬‬
‫تخيله بناة دمشق األوائل‪ ،‬فوزعوا عىل عتباته‬
‫عالم‬
‫عالمي‬
‫بي‬
‫ا‬
‫األعمق‪ ،‬حد‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ً‬
‫ر ٍّ‬
‫خارح مفتوح ال شكل له‬
‫وعالم‬
‫أسماء وكواكب ورموزا تجعل الدخول والخروج فعال له صدى يف السماء‪،‬‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً ّ‬
‫يحدد ما الذي ُي ّ‬
‫سم “دمشق”‬
‫وال مركز‪ .‬لذلك لم يكن السور شيطا يحبس الخطر خارجا بقدر ما كان إطارا‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ينته ظلها‪ ،‬وكيف تمسك مدينتها بحدود عالمها قبل أن تمسك بسالحها‪ .‬إن‬
‫أصال‪ :‬أين تبدأ جنتها‪ ،‬وأين‬
‫ي‬
‫الدوران حول السور يكشف أن المدينة لم تكن ُتصان بالحجر بقدر ما كانت ُت َّ‬
‫عرف به؛ وأن السور لم يكن‬
‫ً ُ ّ‬
‫معن‪ ،‬وللخارج ن‬
‫نظم الرؤية‪ ،‬يضع للداخل ن‬
‫معن آخر‪ ،‬ويجعل دمشق‪ ،‬قبل‬
‫دفاع فحسب‪ ،‬بل خطا ي‬
‫جدار‬
‫ٍ ً‬
‫ً‬
‫ُ َّ‬
‫لكون صغت مؤطر بالحجارة‪.‬‬
‫أن تكون مكانا للعيش‪ ،‬صورة مكتملة‬
‫ٍ‬
‫‪32‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ُمدقق‬
‫سلسلة‪:‬‬
‫"األساطي من دمشق"‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫دمشق ن‬
‫بي سورين‬
‫تأليف‪:‬‬
‫الذهن‬
‫فارس‬
‫ري‬
‫رحلة تخييلية مع سور دمشق‪.‬‬
‫‪C2026‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة ‪C 2026‬‬
‫‪33‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫‪1‬‬
‫ن‬
‫ن‬
‫بن البرس‪ ،‬ال يعلم أي منا‬
‫ه كانت موجودة مذ قرر الزمان فتح عينيه أمامنا نحن ي‬
‫يف زمان ما‪ ،‬كانت دمشق‪ .‬ي‬
‫من كان ذلك‪ ،‬و لكنه التاريـ ــخ الذي منح تلك البقعة من األرض نعمة أن يسكنها البرس‪ ،‬أنهار و ن‬
‫ر‬
‫خضة و طقس‬
‫جميل‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫لك يحموها من الغزاة و األعداء‪ ،‬أو‬
‫لك يبعدوا عنها الوحوش الضارية‪ ،‬و ي‬
‫بن األجداد سورا عظيما للمدينة ي‬
‫لك يسمحوا لجميع من يريد اللوذ من البرس بذلك الجدار أن يلجأ إليها ن يف ساعات الظلم و الظالم‪،‬‬
‫ربما ي‬
‫وهكذا اهتم الجميع بذلك السور‪ ،‬سور دمشق‪ ،‬الجدار الحجري العظيم‪ ،‬الشامخ حول دمشق‪ ،‬ونقلوا‬
‫الحجارة الضخمة من كل مكان‪ ،‬نحتوها بدقة‪ ،‬و تعاونوا عىل رفعها فوق األحصنة و البغال ووضعوها بعناية‬
‫ً‬
‫ً‬
‫األهاىل‪ ،‬من يسكن المدينة و من يسكن خارجها‪ ،‬وبما أن دمشق‬
‫يحم‬
‫طوقا‬
‫يرفعوا‬
‫كيما‬
‫حجر‬
‫فوق‬
‫ا‬
‫ر‬
‫حج‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ه أقدم مدينة يف العالم‪ ،‬لذلك كان سورها هو أقدم سور حماية ُمشيد حول مدينة ال يزال مستخدما‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ر‬
‫الن يضبــها األعداء‪ ،‬و يرممون أبراجه‪،‬‬
‫وموجودا إىل يومنا هذا‪ ،‬كان‬
‫ي‬
‫األهاىل يهتمون بالسور‪ ،‬يصلحون فجواته ي‬
‫ن‬
‫يرفعونه كلما اشتد الظلم‪ ،‬ويــهملونه يف أيام الرخاء‪ ،‬كان السور نقطة التقاء لجميع سكان المدينة و خارجها‪،‬‬
‫ن‬
‫ر‬
‫الخضة حوله‪ ،‬و هو األمل لمن‬
‫الن تعيش ن يف نطاق ضخم من‬
‫هو‬
‫الحام و هو األمل األخت لجميع العائالت ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫يحم من األعداء فقط‪ ،‬بل يمنع التواصل كذلك‪ ،‬صنع الناس أبوابا‬
‫يسكن منهم داخله‪ ،‬وألن السور ال‬
‫ي‬
‫ً‬
‫كثتة فيه‪ ،‬يك تستمر القوافل ن يف الدخول و الخروج بحرية‪ ،‬ووضعوا فوق البوابات الضخمة أبوابا كبتة‪ ،‬نقلوا‬
‫ن‬
‫بساتي الغوطة و أشجار الجوز الكثيفة فيها‪ ،‬لم تكن البوابات عشوائية بل كانت مرتبطة‬
‫أخشابها من‬
‫ً‬
‫ه عالم سكان‬
‫بالكواكب حيث كان مخطط‬
‫السور بالنسبة لهم انعكاسا لمخطط السماء‪ ،‬فإن كانت المدينة ي‬
‫ً‬
‫اما أن تكون األبواب ه نوافذ لبقية الكواكب نف تواصلها مع شة األرض فن‬
‫المدينة و ريفها‪ ،‬لذلك كان لز‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ر‬
‫المدينة‪ ،‬فوضعوا األبواب وربطوها بالنجوم فباب ش يف مرتبط مع الشمس‪ ،‬وباب توما مرتبط مع الزهرة‪،‬‬
‫وباب السالم مرتبط مع القمر‪ ،‬وباب الفراديس مرتبط مع عطارد‪ ،‬وباب الجابية مرتبط مع المريـ ــخ‪ ،‬والباب‬
‫ر‬
‫ر‬
‫ه العالم كله‪ ،‬محاطة بجنة‬
‫الصغت مرتبط مع المشتي‪ ،‬وباب كيسان مرتبط مع زحل‪ .‬حن لتبدو المدينة ي‬
‫ن‬
‫البساتي ن يف غوطتها‪ ،‬منفتحة عىل الكون ببوابات تربطها مع الكواكب و النجوم‪ .‬يا للبهاء‪.‬‬
‫من‬
‫ن‬
‫السني‪ ،‬لم يعد لهذا السور من جدوى‪،‬‬
‫تعاون الجميع من أجل إنجاز هذا السور العظيم‪ ،‬و لكن بعد مئات‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫فالمدينة اتسعت‪ ،‬و بات عدد سكانها كبتا جدا بحيث لم يعد من الممكن أن يسكن الناس يف داخل السور‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫الخضة و الماء‪ ،‬و المساحات‬
‫اص الموجودة خارج السور‪ ،‬حيث‬
‫فقط فبدأ‬
‫ي‬
‫األهاىل ببناء مساكن لهم يف األر ي‬
‫‪34‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ن‬
‫السني تكاثرت البيوت و المساكن و الدور و الحوانيت و المشاغل‪ ،‬و صارت أحياء خارج‬
‫التاح‪ ،‬ومع تقادم‬
‫ر‬
‫السور مساوية ألحياء داخل السور‪ .‬تناس الناس السور و انشغلوا عنه و صارت بيوتهم تستند إليه‪ ،‬فتحوا‬
‫من ن‬
‫بي صخوره الضخمة شبابيك يطلون منها إىل الخارج‪ ،‬وضعوا أصص الزهور والريحان عليها‪ ،‬و أسندوا‬
‫ر‬
‫المتي‪ .‬ولكن بقاء السور أمر ال جدال فيه ن‬
‫ن‬
‫فبق‬
‫بي‬
‫دكاكينهم عىل جداره الصلب‬
‫ي‬
‫األهاىل رغم انعدام دوره‪ ،‬ي‬
‫ر‬
‫الن لم‬
‫يقسم الدور و البيوت بشكل‬
‫طبيغ‪ ،‬بواباته السبعة الشهتة أصبحت مداخل لألحياء‪ ،‬تلك ًالبوابات ي‬
‫ي‬
‫ر‬
‫تكن تفتح إال مع شوق الشمس‪ ،‬وتغلق مع مغيبها‪ ،‬تراكم التاب تحت مزالقها ألن أحدا لم يغلقها منذ‬
‫سنوات‪.‬‬
‫ن‬
‫ن‬
‫كتت المدينة بشكل هائل‪ ،‬واتسع دورها‪ ،‬لم يرق هذا لجميع‬
‫يف زمان ما يف تلك األيام من القرون الماضية‪ ،‬ر‬
‫ر‬
‫الن كانت موجودة داخل السور‪ ،‬أصبحوا يعايرون ويتمايزون عن سكان‬
‫سكان مدينة دمشق‪ ،‬فأبناء البيوت ي‬
‫ر‬
‫ر‬
‫الن لم‬
‫بيوت خارج السور‪ ،‬بأنهم األقدم‪ ،‬و األكت أصالة و عراقة‪ ،‬بسبب أن بيوتهم قديمة قدم المدينة ي‬
‫ر‬
‫ه بيوت جديدة لم يتعدى زمن بنائها مائة عام‬
‫الن بنيت خارج السور‪ ،‬ي‬
‫يعرف تاريـ ــخ لبنائها‪ .‬بينما البيوت ي‬
‫بعد‪.‬‬
‫كان البرس فيها لم ينضجوا بعد‪ ،‬مثلهم م ُ‬
‫ثل بقية نبن االنسان‪ ،‬يبحثون عن أي سء يفرقهم و ن‬
‫يمت فيما‬
‫ي‬
‫ي‬
‫التميت يتم حسب ر‬
‫ن‬
‫العائىل و‬
‫التاء والفقر‪ ،‬أو حسب لون البرسة‪ ،‬أو حسب النسب‬
‫بينهم‪ ،‬ن يف بالد أخرى كان‬
‫ي‬
‫األصول‪ ،‬لكن نف دمشق صار التنابز والتمايز ن‬
‫بي‪ :‬أهل داخل السور‪ ،‬و أهل خارج السور‪.‬‬
‫ي‬
‫‪2‬‬
‫كانت السنونو تضخ نف سماء المدينة‪ ،‬صوتها كان يشق حزن سماء المساكن ر‬
‫ن‬
‫السني‬
‫الن تقبع ن يف ظالم و رماد‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ُ‬
‫ر‬
‫ُ‬
‫واختتته مرارا‪ ،‬سبع ِعجاف‪ ،‬بدأت‬
‫المجحفة‪ ،‬كانت دمشق يف تلك الفتة من تاريخها تمر بما مرت به سابقا‪،‬‬
‫ر‬
‫ً‬
‫بطوفان هاجوج و ماجوج الذي يتكرر دوما‪ ،‬غزوات من أقوام مجهولة أحرقت مدائن الشام كلها‪ ،‬و هو ما قد‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫حذر منه حكماء المدينة األربعون‪ ،‬الذين قتلوا شيخا تلو شيخ‪ ،‬كانوا يسمون "األبدال العظام"‪ ،‬الذين يحمون‬
‫المدينة القديمة من كل الغزاة‪ّ ،‬‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫القادمي‪،‬‬
‫الغاضبي‬
‫سكاكي مئات اآلالف من‬
‫خروا رصىع تحت سيوف و‬
‫ممن تدفقوا بعد انهيار السد ن يف الرسق‪ ،‬عىل األقل هكذا تقول األسطورة‪ ،‬و هكذا قالت الكتب المقدسة‪ ،‬و‬
‫ً‬
‫لكن أحدا من هذا الزمن لم يستمع لما قاله األبدال‪ ،‬أو روته األساطت الشفاهية‪ ،‬كان أهل المدينة فيما قبل‬
‫يعتتون أن "أهل أول" قد بالغوا ن يف تكديس مخاوفهم تجاه اآلخرين‪،‬‬
‫االجتياح يسخرون من تلك األساطت‪ ،‬و ر‬
‫ن‬
‫الماص و مذابح القرون المنضمة من أجل تبجيل أجدادهم فقط‪.‬‬
‫وضخموا معارك‬
‫ي‬
‫ر‬
‫ن‬
‫الحكوائ العجوز ن يف‬
‫المنمقي ممن شهدوا نهضة المدينة كانوا يسخرون مما يردده‬
‫شبان المدينة األثرياء‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫الحكوائ بشدة‪ ،‬و لكنه يتابع شد‬
‫مقاه األحياء القديمة‪ .‬كانوا أحيانا يضبونه بالزبيب عىل وجهه فيتعج‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ر‬
‫الن كان يمثلها‬
‫سو‬
‫التفاصيل المريعة ي‬
‫قصته عىل العجائز واألطفال‪ ،‬الذين كانوا يرتجفون لشدة الوصف القا ي‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ر‬
‫الحكوائ‪ ،‬األسوار تهدم‪ ،‬و األبراج ر‬
‫تحتق‪ ،‬البوابات تخلع من مكانها‪ ،‬سيدات تسحلن من شعورهن يف وسط‬
‫ي‬
‫المدينة‪ ،‬ن يف الشوارع العامة‪ ،‬رجال يزحفون بيأس أمام قاتلهم و يرجونه عدم قتلهم كما ذبح المئات من قبلهم‬
‫ً‬
‫ر‬
‫الحكوائ مرتديا طربوشه األحمر و الجبة الحريرية المطرزة عىل الطاولة‬
‫أمام أعينهم‪ ،‬كانت نرصبات سيف‬
‫ي‬
‫‪35‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ن‬
‫لشء لم يعيشونه ولكنهم تربوا عىل سماعه و‬
‫الحديدية تثت الرعب يف قلوب العجائز‪ ،‬فيذرفون الدمع ي‬
‫التحذير منه‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ابثي‪ ،‬لم ر‬
‫الهي‪ ،‬ع ن‬
‫ن‬
‫يكتثوا لما يقول‪،‬‬
‫الحكوائ العجوز إال نذيرا صادقا‪ ،‬و لكن شبان المدينة كانوا‬
‫لم يكن‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫فهو يردد ذات القصة مذ كانوا أطفاال‪ ،‬وهم يف حقيقة األمر لم يروا شيئا مما كان يقول‪ .‬فكانوا يملون مجلسه‬
‫ً‬
‫نف المقه‪ ،‬ر‬
‫ويتكونه ليخرجوا إىل شوراع المدينة العتيقة‪ ،‬يحثون الخط ن يف أزقتها و زواربيها بحثا عن تسلية‪.‬‬
‫ي‬
‫ن‬
‫السنونو كانت تطت مثل طائر مجنون يف سماء المدينة‪ ،‬تزعق مثل نفت قادم من السماء‪ ،‬دون أن يستمع‬
‫ً‬
‫ن‬
‫الماليي من سكان المدينة‪ ،‬وبقيت‬
‫إليها أحد‪ ،‬كانت السنونو طائر دمشق المفضل‪ ،‬لم ترحل أبدا كما فعل‬
‫وحيدة لتحذر أهل البلد‪.‬‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ح‬
‫يف تلك األيام كان الشبان أو القبضايات ينظمون أنفسهم يف تجمعات يطلقون عليها اسم "العصبة"‪ ،‬كل ي‬
‫ن‬
‫األهاىل‪،‬‬
‫تكق‬
‫ي‬
‫أو مجموعة أحياء شكل عصبة من شبانه يك تحميه و تزود عن أهله‪ُ ،‬األعمال كانت قليلة‪ ،‬بالكاد ي‬
‫ر‬
‫وه كناية عن ثوب كان‬
‫اهق ي‬
‫ح الورد قد شكلوا عصبة أطلقوا عليها "عصبة القنباز" ي‬
‫فكان الشبان من مر ي‬
‫الدمشقيون يلبسونه للداللة عىل الفخامة و األناقة‪ ،‬ثوب مصنوع من القطن و الحرير المطرز بالصايا‪ ،‬و‬
‫ً‬
‫الموس بالقصب أحيانا‪ ،‬جميل المنظر‪.‬‬
‫ً‬
‫كانت ُعصبة القنباز‪ ،‬بقيادة شاب ن يف السابعة عرسة من عمره‪ ،‬يطلق عىل نفسه اسم السنونو‪ ،‬تيمنا بطائر‬
‫دمشق‪ ،‬صفات السنونو قائد المجموعة كانت تشبه صفات عصفور السنونو‪ ،‬فهو نزق وشيـ ــع الغضب‪،‬‬
‫ً‬
‫جدا‪ ،‬و خفيف‪ ،‬يبات نف كل األماكن دون أية مشكلة‪ .‬صديقنا السنونو كان يعيش نف آخر الىح‪ ،‬نف ن ن‬
‫متل‬
‫شيـ ــع‬
‫ي ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫صغت برفقة والده المريض الذي ال يستطيع الست بسبب حادث تعرض له منذ سنوات طويلة حينما كان‬
‫يعمل ن يف سوق الحبوب‪ ،‬حيث كان يعمل ن يف نقل أ كياس الحنطة‪ ،‬فناء بحمل الكيس ثقيل الوزن فوق ظهره‪،‬‬
‫ً‬
‫مما سبب له كرسا ن يف الظهر‪ .‬فجلس ن يف البيت يصنع السبحات و المطرزات يك يبيعها ابنه السنونو ن يف األسواق‬
‫إن أراد‪.‬‬
‫ً‬
‫ن يف البيت أيضا كانت تعيش شقيقته داليا‪ ،‬فتاة جميلة يافعة‪ ،‬بخدود حمراء يانعة‪ ،‬كانت تعمل مع عرسات‬
‫الفتيات ن يف الدباغات يك تؤمن لعائلتها القليل من النقود‪.‬‬
‫ً‬
‫عصابة القنباز ر‬
‫الن كان السنونو يقودها كانت تضم عرسة أو خمسة عرسة شابا‪ ،‬جميعهم أصدقاء للسنونو‬
‫ي‬
‫ن‬
‫الخياطي‪.‬‬
‫عىل رأسهم شاب يطلق أصحابه عليه إسم الخياط‪ ،‬و كان يعمل ن يف سوق‬
‫ً‬
‫ليال‪.‬‬
‫ثانيهم كان صديقه الدومري الذي كان يعمل برفقة والده ن يف إيقاد قناديل الزيت ن يف شوارع المدينة‬
‫ّ‬
‫ر‬
‫الن‬
‫الىح‪،‬‬
‫تحم‬
‫ىع أنها‬
‫كانت عصبة القنباز تد‬
‫ي‬
‫ليس ألحد أن يعرف ممن! لكنهم كانوا سعداء بهذه المهمة ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫أوكلوها ألنفسهم‪ ،‬جميعهم كانوا يملكون سكاكينا صغتة‪ ،‬ال يعرفون كيفية استخدامها الصحيح‪ ،‬لكنها كانت‬
‫مدعاة فخر و ر ن‬
‫اعتاز بالنسبة إليهم‪ ،‬مع قبضات حديدية صنعت ن يف ورشة الحداد الشهت أبو فهد‪ ،‬الذي كان‬
‫ابنه فهد من أعضاء العصبة ‪.‬‬
‫مكان لقاء عصبة القنباز كان خرابة المنارة‪ ،‬و هو بيت قديم مهجور كان األصدقاء يلتقون به و يتبارون ن يف‬
‫ر‬
‫ر‬
‫الن كان أغلبهم يعمل بها ن يف فرقة‬
‫المصارعة والقتال البسيط ويتدربون فيه عىل رقصة السيف والتس ي‬
‫‪36‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ن‬
‫الرقص‪ ،‬لكنهم مثل كل مر ر‬
‫اهق ذلك الزمان كانوا يقضون الوقت يف اللعب والمبارزات‪ .‬كانت العصبة مؤلفة‬
‫ي‬
‫ً‬
‫من شبان جميعهم من سكان داخل السور‪ .‬ولم يكونوا أبدا ليقبلوا بأن ينضم إليهم أي شاب من خارج السور‪.‬‬
‫ن‬
‫يف ي وم من األيام دخل عليهم شاب يدىع البندوق‪ ،‬والبندوق هذا كان من سكان المدينة‪ ،‬قدم أهله إىل‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ر‬
‫وبق وحده‬
‫المدينة منذ زمن ليس ًبعيداً‪ ،‬وسكنوا فيها‪ ،‬ال أقارب لهم‪ ،‬وال معارف قديمة‪ ،‬ي‬
‫توف والد البندوق ي‬
‫ن‬
‫ر‬
‫الن ال مثيل‬
‫يعيش مع أمه‪ ،‬كان شابا ذكيا أقرب إىل الخبث‪ ،‬يعتاش من مهاراته يف الدق أو العزف عىل ًالطبل ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫المقاه و المطاعم‪ ،‬خبيثا يعمل يف االحتيال‬
‫لها‪ ،‬يتواجد يف كل مكان‪ ،‬يف األسواق و الحارات و الخانات‪ ،‬يف‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫عىل الغرباء‪ ،‬و يف إسداء الخدمات لعابري السبيل‪ ،‬منهم من يسأل عن مكان للنوم‪ ،‬أو يسأل دليال ألقرب‬
‫مطعم‪ ،‬أو خان‪ ،‬أو يبحث عن أسواق القطن و الحبوب أو الصوف‪.‬‬
‫ر‬
‫ن‬
‫البساتي‪،‬‬
‫الن تطل عىل بقية األحياء و‬
‫وصل البندوق و جلس معهم عىل أحجار البيت المهدمة تحت المنارة ي‬
‫أخرج تفاحة حمراء من ثيابه ونظر إليهم‪ ،‬ثم أردف‪ :‬هل تعلمون بأن يوم غد هو عيد المشمش؟‬
‫هز السنونو رأسه باإليجاب‪ ،‬دون أن يتفوه بأية كلمة‪.‬‬
‫ن‬
‫السكي عىل العالمة المحددة عىل الحائط‪.‬‬
‫رم‬
‫كانت العصبة مجتمعة من أجل التدريب عىل ي‬
‫ً‬
‫ثم أردف السنونو قائال‪ :‬وما شأننا نحن أيها البندوق؟ أنت تعلم أن عيد المشمش مثل عيد الكرز‪ ،‬يقام ن يف‬
‫ر‬
‫الن تقام خارج السور‪ ،‬مكاننا ن يف داخل السور‪ ،‬و‬
‫الغوطة‪ ،‬و الغوطة تقع خارج السور‪ ،‬وال شأن لنا باألعياد ي‬
‫ه أعياد داخل السور‪ ،‬عيد الورد و عيد الطرخون‪.‬‬
‫أعيادنا ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ضحك البندوق بسخرية و أخرج سكينه الصغتة من غمدها الجلدي األحمر‪ ،‬كان مقبض سكينه أبيضا عاجيا‪.‬‬
‫ً‬
‫و رن‬
‫ن‬
‫السكي بقطعة التفاح المقصوصة منها‪ ،‬ثم قضم منها قضمة كبتة‪،‬‬
‫احت بها التفاحة الحمراء‪ ،‬غارزا رأس‬
‫ً‬
‫ً‬
‫و نهض واقفا‪ ،‬يتأمله بقية الشبان من عصبة القنباز‪ ،‬كانت ثقته ن يف نفسه مرتفعة‪ ،‬وجسده ممشوقا‪ ،‬مع‬
‫نن‬
‫مكتتة بالعضالت‪.‬‬
‫أكتاف‬
‫ر‬
‫اقتب من السنونو‪ ،‬ووضع يده عىل كتفه وقال‪ :‬أنت تعلم أن المسابقات و األلعاب األجمل تقام خارج‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ه من تفوز عىل‬
‫السور‪ .‬ثم رفع صوته عاليا يك يسمعه الجميع‪ ،‬و أنتم تعلمون جميعا أن عصبة الفراري ع‪ ،‬ي‬
‫الدوام ن يف مسابقات عيد المشمش‪ .‬و أنتم‪ ،‬نحن! جميعنا‪ .‬محبوسون هنا ن يف داخل السور‪ ،‬ن يف أحيائنا‪ ،‬ال‬
‫ً‬
‫نتبارى سوى مع أنفسنا‪ّ .‬‬
‫هلموا نخرج إليهم و لنستمتع قليال‪ ،‬نتبارى معهم‪ ،‬نهزمهم‪ ،‬وأنت يا سنونو‪ ،‬أنت‬
‫ً‬
‫ن‬
‫تخشاه؟‬
‫الذي‬
‫فما‬
‫المدينة‪،‬‬
‫ن يف‬
‫سكي‬
‫ام‬
‫أفضل‬
‫أنك‬
‫جيدا‬
‫تعلم‬
‫ر ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫سكي يف المدينة‪ ،‬و لكن عيد المشمش ليس‬
‫ام‬
‫انتفض الخياط صارخا‪ :‬بكل تأكيد السنونو هو أفضل ر ي‬
‫ر‬
‫الحكوائ العجوز ذات مرة‪ ،‬وهو خارج من المقه‪،‬‬
‫عيدنا‪ ،‬إنه عيدهم‪ ،‬عيد المستحيل‪ ،‬هل نسيت ما قاله‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫يعن‬
‫كان يقول بأن المشمش ً يف بالدنا أشبه بالمستحيل‪ ،‬فحينما تقول سأعطيك النقود يف المشمش‪ ،‬فهذا ي‬
‫سء ممكن لدى عصبة‬
‫أنه لن يعطيك النقود أبدا‪ ،‬عيد المشمش ليس عيدنا‪ ،‬ألننا ال نؤمن بالمستحيل‪ ،‬فكل ي‬
‫القنباز‪ ،‬أليس كذلك يا رفاق؟‬
‫ً‬
‫ن‬
‫واقفي‪ ،‬و هم يضخون و يشهرون سكاكينهم الصغتة‪.‬‬
‫هب الرفاق جميعا‬
‫ً‬
‫أضاف الخياط رافعا صوته من جديد‪ :‬لكن هل المستحيل صعب علينا؟‬
‫‪37‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ً‬
‫ن‬
‫مهللي فقال فهد‪ :‬نحن من نهزم المستحيل‪ ،‬نحن ال نخرج عىل رأي زعيمنا السنونو‪،‬‬
‫هب الرفاق جميعا‬
‫ً‬
‫ولكن فكرة البندوق ن يف أن نتبارى مع عصبة الفراريـ ــع جيدة جدا‪.‬‬
‫أضاف الدومري‪ :‬ال يوجد لدينا مستحيل‪ ،‬سنهزمهم ونكرسهم مثلما نكرس بذرة مشمش خشبية‪.‬‬
‫بي أفراد ُ‬
‫ساد التأييد و التهليل ن‬
‫العصبة‪.‬‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ممتلئي بالفخر و الغرور‪ .‬شبان بأجساد قوية لم‬
‫لم يكن الشعر يف لىح أغلبهم قد نبت بعد‪ ،‬و لكنهم كانوا‬
‫يختتوا بعد ن‬
‫معن الحياة‪.‬‬
‫ر‬
‫ً‬
‫ً‬
‫عاليا فصمت الجميع وبــهدوء أردف‪ :‬ولكن أنتم تعلمون ن‬
‫معن هذا جيدا‪ ،‬إن خروجنا من‬
‫رفع السنونو يده‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫السور و ذهابنا إىل الغوطة يف عيد المشمش‪ ،‬سيكون رسالة قوية‪ ،‬فإما أن نذهب و نستأذن من "الفرارايع"‬
‫ٍّ‬
‫تحد كبت‪.‬‬
‫وزعيمهم ورقة‪ ،‬أو أن ندخل عليهم دون استئذان و ذلك سيكون بمثابة‬
‫أال تذكرون يوم الجمعة األسود منذ ستة أشهر‪ ،‬حينما جاء ورقة ومعه رفاقه من "عصبة الفراريـ ــع"وأرادوا‬
‫ر‬
‫الدخول إىل المقه لالستماع إىل قصة ر‬
‫الحكوائ!‬
‫عنتة بن شداد من‬
‫ي‬
‫ر‬
‫الن نشبت بيننا و بينهم؟‬
‫هل تذكرون المعركة ي‬
‫وفجأة تراجع الرفاق إىل الخلف‪ ،‬و معهم البندوق‪ ،‬وكأنهم يفسحون المكان للسنونو يك يقوم برواية القصة‪،‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫مشكلي دائرة كبتة‪ ،‬يقف ن يف منتصفها الزعيم رافعا سكينه عاليا وكأنه يشهرها ن يف وجه خصم له‪ ،‬و لكنه غت‬
‫ً‬
‫موجود‪ .‬مستذكرا ما قاله حينها‪:‬‬
‫ّ ن‬
‫الىح‪ ،‬نحن أهل السور‪ ،‬ونحن من يعيش‬
‫الىح لنا‪ ،‬إنه ملكنا‪ ،‬و لن نسمح ألحد منهم أن يتجول يف هذا ي‬
‫"هذا ي‬
‫ن يف داخل السور‪ ،‬قيود نفوسنا هنا من قبلهم‪ ،‬قبور أجدادنا و عظمائنا هنا‪ ،‬نحن أصحاب المدينة‪ ،‬نحن‬
‫ً‬
‫ر‬
‫نأئ إليكم أبدا"‪.‬‬
‫أحفاد من بناها‪ ،‬وأنتم أتيتم بعدنا‪ ،‬لذلك‪ .‬ال تأتوا إلينا و أنا أعدكم أال ي‬
‫بي جموع عصبة القنباز‪ ،‬رفع البندوق صوته و ر‬
‫وفجأة ومن ن‬
‫اقتب من منتصف الدائرة الكبتة‪ ،‬وسط غضب‬
‫الخياط الذي مد يده عىل الفور وأمسك كتف الدومري الذي كاد أن يندفع إىل البندوق و ن‬
‫يضبه‪ ،‬فهو يتجرأ‬
‫عىل الدوام عىل السنونو‪ ،‬وليس ألحد أن يتجرأ عىل السنونو فهو قائدهم‪.‬‬
‫ً‬
‫قائال‪ :‬أنا ر‬
‫ر‬
‫واجن يا زعيم‪ ،‬أن أذكرك بما قاله‬
‫أحتم ما تقول‪ ،‬ولكن من‬
‫اقتب البندوق ووقف قبالة السنونو‬
‫ري‬
‫ً‬
‫ورقة‪ ،‬وفجأة ّ‬
‫تحول صوت البندوق ليصبح مشابها لصوت ورقة‪.‬‬
‫ن‬
‫مختفي‬
‫قال‪" :‬نحن من يطعمكم و يسقيكم الماء‪ ،‬نحن من نزرع الخت و وأنتم يا من تسكنون داخل السور‬
‫ً‬
‫خلف السور الحجري الكبت‪ ،‬ال تفعلون شيئا سوى التجارة و البيع و الرساء‪ ،‬و شب القهوة و االستماع إىل‬
‫ر‬
‫الحكوائ"‪.‬‬
‫ي‬
‫ً‬
‫"وكان ما كان"‪ :‬أردف السنونو‪ ،‬مستذكرا ما حصل‪:‬‬
‫حيث اندفع الدومري و هاجم ورقة‪ ،‬و اندفعت عصابة الفراريـ ــع ن يف مشاجرة كبتة أمام المقه ضد عصابة‬
‫القنباز‪ ،‬الفراري ع يحملون فؤوسهم الصغتة‪ ،‬والقنباز يحملون سكاكينهم الصغتة ‪.‬‬
‫‪38‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ن‬
‫ح الورد‪ ،‬و األحياء المجاورة بالكامل‪ ،‬وتجمهر الجميع يك يتفرجوا عىل الضاع‬
‫يف ذلك اليوم اجتمع‬
‫أهاىل ي‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫عصبتي‪ ،‬ستصبحان من أشهر عصابات المدينة‪ ،‬وستنترس شهرة هذه المعركة يف كافة أصقاع وأحياء‬
‫بي‬
‫المدينة داخل السور و خارجه‪.‬‬
‫ُ‬
‫وسيشار إليها بطوشة القهوة‪.‬‬
‫ً ً‬
‫ن‬
‫السكاكي والفوؤس لتؤذي أحدا أبدا‪ ،‬كان المتشاجرون يعلمون خطورة استعمال هذه األدوات‬
‫لم تكن‬
‫الحادة‪ ،‬و كانوا يحملونها من باب الردع و إخافة الطرف اآلخر‪ ،‬كان أشد ما يمكن أن يصيب الخصم‪ ،‬هو‬
‫ُ‬
‫سطىح‪ ،‬بحيث تسم العملية بالتعليم‪ ،‬و هذا ما‬
‫التشطيب‪ ،‬أي شطب وجه الخصم أو يده أو ذراعه‪ ،‬بجرح‬
‫ي ً‬
‫ً ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫فعله السنونو مع ورقة‪ ،‬حيث شطبه يف وجهه و ترك يف خده أثرا بقيت عالمته طويال يف مكانها دون أن‬
‫ً ن‬
‫دام‪ ،‬توقفوا عن الشجار و‬
‫تلتئم‪ .‬وحينما رأى أعضاء عصبة الفراريـ ــع زعيمهم ورقة مصابا يف وجهه بجرح ٍ‬
‫ن‬
‫يعن أن المعركة كما كانوا‬
‫تبادل اللكمات و القبضات الحديدية‪ ،‬توقفوا بكامل الهدوء‪ ،‬فالزعيم أصيب‪ ،‬و هذا ي‬
‫ر‬
‫الن ن يف أيديهم عىل األرض‪ ،‬و أرجعوا الفؤوس الصغتة‬
‫يطلقون عليها قد انتهت‪ ،‬فوضعوا‬
‫العض و الحجارة ي‬
‫ي‬
‫الىح‪.‬‬
‫إىل شاويلهم‪ .‬وخرجوا من ي‬
‫ر‬
‫لحكوائ و صاحب‬
‫األهاىل و سخط ا‬
‫وبــهكذا انتضت عصابة القنباز عىل عصابة الفراريـ ــع‪ ،‬وسط غضب‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫مكروها من الجميع‪ .‬وصلت األخبار إىل أهاىل الشبان من ر ّ‬
‫كلن‬
‫القهوة‪ ،‬فالشجار و القتال ن يف الشوراع كان أمرا‬
‫ي‬
‫ي‬
‫العصبتي‪ ،‬فوبــخ والد السنونو ابنه‪ ،‬و منع والد الخياط ابنه من الخروج من ن ن‬
‫ن‬
‫المتل ألسبوع‪ ،‬وعوقب الدومري‬
‫عىل ما فعله بحرمانه من المضوف‪ ،‬وكذا ا ألمر مع ورقة الذي عوقب قبل أن يعتذر لوالده عن ابتعاده عن‬
‫ن‬
‫ر‬
‫والدومائ‪.‬‬
‫ائ‬
‫األرض والذهاب إىل المدينة لسماع‬
‫ي‬
‫الحكوائ‪ .‬ومثله المرس ر ي‬
‫ي‬
‫لكن أولئك الشبان كانوا يعيشون ن يف عالمهم الخاص عالم متوقف ن يف يوم طوشة القهوة‪ ،‬حيث جلس السنونو‬
‫ً‬
‫كرس قريب ن يف المقه‪ ،‬ووضع ساقا فوق أخرى‪ ،‬وشب كأس الشاي البارد الذي‬
‫بعد خروج خصومه عىل‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫كان لزبون غته‪ ،‬كان قد فر من وسط المشاجرة‪.‬‬
‫الىح‪ ،‬إن الوقت كان ن يف المغيب‪ ،‬بحيث كاد‬
‫أعلن يومها السنونو انتصاره عىل الفراريـ ــع‪ ،‬ويقول بعض أهل ي‬
‫ن‬
‫ر‬
‫تحتق بصديقها‬
‫الن تمأل سماء المدينة‬
‫صوت أشاب السنونو أن يصم اآلذان‪ ،‬وكأن أشاب الطيور المجنونة ي‬
‫ي ً‬
‫السنونو الذي كان ممزق الثياب‪ ،‬مشقوق القنباز‪ ،‬منكوش الشعر‪ ،‬مثله كمثل رفاقه ن يف العصبة جميعا‪ .‬وحده‬
‫الدومري كان يضع يده عىل خده‪ ،‬فلقد كان قد أصيب بشطب‪ ،‬أسال الدم البسيط من خده‪ ،‬فخجل وانسل‬
‫ً‬
‫عائدا إىل بيته‪.‬‬
‫ن‬
‫ثائ أشس شباب عصابة الفراريـ ــع بعد ورقة‪.‬‬
‫كان من شطب الدومري هو ر ِ‬
‫الرسش‪ ،‬ي‬
‫الحكوائ العجوز من السنونو ّ‬
‫ر‬
‫ر‬
‫ووبخه بطريقة أبوية عىل ما فعل‪ .‬ولكن السنونو نهض و طار‬
‫اقتب يومها‬
‫ي‬
‫ً‬
‫بعيدا مع رفاقه‪.‬‬
‫ً‬
‫ومع انتهاء المشهد اتسعت حدقتا البندوق ثم انتفض متذكرا ما حصل‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫كان يوما عظيما‪ ،‬قال الخياط‪.‬‬
‫‪39‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ً‬
‫ً‬
‫كان انتصارا حاسما‪ ،‬أردف الدومري‪.‬‬
‫ن‬
‫نظر إليهما السنونو ثم قال‪ :‬ولكن إن خرجنا إىل عيد المشمش‪ ،‬فسنضع أنفسنا تحت تضفهم‪ ،‬يف أرضهم و‬
‫ً‬
‫أحيائهم‪ .‬لن يخرج أحد من السور إىل عيد المشمش أبدا‪.‬‬
‫أليس كذلك؟‬
‫ن‬
‫ابتسم البندوق‪ :‬ال يا زعيم‪ ،‬عيد المشمش للجميع‪ ،‬لكل الناس‪ ،‬ثم إن العيد يقام يف بستان المشمش الكبت‪،‬‬
‫هناك حيث عرسات آالف من شجتات المشمش تنتصب‪.‬‬
‫أهاىل األحياء لن يخرجوا إىل العيد؟ هل تعتقد بأنهم خائفون منك‪ ،‬أو من عصبة القنباز‪ .‬كال يا‬
‫هل تظن أن‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ر‬
‫األهاىل سوف يركبون عرباتهم وسيخرجون هربا من هذا الحر الشديد‪ ،‬و سيفتشون مع‬
‫زعيم‪ .‬فجميع‬
‫ي‬
‫ن‬
‫الخضاء المطرزة بزهور ربيع الغوطة‪ ،‬تحت أزاهت شجر المشمش الوردية‪ ،‬نساء و رجال‪،‬‬
‫عائالتهم األرض‬
‫أمهات و أطفال‪ ،‬فتيات و رجال سوف يقومون بشواء اللحم‪ ،‬و تقطيع المقدونس‪ ،‬وصنع أطايب الطعام‪،‬‬
‫ن يف العام الفائت كادت روائح الطعام أن تصل إىل حيفا‪ .‬إنه عيد للجميع‪.‬‬
‫ر ً‬
‫يغ مالبسات الذهاب‪.‬‬
‫فهو‬
‫‪،‬‬
‫ددا‬
‫ولكن! قال السنونو مت‬
‫ي‬
‫البندوق‪ :‬من دون لكن‪ .‬سنذهب سوية‪.‬‬
‫ً‬
‫ثم انسحب البندوق من المكان مغادرا خرابة المنارة‪ ،‬بعد أن قفز فوق السور المنهار‪ ،‬ثم التفت إليهم‪ :‬ال‬
‫ن‬
‫قنابت‪ .‬سيكون هنالك الكثت من الفتيات الجميالت‪.‬‬
‫تنسوا أن تلبسوا أجمل ما لديكم من‬
‫ضحك الخياط و الدومري و نظرا إىل السنونو‪.‬‬
‫ً‬
‫الذي ر‬
‫اقتب من النار المشتعلة‪ ،‬و حمل ابريق الشاي‪ ،‬ليصب لنفسه كأسا صغتة‪ .‬ارتشف رشفة‪ ،‬ثم مرر‬
‫الكأس إىل شاب يقف إىل جواره‪.‬‬
‫وقال‪ :‬سنذهب إىل عيد المشمش‪ ،‬جهزوا أنفسكم‪.‬‬
‫فانطلقت التهليالت الفرحة و االبتسامات الكبتة من شبان عصبة القنباز الذين تفرقوا عىل الفور‪ ،‬فمنهم‬
‫من ذهب إىل ّ‬
‫حمام السوق‪ ،‬ومنهم من عاد إىل بيته ليطلب من ّأمه إصالح قنبازه‪ ،‬و منهم من ذهب إىل‬
‫الحالق يك يشذب له شعره‪.‬‬
‫حينما دخل السنونو إىل بيته‪ ،‬ن‬
‫ن‬
‫السكي ن يف شق ن يف الجدار أعىل باب البيت‪ ،‬ن يف زاوية معتمة ال يراها أحد‪،‬‬
‫أخق‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫طبقا من الطعام نف المطبخ‪ ،‬كانت رائحة ر ن‬
‫المحمر فوق الموقد ن يف المطبخ‬
‫الخت‬
‫شقيقته داليا كانت تصنع‬
‫ي‬
‫شهية لدرجة ال تصدق‪ ،‬لم يدرك السنونو أنه لم يتناول الطعام منذ البارحة‪ ،‬انطلق إىل غرفة أبيه‪ ،‬وهبط إىل‬
‫ً‬
‫ّ ً‬
‫ال يده‪ ،‬كان األب يجلس مستندا عىل وسائد تستند إىل الجدار‪.‬‬
‫مجلسه مقب‬
‫رصخت داليا‪ :‬وصل السنونو يا ر يئ‪.‬‬
‫ابتسم األب و قال البنه‪ :‬كيف استطعت أن تقنع شقيقتك بأن تناديك بالسنونو‪ ،‬لقد أسميتك حسام‪ ،‬هل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ن‬
‫البتار‪ ،‬هل تستبدل السيف البتار‪ ،‬بعصفور نزق و طائش‪.‬‬
‫ابن هو السيف‬
‫تعلم معن الحسام‪ ،‬الحسام يا ي‬
‫‪40‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ً‬
‫ن‬
‫احتم االسم الذي ر‬
‫متملمال‪ :‬يا أئ‪ ،‬أنا ر‬
‫طبغ يشبه طبع السنونو يف كل‬
‫اختته يىل‪ ،‬و لكن‬
‫ابتسم السنونو ألبيه‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫أنن لو كنت عصفورا سأكون حتما مع أشاب السنونو فوق سماء المدينة‪ ،‬السيف البتار‬
‫شن‪ ،‬أنا أعتقد ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫السكي فتحتاج إىل مهارة‪،‬‬
‫السكاكي‪ ،‬السيف يحتاج لقوة بدنية أما‬
‫ثقيل و مزعج‪ ،‬أنا أكره السيوف‪ ،‬وأعشق‬
‫ً‬
‫ن‬
‫كبتا‪ ،‬عدا عن أن استعماالتها ف الخت كثتة‪ .‬وكم ن‬
‫ن‬
‫أتمن أن تسمح يىل باقتناء‬
‫السكي ال تؤذي‪ ،‬و ال تسبب أذى‬
‫ي‬
‫ً‬
‫‪ً:‬‬
‫سكي يا أئ! لم يستجب األب أبدا لطلب ابنه المرفوض من قبله‪ ،‬بينما تابع السنونو ر‬
‫ن‬
‫مستسال أنا شيـ ــع و‬
‫ري‬
‫ن‬
‫رشيق‪ ،‬و أشعر بالسعادة الكبتة حينما تكون الشمس يف كبد السماء‪ ،‬وأحزن بشدة حينما تغيب‪ ،‬يا ليت‬
‫ً‬
‫العالم كله كان نهارا‪ ،‬دون ليل‪.‬‬
‫ارتشف األب من كأس الشاي أمامه وقال‪ :‬وكيف اكتشفت أنك تشبه السنونو؟ سأل األب‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أجاب السنونو‪ :‬حينما كنت ّ‬
‫مرة عىل السطح‪ ،‬وجدت فرخا صغتا لعصفور يحاول أن يطت‪ ،‬أمسكت به‪ ،‬كان‬
‫ن‬
‫ن‬
‫قلبه يدق برسعة لدرجة ن‬
‫أنن شعرت بتلك الدقات يف يدي‪ .‬فجأة سمعت عرسات الضخات من طيور يف‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ر‬
‫الن تضخ عىل ابنها الذي ن يف يدي‪.‬‬
‫أس‪ ،‬حينها كانت سماء دمشق موشاة بآالف الطيور ي‬
‫الجو‪ .‬رفعت ر ي‬
‫ً‬
‫وحيدا ن‬
‫ن‬
‫القاس‪ ،‬أريد أن‬
‫العالم‬
‫هذا‬
‫ف‬
‫أئ أريد أن أكون سنونو‪ ،‬ال أريد أن أكون ً ي‬
‫حينها وبال أي شك‪ ،‬أدركت ي‬
‫ي‬
‫نّ‬
‫يكون ىل أصدقاء ر‬
‫كت‪ ،‬يخافون ّ‬
‫أئ لو أن يىل شقيقا!‬
‫عن‪ .‬آه يا ر ي‬
‫ي‬
‫عىل و يسألون ي‬
‫ي‬
‫أطرق األب رأسه‪ :‬رحم هللا أمك‪ ،‬لوكانت معنا اآلن‪ ،‬كم ستكون سعيدة بك‪.‬‬
‫دخلت داليا إىل الغرفة فنهض السنونو وساعدها نف وضع الطعام عىل الطاولة الوطيئة‪ .‬ر‬
‫اقتب الجميع و‬
‫ي‬
‫بدأوا األكل‪.‬‬
‫ومثل السنونو فعل الخياط و الدومري‪ ،‬جميعهم أخفوا سكاكينهم الصغتة ن يف شقوق الجدران و ن يف أسفل‬
‫أحواض الزهور ن يف بيوتهم‪ ،‬جميع أعضاء عصبة القنباز االثنا عرس فعلوا هذا‪ .‬دخلوا إىل بيوتهم‪ ،‬لم يكن أحد‬
‫من أهلهم يعلم بأم ر العصبة‪ ،‬كانوا يعتقدون بأن أوالدهم يلعبون أو يعيشون سن المراهقة مع بعضهم مثل‬
‫أي أوالد‪ .‬يذهبون إىل العمل ويلهون ن يف الشوارع‪ ،‬أو يتشاجرون أو ريتاشقون بالحجارة ن يف لحظات الغضب‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫عيد المشمش‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫التاىل كانت العربات المندفعة من بوابات دمشق باتجاه الغوطة كثتة جدا‪ ،‬أحصنة شقراء و بيضاء‬
‫ن يف اليوم‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫وف الخلف تتموضع العائلة‬
‫تجر عربات يقودها رجل يحمل كرباجا أسودا طويال يلقبه الناس‬
‫ر ي‬
‫بالعربىح‪ ،‬ي‬
‫ّ‬
‫تقاىل و األبيض و الخمري‪ ،‬أما الرجال فكانوا يرتدون ثيابهم‬
‫بأكملها‪ ،‬النساء متلفحات بالشاالت الملونة‪ ،‬ر‬
‫الت ي‬
‫ّ‬
‫محم ن‬
‫األنيقة و يدخنون الغليون بفرح و فخر شديدين‪.‬‬
‫لي بعلب و صناديق تحوي أطايب الطعام‪ ،‬صناديق‬
‫‪41‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫سء‪ ،‬عربات كانت تحمل الحلويات‪ ،‬و أخرى كانت تحمل لحوم‪ .‬عربات كانت تست إىل‬
‫مفتوحة فيها من كل ي‬
‫جوار بعضها البعض‪ ،‬و يكلم الجتان بعضهم وهم يتضاحكون‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫اكتظت الشوارع‪ ،‬فعيد المشمش‪ ،‬كان عيدا محببا للجميع‪ ،‬الطقس جميل‪ ،‬والشمس دافئة بعد شتاء طويل‬
‫ن‬
‫و ربيع بارد‪ ،‬األزهار يف كل مكان‪ ،‬األنهار تتدفق بقوة ونشاط‪ ،‬وكأنها ولدت للتو‪ ،‬باردة لدرجة هائلة‪ ،‬بسبب‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ذوبان الثلوج يف جبال لبنان الرسقية‪ .‬ومن شدة الخت و العطاء يف الغوطة كان لكل فاكهة فيها أنواع و أصناف‪،‬‬
‫تمت الواحدة عن األخرى‪ ،‬وكان ر‬
‫ن‬
‫أكتها المشمش‪ ،‬حيث كانت أنواع المشمش كثتة لدرجة تفوق العرسين أو‬
‫ً‬
‫ن‬
‫الثالثي نوعا‪.‬‬
‫ن‬
‫فالمشمش لم يكن فاكهة ر‬
‫ن‬
‫عن ن‬
‫اثني كيلو مشمش‪ ،‬ال!‬
‫تشتى من‬
‫ي‬
‫الفاكهائ بقولك‪ِ :‬ب ي‬
‫فسيعدد بائع المشمش ما قاله فيه أطباء العالم القديم عن طعمه ولونه‪ ،‬وفوائده الصحية‪ ،‬والتأثتات‬
‫الجانبية ألكله‪ ،‬وكيف يمكن التغلب عليها ثم يعدد لك أصنافه‪ ،‬بل يجب تحديد صنف نوع المشمش الذي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫اسائ‪ ،‬أو الكافوري أو البعلب يك‪ ،‬أو‬
‫يرغب الشاري يف ابتياعه من الدكان‪ ،‬المشمش البلدي أو المشمش الخر ي‬
‫ر‬
‫ن‬
‫النجائ‪ ،‬أو جالجل‬
‫التدي‪ ،‬أو الملوح‪ ،‬أو فراط‬
‫الحازم‪ ،‬أو األيدمري أو‬
‫الدغمش‪ ،‬أو الزيري‪ ،‬أو‬
‫السنين‪ ،‬أو ر‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫بساتي خارج السور تغرق فن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫والسنديائ والكال ر يئ‪ ،‬أو اللقيس واللوزي ‪ .‬وهكذا كانت‬
‫القلوع‪ ،‬أو الحموي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ن‬
‫رفاهية أنواع ال نهائية لها يف تصنيف نوع واحد من الفاكهة فيها‪.‬‬
‫ً‬
‫ن‬
‫الفالحي الفخورين بمنتجاتهم من المشمش تطوق الساحة الكبتة‪ ،‬كل فالح يعرض سالال‬
‫كانت تجمعات‬
‫هائلة فيها من منتجات مشمش أرضه و يكتب فوق كل سلة نوع المشمش الذي ينتجه‪ ،‬وإىل يمينه تجلس‬
‫زوجته أو ابنه أو ابنته‪ ،‬و أمام كل واحد منهم منتجات صنعت من المشمش‪ ،‬قوارير عصت المشمش‪ ،‬قمر‬
‫مرئ المشمش المخلوط بالسكر‪ ،‬حلويات المشمش‪ ،‬حلويات مصنوعة‬
‫الدين أو المشمش المجفف‪ ،‬ر‬
‫ن‬
‫بمطحون بذر المشمش‪ ،‬بزور المشمش ذاتها للتسلية بعد أن تحمص يف زيت الزيتون‪ ،‬أو تشوى‪ .‬وكانت‬
‫ن‬
‫المنافسة ال تصدق ن‬
‫الفالحي فمن ينتج عصت مشمش حموي ألذ من عصت جاره‪ ،‬أو من ينتج أفضل‬
‫بي‬
‫ن‬
‫اسائ‪ ،‬وكانت المسابقات تجري بإشاف لجنة تحكيم من العجائز الذين أنهوا خدمتهم ن يف‬
‫ر‬
‫مرئ مشمش خر ي‬
‫المطابخ العامة ن يف المدينة وهم من كانوا يقومون بالتحكيم فيها‪.‬‬
‫كان العجائز الطباخون يجلسون فوق منصة عالية‪ ،‬دون أن يسمح لهم بتناول الطعام منذ الفجر‪ ،‬يضعون‬
‫ً‬
‫أحيانا أراكيلهم إىل جوارهم‪ .‬و ر‬
‫يأئ الفالح النشيط بمنتجه ن يف مسابقة‬
‫أكواب الشاي بدون السكر قربــهم‪ ،‬و‬
‫ي‬
‫ً‬
‫باسم الفالح أو اسم مزرعته‪ ،‬ليتقدم األخت‬
‫المربيات‪ ،‬ليصعد إليهم‪ ،‬بينما يرفع عريف‬
‫الحفل عقتته مناديا ً ِ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫طبقا للمرئ و طبقا للحلويات و كأسا للعصت مع ر ن‬
‫التور المشوية‪.‬‬
‫بثالثة أطباق من منتجاته‪،‬‬
‫ر‬
‫الختاء بتقييم منتجه حسب جودة الفاكهة أو حسب كمية السكر فيها‪ ،‬أو حسب طريقة‬
‫حينها يقوم الحكماء ر‬
‫صناعتها‪ ،‬ويرسبون بعدها الشاي الغامق‪ ،‬ويــهوج الحضور مع انتظارهم لنتيجة كل عجوز من الحكماء‪ ،‬كانت‬
‫ن‬
‫نن‬
‫لتظي أنهم يتذوقون إكست الحياة‪ .‬و لكن منتوجات المشمش ن يف عيد المشمش‬
‫يكق‬
‫وجوههم جدية بما ي‬
‫كانت بالفعل ه إكست الحياة بالنسبة إليهم‪ .‬وبعد التذوق‪ ،‬يعطون عالماتهم‪ ،‬وه حسب ر‬
‫التتيب‪ :‬حسن‪،‬‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ن‬
‫وسط‪ ،‬رديء‪ .‬ومن ينل من الفالحي نتيجة أعىل من الحسنات يكون هو الرابح‪.‬‬
‫‪42‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ن‬
‫الفالئ يشجعونه‪ ،‬و‬
‫خالل هذا يعلو التصفيق و الهتاف و التشجيع والضحك و السخرية‪ ،‬فأقرباء الفالح‬
‫ي‬
‫فه من صنعت المربيات أو الحلويات‪.‬دون أن تستغربون وقوف أحد‬
‫قريبات زوجة اآلخر يشجعنها‪ ،‬ي‬
‫المز ن‬
‫الشعن‪ ،‬يحوي الكثت من التحدي و الفخر بما صنعه هو‬
‫حماس من أبيات الزجل‬
‫ارعي و غناءه لموال‬
‫ري‬
‫ي‬
‫وعائلته‪ ،‬و كانت تختلط األمور ر‬
‫حن لتعتقد بأن ما يجري هو منافسة ال مثيل لها ن يف الحياة‪.‬‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫يغلي فيها المربيات أو تصنعن فيها العصت‬
‫البساتي‪ ،‬كن تضعن قدورا فوق النار و‬
‫بعض زوجات ُمالك‬
‫ً‬
‫الساخن للمشمش‪ ،‬و توزعنه عىل الحضور مجانا‪ ،‬فالخت كثت‪ ،‬و المشمش متوفر وجميع زوار العيد جياع‬
‫ومن غت المقبول أن يخرج إنسان من عيد المشمش و هو جائع‪.‬‬
‫ن‬
‫كوبي من عصت المشمش الساخن و هما يشقان طريقهما وسط الجموع‪ ،‬التجمهر‬
‫تناول السنونو و الدومري‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫جدا‪ ،‬و الضاخ ف انتظار النتائج كان حماسيا‪ ،‬ر‬
‫حن أن أحدهم رم مشمشة عىل الحكماء فوق‬
‫كان كبتا‬
‫ي‬
‫بالشء‪ .‬وانفجر الحضور بالضحك‪.‬‬
‫المنصة الحتجاجه عىل وصفه عصت المشمش الذي صنعته خالته‬
‫ي‬
‫ً‬
‫حينما رد الحكيم العجوز عليه بأن خالته ربما قد وضعت اصبعها ن يف العصت فاستحال مرارا‪.‬‬
‫ً‬
‫التحق بهما الخياط الذي كان ممسكا بحلوى قمر الدين المجففة يتناولها بانهماك‪.‬‬
‫كان الشبان الثالثة يبدون ن يف غاية الوسامة‪ ،‬السنونو بطوله الفارع و قنبازه األنيق الذي ال يلبسه إال ن يف‬
‫المناسبات‪ ،‬أهداه إياه صديقه الخياط‪ ،‬أو عىل األصح‪ ،‬خاطه له والد صديقه الخياط‪ ،‬بعد أن أعطاه القماش‬
‫الخاص به السنونو نفسه‪ ،‬تلك القماشة كانت هدية لوالده ر‬
‫اشتاها من مدينة ِحمص‪ ،‬قبل سنوات‪ ،‬صايا‬
‫ً‬
‫أصلية‪ ،‬منسوجة يدويا من خيوط القطن األصلية‪.‬‬
‫أكت‬
‫الدومري ارتدى ال رسوال القصت و فوقها القنباز‪ ،‬ووضع طاقية بيضاء صغتة بشكل مائل عىل رأسه فبدا ر‬
‫ّ‬
‫سنه بشكل من األشكال‪ ،‬أما الخياط فكان ر‬
‫أكتهم أناقة‪ ،‬القنباز الالمع و البنطال األسود الموس بحواف‬
‫من‬
‫من القماش األسود المجدول عىل الحواف‪.‬‬
‫ابتسم الثالثة مثل أطفال وصلوا العيد‪ ،‬لكنهم كانوا يمثلون دور الرجال‪.‬‬
‫ً‬
‫شدوا ظهورهم جيدا و منعوا أنفسهم عن مراقبة األراجيح و األلعاب‪ ،‬وباعة الذرة المشوية و العرقسوس و‬
‫التمر الهندي‪ ،‬والبليلة المصنوعة من ُ‬
‫الحمص الساخن المسلوق‪ ،‬الذين ينادون عىل بضائعهم بغناء معهود‬
‫و معروف‪.‬‬
‫ن‬
‫ر‬
‫ر‬
‫الن يحيط بها عدد ال متناه من أشجار المشمش‪ ،‬هنا ن يف هذا‬
‫األطفال يتاكضون يف أزقة الساحة الكبتة ي‬
‫ن‬
‫وف باحته يقام العيد السنوي‪،‬‬
‫أكت معمل‬
‫البستان الشهت ببستان‬
‫العجم‪ ،‬يقع ر‬
‫إلنتاج قمر الدين الشهت‪ .‬ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ر‬
‫سم بعيد المشمش‪ ،‬ألن‬
‫يقول‬
‫ي‬
‫الحكوائ العجوز الذي كان يجوب العيد مستندا عىل عصاه‪ ،‬بأن هذا العيد ي‬
‫األهاىل المحتل‪ ،‬كان األمر أشبه بالمعجزة‪ ،‬أو‬
‫معركة حاسمة أقيمت هنا قبل خمسمائة عام‪ ،‬و فيها هزم‬
‫ي‬
‫األهاىل‪ ،‬و لكنهم استطاعوا االنتصار رغم قلة عددهم‪ ،‬يقول‬
‫المستحيل‪ ،‬فأعداد جيش المحتل تفوق عدد‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ر‬
‫ن‬
‫األهاىل‪ .‬مما مكنهم‬
‫الحكوائ إن الفضل يعود لكثافة شجر المشمش الذي أخق عن المحتل كل مقاتل من‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ن‬
‫العدا‪ ،‬باستخدام المطاط الشديد‪ ،‬الذي‬
‫رم ِ‬
‫من االنتصار‪ ،‬كما أنهم استخدموا بزر المشمش بدل الحجارة يف ي‬
‫كان ن‬
‫يضب ن‬
‫أعي الخصوم‪.‬‬
‫‪43‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫لذلك باتت كلمة المشمش ن يف دمشق وغوطتها مرادفة لكلمة المستحيل‪.‬‬
‫بعد االنتهاء من مسابقات تذوق المشمش‪ ،‬يبدأ الجميع برساء بضائع المشمش بأسعار مخفضة‪ ،‬خاصة من‬
‫بي الشبان‪ ،‬أما العائالت فتغادر إىل ما ن‬
‫يود الرجوع إىل المدينة داخل السور‪ ،‬ثم تبدأ حلقات الدبكة ن‬
‫بي‬
‫األشجار و كل عائلة تحدد شجرة تستند إليها و تفرش البسط و الحصائر ثم يلتحفون السماء أو أغصان‬
‫ً‬
‫الشجر المزهرة بثمار أخرى و يجلسون‪ ،‬ومن يريد الشواء فعليه االبتعاد قليال‪ ،‬وهكذا تستقر العائالت‪ ،‬مئات‬
‫ً‬
‫ن‬
‫العائالت يف هذا العيد الضخم يتناولون الغداء‪ ،‬ثم الفواكه‪ ،‬ثم الحلويات مجددا‪ ،‬ثم الشاي‪ ،‬ثم يعاودون‬
‫التباري باأللعاب أو الغناء والرقص فيما ن‬
‫بي الجتان واألصدقاء أو العائلة‪.‬‬
‫ً‬
‫ن‬
‫يف مكان آخر من االحتفال الكبت‪ ،‬كان رجل أشقر‪ ،‬وسيم الطلعة‪ ،‬يرتدي ثيابا غريبة‪ ،‬ويضع عىل رأسه قبعة‬
‫ً ن‬
‫إفرنجية‪ ،‬يجول المكان حامال يف يده علبة تصوير كبتة‪ ،‬مجللة بقماش أسود‪ ،‬يطلق عليها اسم الكامتا‪ ،‬كانت‬
‫ر ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫األهاىل بسعادة‪ ،‬كان محط ترحيب‬
‫اختاعا جديدا حينها‪ ،‬وكان يضعها يف زوايا بعيدة و يبدأ بتصوير احتفاالت‬
‫ي‬
‫ن‬
‫البساتي‪ ،‬يتنقل‬
‫من الناس‪ ،‬يقدمون له األطايب من الطعام و الرساب‪ ،‬كان الغريب كما أطلق عليه أهل‬
‫ً‬
‫مطلقا العنان لكامتته ن‬
‫األهاىل‪.‬‬
‫لدى‬
‫السعادة‬
‫و‬
‫الفرح‬
‫لحظات‬
‫تثبيت‬
‫ف‬
‫ببساطة ن يف االحتفال‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن يف الجانب اآلخر كانت عصبة القنباز تلتئم بعنارصها جميعا‪ ،‬حينما شاهد أحد من عنارص عصبة الفراري ع‪،‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ائ‪ ،‬جماعة السنونو وتعرف شيعا عىل الدومري‪ ،‬و شيعا ركض إىل حيث يكون الزعيم ورقة‪،‬‬
‫يدىع ً الدير ي‬
‫ن‬
‫ر‬
‫ن‬
‫ن‬
‫الن ال يملكها أحد نبن ورقة‬
‫جالسا ن يف العرزال‬
‫البعيد يف عمق البساتي‪ ،‬هنالك بي كثافة األغصان واألشجار ي‬
‫ً‬
‫لنفسه ولعصبته مقرا‪ ،‬يسكنون إليه‪ ،‬و يرتاحون فيه‪ ،‬فوق شجرة دلب عظيمة‪ ،‬يراقب العيد من بعيد‪.‬‬
‫ً‬
‫ورقة كان ملوال‪ ،‬فهو يرتاد عيد المشمش مذ كان ن يف الخامسة‪ ،‬مع والديه‪ ،‬يعرف كل فقرة فيه‪ ،‬و تذوق كل‬
‫ً‬
‫أطعمته‪ ،‬لكن والده منذ ست سنوات اقتلع شجر المشمش و استبدله بشجر الجوز‪ ،‬و بات مشاركا ن يف عيد‬
‫الجوز الصغت‪ ،‬و هو عيد ال يقارن بعيد المشمش الكبت‪ ،‬ولكن الجوز كان خيار والده لغالء ثمنه بالمقارنة‬
‫مع المشمش‪ ،‬فأرض والد ورقة صغتة و ال تنتج الكثت من الثمار‪.‬‬
‫ن‬
‫أخته بمن‬
‫أما بقية عنارص عصبة الفراريـ ــع‪ ،‬فكانوا منترسين يف العيد‪ .‬ولكن حينما وصل حارث إىل ورقة و ر‬
‫ن‬
‫البساتي‪،‬‬
‫رأى‪ .‬صعد ورقة الشجرة وأطلق صافرة شقت األشجار‪ ،‬وأخافت العصافت الصغتة ن يف شجتات‬
‫ربما لن ن‬
‫األهاىل‪ ،‬و لكن الفراريـ ــع جميعا سوف يتنبهون لها مثل صقور الجبال‪ ،‬وعىل الفور‬
‫يمتها أحد من‬
‫ي‬
‫سوف يعلمون أن زعيمهم ورقة يناديهم ن يف المقر‪.‬‬
‫خالل خمسة دقائق اجتمع الفراريـ ــع كلهم‪ ،‬كان أحدهم يتناول الذرة المشوية‪ ،‬ويقص عرنوسه بالفأس الصغت‬
‫وأختهم ن‬
‫البساتي اليوم ن‬
‫ن‬
‫بي أيديهم‪ ،‬فاألنذال من‬
‫بضورة االستنفار‪ ،‬فرسف‬
‫الذي لديه‪ .‬نزل ورقة إليهم‪،‬‬
‫ر‬
‫‪ً.‬‬
‫عصبة القنباز‪ ،‬تجرأوا و اقتحموا عيد المشمش‪ ،‬بعد أن طردونا من داخل السور قبال‬
‫فهل تقبلون بهذا؟‬
‫رد الجميع بغضب طفوىل شديد ن‬
‫بالنق‪.‬‬
‫ي‬
‫ي‬
‫األهاىل من داخل السور ألنهم بسطاء و ال ذنب لهم بما فعلته عصابة القنباز‪،‬‬
‫أردف ورقة‪ :‬نحن نستقبل‬
‫ي‬
‫ٍّ‬
‫ر‬
‫أكت تحد لنا‪.‬‬
‫يأئ السنونو بنفسه إىل هنا‪ ،‬فهو ولعمري ر‬
‫ولكن أن ي‬
‫‪44‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ن‬
‫الحقيقيي‪ ،‬أو كأن عصبة السنونو قد دخلت بيتهم بالفعل‪.‬‬
‫غضب الفراريـ ــع وكأنهم ُمالك العيد‬
‫ً‬
‫ً‬
‫الفالحة الصغت الذي يعمل فيه مع أهله صباحا‪ ،‬نظفوه جيدا‬
‫وقرروا المواجهة‪ ،‬فامتشق كل منهم فأس ِ‬
‫بالماء‪ ،‬و وضعوه داخل ثيابهم الجميلة‪ ،‬كانت ثياب عصبة الفراريـ ــع فاتنة كذلك‪ ،‬بنطال من الكتان الفاخر‪،‬‬
‫ُ ُ‬
‫فتتز بذلك عضالت الصدر وقوتها‪،‬‬
‫مع صدرية مكشوفة األكتاف‪ ،‬وشال حريري يلف فوق البطن العاري‪ ،‬ر‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ىع أنه اصطاده برفقة خاله قبل سنوات‪.‬‬
‫كان زعيمهم ورقة يرتدي قالدة يف رقبته ثبت فيها ناب‬
‫ثعلب كان يد ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫جلديا ن‬
‫الدوماب فكان يلف عنقه‬
‫يمته‪ ،‬أما صديقه اآلخر‬
‫اب يرتدي يف معصمه طوقا‬
‫ي‬
‫بينما كان صديقه الدير ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ليخق إصابة جرح أصيب به يف طفولته حينما‬
‫بوشاح خاص بعيد المشمش‪ ،‬ليس ألنه يريد األناقة‪ ،‬ولكن‬
‫ي‬
‫سقط من فوق شجرة الجوز العالية‪.‬‬
‫ً‬
‫ن‬
‫طفال‪.‬‬
‫اب‪ ،‬فقد كان يعمل يف حمل أكياس البطاطا مع عائلته مذ كان‬
‫أقوى شباب عصبة الفراريـ ــع كان المرس ي‬
‫ً ن‬
‫ن‬
‫الفارع (الفأس الصغت) ألنه قض طفولته يرميها‬
‫اب بارعا يف ي‬
‫فاشتد ساعده و نمت عضالته‪ .‬كان المرس ي‬
‫رم ِ‬
‫ن‬
‫عىل الفتان ر ر‬
‫تأئ إىل مستودعات التخزين يك تقتات عىل البقول و الخضار فيها‪ ،‬قبل بيعها يف األسواق‪.‬‬
‫الن ي‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫التيئة‪ ،‬و‬
‫غاضبي مثل جيش من‬
‫اندفع الجميع ن يف طريقهم إىل عيد المشمش‪،‬‬
‫اليافعي‪ ،‬لم يروا وجوههم ر‬
‫ر‬
‫ن‬
‫ن‬
‫الحكوائ‪ ،‬ورقة أراد مشاهدة‬
‫المقاتلي الذين سمعوا قصصهم من‬
‫مخيفي مثل‬
‫لكنهم كانوا يعتقدون أنفسهم‬
‫ي‬
‫ن‬
‫السنونو‪ ،‬فهو لم يره مذ اشتبكا يف داخل السور منذ ستة أو سبعة أشهر‪ .‬حينما طردت عصبة القنباز أحد‬
‫الىح‪.‬‬
‫الفراريـ ــع من ي‬
‫انترس الفراريـ ــع فيما ن‬
‫بي الجموع‪ ،‬كان دخان الشواء يمأل المكان و يثت غريزة الجوع‪ ،‬وكثافة أشجار المشمش‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫بالعي و السن بالسن‪.‬‬
‫فالعي‬
‫كانت تمنع البحث الرسيـ ــع‪ ،‬ولكن إرصارهم عىل طرد السنونو كان حاسما‪،‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫الدومائ من بعيد‪ ،‬ثم أطلق صافرته عاليا‪ ،‬فلقد وجد أحد عنارص القنباز‪ ،‬اندفع ورقة بخفة مع‬
‫وأختا رصخ‬
‫ي‬
‫ن‬
‫رفاقه نحو مصدر الصافرة‪ ،‬ر‬
‫اقصي و الباعة و األطفال‪ ،‬ر‬
‫ن‬
‫الدومائ‪ ،‬أشار له‬
‫حن وجد‬
‫يختقون الجموع من الر‬
‫ي‬
‫ً‬
‫األخت عىل شاب يقف قرب بائع العصت‪ ،‬كان يرتدي قنبازا وكان قد مشط شعره إىل الخلف مثل جماعة‬
‫القنباز‪ .‬إنه الخياط بال ن‬
‫أدئ شك‪.‬‬
‫ً‬
‫حن ا ر‬
‫وما ه إال لحظات ر‬
‫حامال كعكة برتقالية اللون‪ .‬وكان يضحك برفقة صديقه‪.‬‬
‫قتب منه السنونو‬
‫ي‬
‫ً‬
‫استنفر ورقة وتمركز نف منتصف العصبة حيث تحلق حوله رفاقه‪ ،‬و ر‬
‫اقتب من السنونو قائال‪ :‬ما لذي رأئ بك‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫إىل هنا؟ أال تعلم أن لهذه البساتي مالك و أصحاب؟‬
‫امتقع وجه السنونو فما كان يخشاه قد حصل‪ ،‬و لقد اكتشفهم الفراريـ ــع‪.‬‬
‫ن‬
‫البساتي وهذه األشجار للجميع‪.‬‬
‫رد السنونو‪:‬و ما شأنك أنت؟ إنها بالد هللا‪ ،‬وهذه‬
‫أهاىل و أرزاق الناس هنا‪ ،‬رد عليه ورقة‪.‬‬
‫ال ليست للجميع هذه بساتيننا ونحن من‬
‫نحم ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫التف عنارص عصبة القنباز حول السنونو‪ ،‬وقد اكفهرت وجوههم‪ ،‬حيث رفع السنونو يده عاليا و أشار لهم‬
‫بالهدوء‪.‬‬
‫التفت إليهم وبصوت خافت‪ :‬نحن خارج السور‪ ،‬نحن ن يف أرضهم‪ ،‬ال أريد مشاكل‪ ،‬أو أية انفعاالت‪.‬‬
‫‪45‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫احمر خداه‪ .‬كان الخياط شيـ ــع الغضب‪ ،‬وانفعاليا بشكل كبت‪ ،‬وكان هذا األمر‬
‫بدأ وجه الخياط يمتقع‪ ،‬و‬
‫ن‬
‫ن‬
‫يزعج والده بشدة‪ ،‬فمنعه من التول إىل ورشة الخياطة و التعامل مع الزبائن‪ ،‬وأمره منذ سنوات بالعمل‬
‫ً‬
‫خلف األبواب مع بقية العمال يك ال يحتك بالزبائن‪ ،‬فالعنف دوما هو أمر غت محبب بل و مكروه‪ ،‬لكن‬
‫الخياط لم يفهم الدرس بعد‪.‬‬
‫ً ن‬
‫تحد‪ :‬لكن هذا العيد هو عيد الجميع و أغلب من ي ن‬
‫حض العيد هم من‬
‫ارتفع صوت الخياط عاليا يف رنتة ٍ‬
‫ُ ً‬
‫مال دون وجوه جديدة‪.‬‬
‫أهاىل داخل السور‪ ،‬لوالهم لكان عيدكم م‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ابتسم ورقة الذي أطلق عليه والده ووالدته هذا االسم ألنه لحظة والدته يف باحة البيت الواسعة تحت‬
‫شجرة التوت الكبتة‪ ،‬سقطت ورقة توت كبتة و غطت بطنه‪ ،‬ابتسم حينها والده و قال إن الحكمة اإللهية‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ن‬
‫كت ورقة ن‬
‫البساتي و األنهار‪ ،‬متنقال‬
‫بي‬
‫الصن وعدم كشف أشاره‪ ،‬فأسماه والده ورقة‪ .‬ر‬
‫قد أمرت بست هذا ر‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫بي األشجار‪ ،‬فهو يعرف كل زهرة و كل مرج ونهت أو جدول‪ ،‬كان ورقة خفيفا يقفز فوق األشجار مثل فهد‬
‫ً‬
‫صغت من غصن إىل غصن‪ ،‬يتمسك باألغصان بذراعيه ثم ريتكها و يتشقلب مندفعا إىل األرض ن يف ثبات عىل‬
‫قدميه‪.‬‬
‫ابتسم ورقة وقال‪ :‬جميع الناس مرحب بها هنا‪ ،‬و لكن األشقياء الذين ال ر‬
‫يحتمون الرجال والقبضايات‪ ،‬ال‬
‫مكان لهم ن يف بساتيننا‪.‬‬
‫هل تريد أن تعرف من هو القبضاي يا ورقة؟ قال السنونو‪.‬‬‫هز ورقة رأسه بينما التمع ن يف عينه شر بسيط‪.‬‬‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫من كلمة شف‬
‫غلبتن سوف‬
‫السكي عىل الشجرة‪ ،‬إن‬
‫رم‬
‫أغادر العيد ًو لك ي‬
‫ي‬
‫ هل تقبل التحدي‪ ،‬تحدي ي‬‫ً‬
‫ن‬
‫المىحء إىل عيد المشمش‪ .‬أبدا و نهائيا‪.‬‬
‫أنن لن أعاود أنا أو أي قبضاي من عصبة القنباز ر ي‬
‫ي‬
‫يعن أننا يمكننا التجول نف الغوطة‪ ،‬وسيكون خارج السور لنا مثل داخله‪ ،‬ر‬
‫ن‬
‫من‬
‫ي‬
‫ولكن إن فزت عليك‪ ،‬فهذا ي‬
‫شئنا‪.‬‬
‫ن‬
‫السكاكي الصغتة‪ ،‬ألنهم ببساطة يعملون باستخدام الفراريـ ــع‬
‫شعر ورقة بالورطة‪ ،‬فهو غت بارع ن يف استخدام‬
‫أو الفؤوس الصغتة ‪.‬‬
‫ر‬
‫اقتب ورقة من السنونو ووضع رأسه عىل رأس السنونو ن يف تحد واضح و كبت‪:‬‬
‫مغ؟ أنت تعلم أنك أخليت باالتفاق الذي وضعته أنت‪ .‬أنت من قلت إن داخل السور لكم و‬
‫هل تتالعب ي‬‫ر‬
‫ن‬
‫خارج السور لنا‪ ،‬و نحن التمنا‪.‬‬
‫ن‬
‫عن قبل أن تندم‪.‬‬
‫قال السنونو‬
‫ٍ‬
‫بتحد‪ :‬أبعد رأسك ي‬
‫ر‬
‫الفريقي‪ ،‬ر‬
‫ن‬
‫نف تلك اللحظة و قبل أن تنفجر األمور ن‬
‫الحكوائ العجوز منهم‪.‬‬
‫اقتب‬
‫بي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ر‬
‫الحكوائ‪ :‬مالذي يجري هنا يا شباب؟‬
‫‬‫ي‬
‫‪46‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ن ن‬
‫ن‬
‫فرحي يف عيد المشمش‪،‬‬
‫هل تودون الشجار يف يوم العيد؟ هذا وهللا أمر عجيب! عليكم أن تكونوا سعداء و‬
‫سء؟‬
‫العيد للجميع و جميع الناس سعداء‪ ،‬فلم تودون افتعال المشاكل و تخريب كل ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫الىح حيث‬
‫انتفض ورقة قائال‪ :‬أنت تعلم يا سيدي‪ ،‬السنونو قبل ستة أشهر رصب أحد أصدقائنا‪ ،‬و طرده من ي‬
‫الىح ملك لهم‪ ،‬و أنهم أهل داخل السور‪ ،‬و أننا غرباء نسكن خارج السور‪.‬‬
‫يسكن‪ ،‬بحجة أن ي‬
‫ر‬
‫الحكوائ‪ :‬أعرف وهللا‪ ،‬وأعرف أن هذا ال يجوز يا شباب‪.‬‬
‫امتعض وجه‬
‫ي‬
‫رد السنونو بهدوء‪ :‬أنا لم أقل هذا فقط‪ ،‬بل قلت إن أهل داخل السور معروفوا النسب‪ ،‬سجالتنا واضحة‬
‫ن‬
‫السني‪ ،‬أما أنتم سكان خارج السور‪ ،‬فليس ألحد أن يعرف جد جدكم‪.‬‬
‫وثابتة منذ آالف‬
‫ن‬
‫ن‬
‫أنن قادر عىل كرس جناحيك هذين‪.‬‬
‫نسن يا سنونو‪ ،‬أنت تعلم ي‬
‫انتفض ورقة‪ :‬هل تشكك يف ر ي‬
‫توترت األجواء و تراجع الجميع‪ ،‬أمسك عنارص عصبة القنباز بسكاكينهم وتجهزوا‪ ،‬بينما تراجع عنارص‬
‫الفراريـ ــع و أظهروا ذؤابات فؤوسهم الصغتة ن يف تحد كبت‪.‬‬
‫ر‬
‫ن‬
‫أهاىل خارج السور متأصلة و متجذرة‬
‫يابن‪ ،‬هذا الكالم غت مقبول‪ ،‬وهللا إن أنساب ي‬
‫ي‬
‫الحكوائ‪ :‬ال يا سنونو ال ي‬
‫وإن أردت سأريك الدفاتر العتيقة!‪ .‬ثم إن جميع الناس من طينة واحدة و نحن أهل بلد واحد‪ ،‬ما ن‬
‫معن أن‬
‫يفرقنا سور أو حجارة‪ ،‬هذا غت مقبول‪ ،‬ثم إنها مصادفة محضة‪ ،‬من سكن ن يف الداخل سكن ألنه يعمل‬
‫بالتجارة‪ ،‬و من سكن ن يف الخارج سكن ألنه يعمل ن يف الزراعة‪ ،‬و ال يمكن للتجارة أن تنجح دون مواد الزراعة‪،‬‬
‫وال يمكن للزراعة أن تنجح دون أسواق التجارة‪ .‬البرس تكمل بعضها البعض يا أوالدي‪.‬‬
‫نسن‪ ،‬كل البرس أوالد آدم و حواء‪ ،‬و ال فرق ن‬
‫بي الناس إال بالعمل الصالح‪ ،‬وفعل‬
‫ثم إن النسب و األصل أمر ر ي‬
‫الخت‪ ،‬ال تجعلوا من توافه األمور تفرقكم عن بعضكم‪.‬‬
‫ر‬
‫يأئ المحتلون تهربون إلينا‪.‬‬
‫السنونو‪ :‬حينما ي‬‫ورقة‪ :‬وحينما تجوعون تخرجون إلينا يك نطعمكم‪.‬‬‫ن‬
‫خائفي عليه‪.‬‬
‫السنونو‪ :‬حينما يمرض أحدكم تأتون‬‫ورقة‪ :‬وحينما تجتاح شوارعكم األوبئة ر‬‫تفتشون أسفل الشجر ن يف بيوتنا ‪.‬‬
‫ً‬
‫تنته أبدا‪.‬‬
‫صمت الجميع من التعب‪ ،‬فهذه المحاججة لن‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ر‬
‫الحكوائ‪ :‬يا أوالدي‪ ،‬هذه الطريقة ن يف النقاش عقيمة‪ ،‬أرى نصاال تلتمع هل تريدون أن تتشاجرون و أنتم أبناء‬
‫ي‬
‫بلد واحد‪.‬‬
‫الدومري‪ :‬السور‪ ،‬هو من يفصل الخت عن الرس‪.‬‬‫ن‬
‫يختن خلفه الضعفاء!‪.‬‬
‫ائ‪ :‬السور هو من ر‬
‫الدير ي‬‫ً‬
‫ً‬
‫ْن‬
‫حتما موجود لسبب ما‪ ،‬و هو أن يفصل ن‬
‫مكاني‪.‬‬
‫بي‬
‫هنا اندفع الخياط قائال‪ :‬السور بناه أجدادنا و هو‬
‫‪47‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ن‬
‫ن‬
‫المرسائ‪ :‬بكل تأكيد ليفصل أهل العمل عن أهل الكسل‪ .‬ويجب أن ر‬‫طرف السور‪.‬‬
‫يبق كل يف مكانه عىل‬
‫ي‬
‫ري‬
‫ر‬
‫الحكوائ‪ :‬هدوء يا شباب هدوء‪ .‬سأحك لكم حكاية بناء السور نف المقه نف ّ‬
‫المرة القادمة‪ .‬هذا كالم فارغ‪،‬‬
‫‬‫ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫أهاىل يعملون و‬
‫أهاىل يسكنون داخل السور‪ ،‬و لكن أصولهم من خارجه‪ ،‬و العكس صحيح‪ ،‬فهنالك‬
‫هنالك‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ن‬
‫نجت العائالت عىل االنتقال ن‬
‫طرف السور فقط‬
‫بي‬
‫يعيشون خارج السور و لكن أصولهم من الداخل‪ ،‬فهل ر‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫من أجل نقاء العرق و النسب!! ولو أراد أجدادكم أن يكون السور عازال بي الناس‪ ،‬لما أقاموا البوابات الكثتة‬
‫فيه‪.‬‬
‫السنونو‪ :‬لن تكون هناك ّ‬‫مرة قادمة‪.‬‬
‫الىح‪.‬‬
‫ ابتسم ورقة ‪ :‬وكيف سندخل المقه إن لم يسمح لنا أهل داخل السور بالدخول إىل ي‬‫السنونو‪ :‬اسمع‪ ،‬نحن أهل داخل السور‪ ،‬و نحن من نقرر من يدخل و من ال يدخل‪.‬‬‫ً‬
‫ً‬
‫ورقة‪ :‬إذا سأقبل أن تغادر فورا أرضنا‪ ،‬فنحن سنعاملكم بالمثل‪.‬‬‫ً‬
‫السنونو‪ :‬أنت خائف إذا من قبول التحدي ‪.‬‬
‫ورقة‪ :‬عىل العكس‪.‬‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫السكي (الجوري) و شهرها ن يف‬
‫البن والمحفور عليها اسم‬
‫ي‬
‫وف هذه اللحظة أخرج السنونو سكينه بمقبضها ي‬
‫وجه الجميع‪ ،‬ر‬
‫فتاجع الجميع‪ ،‬ثم أمسكها و رماها مثل سهم ال يخط مستقره‪ .‬لتسكن ن يف قلب جذع شجرة‬
‫عىل بعد عرسة أمتار‪.‬‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫سكي السنونو‪.‬‬
‫ش ِده الجميع من شعة و اندفاع‬
‫ابتسم السنونو و استدار ليشت ألصدقائه بأن يغادروا المكان‪ ،‬و بينما كانت عصبة القنباز تتحرك لالنسحاب‬
‫من المكان قال السنونو‪:‬‬
‫ن‬
‫السكي ن يف الشجرة‪ ،‬ولكن الجوري ن يف المرة القادمة سوف يكتب اسم السنونو عىل وجه‬
‫هذه المرة كانت‬‫أحدكم‪.‬‬
‫ر‬
‫انتع (الجوري) سكينه الخاصة‪ ،‬ن‬
‫اقتب السنونو من الشجرة و ر ن‬
‫ومض و هو يبتسم‪ .‬كاد كتفه أن يالمس كتف‬
‫ورقة‪.‬‬
‫ً‬
‫كانت أيدي عصبة ورقة جميعا عىل مقابض الفراريـ ــع‪ .‬تنتظر كلمة منه يك تشهر ن يف وجه الخصوم‪ ،‬و لكن‬
‫ً‬
‫ر‬
‫هادئا يفكر‪ .‬مرت سحائب الغضب بسالم فيما ن‬
‫بي الحشود‪.‬‬
‫بق‬
‫ورقة ي‬
‫ً‬
‫وابتعدت عصبة القنباز وقبل أن يختفوا فيما ن‬
‫بي الحشود ن يف العيد رفع ورقة عقتته عاليا‪ :‬لقد قررتم أن‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ر‬
‫سيبق سجنا‪.‬‬
‫تسجنوا أنفسكم ن يف مكان يحيطه سور‪ ،‬مهما كان هذا السجن كبتا وجميال‪ ،‬لكنه يف النهاية‬
‫ً‬
‫التفت السنونو ورد عليه‪ :‬إنها الجنة‪ ،‬هنيئا لمن يكون سجنه ن يف الجنة‪.‬‬
‫‪48‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ابتسم أعضاء عصبة القنباز من رد السنونو‪ .‬مما أزعج ورقة و رفاقه‪.‬فرد عليه ورقة بحسم‪ :‬أما نحن فلنا العالم‬
‫ً‬
‫مكانا ر‬
‫تستيـ ــح فوقه‪.‬‬
‫كله‪ ..‬كله أتسمع يا سنونو‪ ،‬من دون أشجار لن تجد الطيور‬
‫ن‬
‫ر‬
‫ن‬
‫الن تتالعب ب المراجيح و ن‬
‫ن‬
‫والمتسابقي‬
‫بي المنادين عىل بضائعهم‬
‫ومض السنونو و عصبته فيما بي الحشود ي‬
‫الذين يتنافسون عىل األلعاب‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫األلوان‬
‫ر‬
‫امتاطوري عىل‬
‫كانت الرياح ن يف اليوم‬
‫الن تصطف مثل حرس ر‬
‫ي‬
‫التاىل خفيفة‪ ،‬تحرك أشجار الكينا و الجوز ي‬
‫رّ‬
‫األهاىل‬
‫ضفن نهر بردى ن يف تعرجاته عىل امتداد المدينة‪ ،‬ساعات الفجر األوىل كانت تشهد مغادرة الكثت من‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ر‬
‫ر‬
‫تىل صالة الفجر يف المنطقة كلها‬
‫الن ي‬
‫لبيوتاتهم و اندفاعهم نحو أعمالهم‪ ،‬كانت الشوارع مزدحمة يف الفتة ي‬
‫ن‬
‫حيث تستفيق العائالت وتبدأ طقوسها اليومية‪ ،‬ن يف االغتسال وإعداد الفطور‪ .‬يف ذلك الوقت كان يمكن للمرء‬
‫ن ّ‬
‫أزقة المدينة العتيقة أن يشتم رائحة القهوة تعبق من كل شفة أو نافذة‪ ،‬ر‬
‫متافقة بأصوات‬
‫الذي يست يف‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ْ‬
‫الصبية كانت يندفعون يف األزقة لرساء‬
‫األمهات تستنهض أوالدها لالستيقاظ للبدء يف معركة الحياة اليومية‪ِ ،‬‬
‫رن‬
‫ن‬
‫يجلي ر ن‬
‫الخت الطازج من الفرن‪ ،‬الفتيات الصغتات ر ن‬
‫اللي الرائب من الدكاكي المجاورة لبيوتهم‪ .‬اآلباء ينهضون‬
‫‪49‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ّ‬
‫يتمطون أمام مراياهم‪ .‬أما األمهات فكن يعددن األطباق الصباحية الشهتة الزيتون و المكدوس و ر ن‬
‫اللي و‬
‫و‬
‫المقىل‪.‬‬
‫البيض‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ر‬
‫الن كانت تشبه يف رقتها و عذوبتها رقة شجتة العنب يف حديقة‬
‫يف دارة السنونو‪ ،‬نهضت شقيقته داليا‪ ،‬ي‬
‫ّ‬
‫محملة باألحالم‪ ،‬هادئة مثل عنقود عنب ينتظر من يقطفه‪ ،‬واعية و قوية مثل ساق شجرة‬
‫هادئة‪ ،‬فتاة‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫متجذرة يف األرض‪ .‬نهضت داليا و بدأت كأي أم أو ربة عائلة يف صنع الفطور لعائلتها‪ ،‬كان األب مستيقظا و‬
‫ن‬
‫قد بدأ يقرأ يف كتبه بانتظار ابنته يك ترسب القهوة معه‪ ،‬حيث أنه ال يستطيع الحركة بسهولة بسبب إصابته‬
‫ن يف قدميه‪.‬‬
‫ً‬
‫أما السنونو فكان يتأخر ن يف االستيقاظ دوما‪ ،‬قبل ذهابه إىل العمل‪.‬‬
‫استيقظت داليا وعىل الفور وضعت ركوة القهوة فوق النار نف المطبخ‪ ،‬و أخرجت لفائف ر ن ر‬
‫الن صنعتها‬
‫ي‬
‫الجي ي‬
‫البارحة ووضعتهم نف موقد الحطب‪ ،‬انطلقت إىل حيث يجلس أبوها‪ّ ،‬‬
‫وقبلت يده و جلست إىل جواره‪،‬‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ابتسم األب لها‪ ،‬وحمل الكتاب الذي يقرأه عاليا يك تراه‪ ،‬فهو يعلم أنها تشجعه عىل القراءة‪ ،‬كان كتاب‬
‫مرة بعد ّ‬
‫"مقامات الحريري" كتابه المعشوق‪ ،‬يقرأه و يعيد قراءته ّ‬
‫مرة‪ .‬حدثته داليا عن رغبتها ن يف صناعة‬
‫ثوب جديد لنفسها‪ ،‬حيث أن ربة العمل قد وعدت الفتيات ن يف مكان عملها بأنها ستهديهم قماش أثواب خام‪،‬‬
‫ن‬
‫األرجوائ‪ ،‬و ما عليهن سوى خياطتها بأثواب عىل مقاساتهن‪ ،‬و حسب ذوق كل واحدة منهن‪.‬‬
‫باللون‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ابتسم األب وقال‪ :‬ال ر‬
‫تقلق‪ ،‬سأدفع أنا أجرة الخياطة‪ .‬ضحكت داليا ملء قلبها‪ ،‬و قالت ألبيها‪ :‬لن أقلق أبدا‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ر‬
‫كيائ‪.‬‬
‫طالما أنت موجود ن يف‬
‫أمىل يف الحياة و سبب ي‬
‫ي‬
‫حيائ‪ .‬أنت سبب ي‬
‫أنهت داليا واجباتها اليومية‪ ،‬مثل أية شابة مسؤولة عن عائلتها‪ ،‬بعد وفاة والدتها منذ خمسة أعوام‪ ،‬ن يف‬
‫حادث انقلبت فيه عربتها ن يف النهر‪.‬‬
‫ً‬
‫ر‬
‫تكت سنوات ن يف لحظات‪.‬‬
‫الن أودت‬
‫بقدم والدها أيضا‪ .‬جعلت داليا ر‬
‫ي‬
‫كانت حادثة مأساوية تلك ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ربيعا إىل عملها نف منطقة الدباغات ر‬
‫الىح ستا سوى رب ـع‬
‫الن ال‬
‫ثم اندفعت داليا ذات التسعة عرسة‬
‫تبعد عن ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ساعة‪ ،‬هناك نف ّ‬
‫الدباغات كانت ذات الرياح الخفيفة تعبث بأثواب القماش المعلق فوق متائن من الحبال‪،‬‬
‫ي‬
‫ر‬
‫أثواب وأقمشة قطنية صبغت بألوان حسب طلبات الزبائن‪ ،‬حن يبدو المكان من بعيد مثل ميناء لألرواح‬
‫ّ‬
‫األخض‪ ،‬تر ُ‬
‫ن‬
‫ف مع الريـ ــح مثل أشعة سفينة‬
‫الجميلة‪ ،‬موس بأقمشة ملونة باألحمر و األصفر و األزرق و‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ر‬
‫الن‬
‫تنتظر نرس قلوعها قبل الرحيل‪ ،‬و لكن هذا الرحيل ال يتم أبدا‪ ،‬فتلك‬
‫ه قلوب الفتيات ي‬
‫السفن كانت ي‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫المحرم عىل الرجال دخول الدباغات نهائيا‪ ،‬و توكل عملية الدبغ و الصبغ‬
‫تعمل ن يف الدباغات‪ ،‬حيث كان من‬
‫ً‬
‫ر‬
‫اللوائ كن تعملن من الصباح‬
‫أكت‪ ،‬و‬
‫و التجفيف و التوضيب بالكامل إىل الفتيات من مثل سن داليا وأحيانا ر‬
‫ي‬
‫الباكر ر‬
‫ن‬
‫لتأمي احتياجات البيوت‪ ،‬كانت أولئك الفتيات و النساء‪،‬‬
‫حن ما بعد الظهر‪ ،‬ثم تعدن إىل بيوتهن‬
‫ُ‬
‫أكتهن ه الست بديعة‪ ،‬وه سيدة تبلغ الخم ن‬
‫سي‬
‫تعشن حياة عملية رائعة‪ ،‬فهن كن مثل عائلة و احدة‪ ،‬ر‬
‫ي‬
‫ي‬
‫من عمرها‪ ،‬تعمل ن يف الدباغات منذ عرسة أعوام‪ ،‬و تعرف كل خفايا المهنة‪ ،‬و لكنها لم تكن المعلمة المسؤولة‬
‫ً‬
‫الن تبلغ الخامسة عرسة من عمرها‪ ،‬فتاة بريئة و خجولة ر‬
‫ر‬
‫تأئ صباحا إىل‬
‫ي‬
‫ه وداد ي‬
‫عن الورشة‪ .‬وأصغرهن ي‬
‫ً‬
‫العمل و تنهيه دون أية كلمة ر‬
‫حن اكتشفت الفتيات بعد مرور سنت ن‬
‫ي من العمل أنها بكماء ال تتكلم مطلقا‪.‬‬
‫‪50‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫تقتض وضعهن األصبغة يف األحواض و من ثم عجن األقمشة باللون‬
‫يف الدباغات كانت مهمة الفتيات‬
‫ي‬
‫ن‬
‫الطبيغ عن طريق الدوس عليها يف الجرن الكبت‪ ،‬يك يترسب القماش األلوان‪ ،‬و من ثم نرسها فوق الحبال يك‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫تجف‪ ،‬وبعد ذلك يتم طيها و إرسالها إىل الباعة يف السوق‪ ،‬أحيانا كانت عملية الدباغة تتطلب استخدام‬
‫ر‬
‫الن يتم التعامل معها بحذر شديد من قبل المعلمة‪.‬‬
‫المواد الكيماوية ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫الفتيات يف الدباغات كن مختلطات يف السن وكذلك يف السكن‪ ،‬حيث أن نصف الفتيات تقريبا من داخل‬
‫السور‪ ،‬و نصفهن اآلخر من خارج السور‪ ،‬وجميعهن تعشن بهدوء و وئام دون أية منغصات أو حساسيات‬
‫الص ْبية من ذات السن الذين كانت مسألة داخل السور و خارجه بالنسبة‬
‫بينهن عىل اإلطالق عىل عكس ِ‬
‫إليهم تتفاعل بقوة و بعنف‪.‬‬
‫ّ‬
‫الدباغة كانت مستقرة عىل كتف النهر قرب طاحونة باب السالم‪ ،‬عىل الحد الفاصل ن‬
‫بي السور و خارجه‪،‬‬
‫ر‬
‫الن منعت أي عامل من الدخول إىل المكان‪ ،‬وحدهن الفتيات كن المخوالت بالعمل‬
‫بإشاف المعلمة بديعة ي‬
‫نف الداخل‪ ،‬من أجل هذا كان األهاىل ال يمانعون نف عمل بناتهن نف ّ‬
‫الدباغة بإشاف المعلمة بديعة الحازمة و‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ر‬
‫ر‬
‫الن كانت تمأل األحواض باللون المطلوب فتقوم الفتيات برفع أثوابهن الطويلة حن تتكشف‬
‫القاسية‪ ،‬ي‬
‫لتجتها عىل شب اللون‪ ،‬فيستحيل لون‬
‫سيقانهن النحيلة الطفلية‪ ،‬ثم تبدأ الفتيات بالدوس عىل األقمشة‬
‫ر‬
‫ن‬
‫األخض‪ .‬وهكذا كانت الفتيات تتبادلن الدوس عىل‬
‫البنفسىح أو األزرق أو‬
‫القماش من األبيض إىل األحمر أو‬
‫ً ر ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫سء سيمنع‬
‫األقمشة‪ ،‬يف حي يتحول الدوس غالبا يف غياب المعلمة إىل جولة رقص و ًغناء و ضحك‪ ،‬فال ي‬
‫القماش من التعشيق مع األلوان إذا رقصت الفتيات‪ ،‬أو لم ترقص‪ .‬أو أحيانا ن يف التدافع و الوقوع ن يف أحواض‬
‫الدباغة الباردة حينما يفر الضحك من قلوبــهن مثل شحرور أسود شاهد قطة عىل سطح قريب‪.‬‬
‫ن‬
‫تغني‪ ،‬لكن أجمل الفقرات كانت ن‬
‫ن‬
‫حي يتم نرس األقمشة فوق السطح‬
‫الدباغة كانت الفتيات ترقصن و‬
‫يف أثناء ِ‬
‫ر‬
‫الن‬
‫عىل الحبال الطويلة‬
‫ه فكرة داليا‪ ،‬ي‬
‫الممتدة‪ ،‬كانت الفتيات جميعهن‪ ،‬تتخيلن أنهن بحارات‪ً ،‬كانت تلك ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫قرأت ن يف كتب أبيها كثتا عن البحارة و القراصنة‪ ،‬و لكم تخيلت نفسها شابا يعمل يف البحر فوق سفينة‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ضخمة اسمها االنتصار‪ ،‬بالطبع كان خيال داليا جامحا ومتقدا و قد نقلت لصديقاتها فكرة البحر‪ ،‬و األشعة‪،‬‬
‫فكن يصعدن إىل السطح و يرفعن األشعة عىل أغان خاصة كن قد سمعنها ن يف أزقة المدينة ألفها شيخ يعمل‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ر‬
‫القبائ‪ ،‬كانت األغنية تقول‪:‬‬
‫الموسيق اسمه أبو خليل‬
‫يف‬
‫ي‬
‫"عالهيال الهيال يا ربعنا‪..‬‬
‫يارب تجمع بالحبايب شملنا‪..‬‬
‫ن‬
‫إىل‪..‬‬
‫يا ظريف الطول‪ ،‬مي غتك ي‬
‫ن‬
‫سقوئ ُ‬
‫المر من يدك ِح يىل"‪.‬‬
‫لو‬
‫ي‬
‫ر‬
‫ن‬
‫الن لم يدبغها األلم و الحزن بعد‪ ،‬كانت‬
‫كن تغني و تضحكن بملء قلوبــهن البيضاء الصغتة و الحالمة ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ياسمي و حبقة و فلة‪ .‬تواجههن عىل الضفة المقابلة‬
‫اليمي‪ ،‬و كانت‬
‫نرسين و بيلسان و روز‪ ،‬تصطفن عىل‬
‫ن‬
‫ط األقمشة الضخمة‪ ،‬فكان من يشاهدهن يشعر وكأنهن يف رقصة متقنة الصنع‪.‬‬
‫فتتساعد الفتيات من أجل ي‬
‫ر‬
‫ر‬
‫ّ‬
‫لط ألوان زاهية وتوضيبها‪ .‬ثم تجلس‬
‫تلتق فيها األيدي و الرؤوس‪ ،‬زهرات تتاقص تحت السماء الواسعة ي‬
‫ي‬
‫‪51‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫الفتيات نف ر‬
‫فتة الغداء متجاورات عىل طاولة الغداء نف القاعة السفىل‪ ،‬وتتناولن الطعام متشاركات ر ن‬
‫الخت و‬
‫ي‬
‫ي‬
‫رن‬
‫اللي و الحلم‪ ،‬فتيات ن يف عمر الزهور‪ ،‬تحلم كل منهن بحياة أجمل ن يف عالم أفضل و أقل قسوة‪.‬‬
‫نرسين و بيلسان وفلة َّ‬
‫ن‬
‫تأتي من خارج السور‪ ،‬عىل العربة القادمة من عمق غابات الغوطة‪ ،‬بينما كانت‬
‫كن‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫تأتي من داخل السور من بيوتهن مشيا عىل األقدام‪.‬‬
‫وياسمي‬
‫داليا و روز و حبقة‪،‬‬
‫تتمني الحياة نف خارج السور للتمتع بالشجر و الهواء ر‬
‫ن‬
‫التاح‪ ،‬سماع‬
‫فكانت فتيات داخل السور‬
‫النق‪ ،‬و ر‬
‫ي‬
‫ي‬
‫العصافت و اللعب بمياه النهر الباردة‪ ،‬بينما كانت فتيات خارج السور تحسدن فتيات الداخل عىل بيوتهن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫الدكاكي و البضائع الكثتة‬
‫يتمني العيش يف بيوت داخل السور من أجل الراحة و وفرة‬
‫الواسعة والدافئة‪ ،‬و‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ن‬
‫القريبة منهن‪ .‬كانت الفتيات تتمازحن وتضحكن طوال الوقت كل منهن تتمن أن تحط بما لدى األخريات‪.‬‬
‫ً‬
‫ن‬
‫تأتي بضر الجوز و اللوز‪ ،‬والفواكه‬
‫لكن ذلك لم يعكر أبدا صفو عالقتهن‪ ،‬فكانت فتيات خارج السور‬
‫ن‬
‫الموسمية‪ ،‬بينما كانت فتيات داخل السور ن‬
‫الياسمي و الزهورات المجففة‪ ،‬اليانسون و المليسة‬
‫تأتي بأطواق‬
‫ر‬
‫الزعت من أحواض حدائق البيوت‪.‬‬
‫و‬
‫وداد وحدها من كانت تملك نف الدباغة عصفو ًرا تطعمه و تسقيه وتستمع إىل صوته بكل ّ‬
‫تأم ٍل و استغراق‪.‬‬
‫ي‬
‫وهكذا ر‬
‫اقتحت داليا ن يف ذات حلم يقظة عىل الفتيات أن تتخيلن أنفسهن فوق سفينة تمخر عباب البحر‪،‬‬
‫ً‬
‫ن‬
‫رياحي و عصافت و ألوان زاهية‪.‬‬
‫وتبحر بهن بعيدا عن العمل و عن األسوار وتنقلهن إىل عالم كله زهور و‬
‫ً‬
‫ّ ً‬
‫متأمال ما تفعله‪ ،‬بتفقد‬
‫ن يف أحد أيام العمل الصيفية شاهدت داليا شابا كان يقف فوق سطح بيت مجاور‬
‫األقمشة المنشورة فوق الحبال‪ .‬كان الشاب هو ورقة‪ ،‬وكان ن يف زيارة إىل أحد أقارب أمه‪ ،‬لمساعدته ن يف تثبيت‬
‫السقيفة الخارجية‪ ،‬حينما وقعت عيناه عىل أجمل نبتة ن يف حديقة الحب‪ ،‬احمرت وجنتا داليا حينما رأت‬
‫ن‬
‫التمثيىل فوق‬
‫الحادتي ترقبان سفينتها الوهمية‪ ،‬شعرت بالخجل من لعبتها الطفولية ورقصها‬
‫عيون ورقة‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ر‬
‫الن تتحول فيها من نبتة متجذرة يف ترا ب دمشق‪ ،‬إىل‬
‫ه لم تكن تدري أن أحدا ما‬
‫سيشاهد لعبتها ي‬
‫السطح‪ ،‬ي‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫بحار بصوت عال و حركات قوية‪ ،‬يرفع القلوع و ينادي عىل بحارته يك يرسعوا يف التحرك قبل وصول‬
‫القراصنة‪.‬‬
‫لم تكن تعلم أن القرصان ريتقب قلبها‪ ،‬وقد استطاع بنظرة واحدة أن يختطفه من سفينته‪ ،‬و يرسقه إىل عالم‬
‫بعيد عن األلوان و األحالم‪.‬‬
‫وهكذا كان ورقة يتابع داليا من بعيد‪ ،‬أيام تليها أيام‪ ،‬وأسابيع تتلوى وراء أسابيع‪ ،‬كان ورقة يست ن يف الشارع‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫سفينتهن ر‬
‫الن ال تبحر‪ ،‬يك تعود إىل األرض‪ ،‬وتحمل عناقيدها من جديد‬
‫من‬
‫الفتيات‬
‫خروج‬
‫ا‬
‫ر‬
‫منتظ‬
‫ا‬
‫ر‬
‫متنك‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ن‬
‫تنتم إليها‪.‬‬
‫كدالية خضاء بضة‪ .‬لقد وقع ورقة يف حب داليا‪ ،‬كورقة تائهة وجدت أختا خميلة‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫طوال أشهر لم تكن عالقتهما ر‬
‫أكت من نظرات و ابتسامات‪ ،‬تخللها نطقه السمه‪ :‬ورقة‪ ،‬ن يف زقاق من أزقة‬
‫المدينة‪.‬‬
‫همس اسمه من بعيد‪ ،‬فابتسمت‪ ،‬و بعد أيام قالت له اسمها بعد الحاح شديد منه‪ :‬داليا‪ .‬واحمر وجهها و‬
‫ً‬
‫ركضت بعيدا‪.‬‬
‫‪52‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫قال ورقة حينها لنفسه‪ :‬ورقة وداليا‪ ،‬يا له من تناغم بال حدود‪.‬‬
‫ً‬
‫متخفيا من عصبة القنباز‪.‬لم ر‬
‫ومض ريتاقص نف دروب دمشق المرصوفة بحجارة صقيلة ّ‬
‫ن‬
‫يكتث الناس‬
‫لماعة‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫يف الشوارع لرقصه السعيد‪ ،‬ألنهم كانوا يراقبون شيئا أشد غرابة‪ ،‬وهو الكامتا المنصوبة من قبل الرجل الغريب‬
‫قرب السور‪ ،‬تقوم بتصوير األبراج‪.‬‬
‫لم يكن أحد ليعلم ما يجري‪ ،‬و ما سيجري‪ ،‬داليا لم تك لتعلم من هو هذا الشاب الظريف الذي يبتسم لها‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ه شقيقة أشد خصومه يف‬
‫منذ أشهر‪ ،‬وبدوره لم يكن ورقة عارفا بأن هذه الفتاة الرقيقة مثل نسمة صيفية ي‬
‫الحياة؛ شقيقة السنونو‪.‬‬
‫ً‬
‫طبيغ مع من يدخل‬
‫السنونو الشهت ذاته لم يكن يعلم بأن ورقة ال يزال يتسلل يوميا إىل داخل السور بشكل‬
‫ي‬
‫ن‬
‫الن تتدرب عىل رقصة السيف و ر‬
‫ر‬
‫التس الشهتة‪ ،‬تلك‬
‫ألنه ببساطة كان يعمل كراقص يف فرقة الرقص‬
‫الشعن ي‬
‫ري‬
‫ن ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ر‬
‫وف حفالت الطهور‪،‬‬
‫الن ال يخلو منها أي بيت يف المدينة يف األفراح و يف األتراح‪ ،‬يف افتتاح الدكاكي ي‬
‫الرقصة ي‬
‫أهاىل أحياء داخل السور و أحياء خارج السور‪ ،‬ألنها‬
‫ه الرقصة األساسية لدى جميع‬
‫ي‬
‫كانت هذه الرقصة ي‬
‫ّ‬
‫محارئ بالد الشام‪ ،‬حيث يرتدي الراقصون‬
‫ببساطة ضاربة ن يف عمق التاريـ ــخ‪ ،‬رقصة تمثل الرسف و العزة لدى‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ثياب الحرب التقليدية‪ ،‬ر‬
‫التوس و القبضات الجلدية‪ ،‬و يحمل كل راقص منهم سيفا و ترسا صغتا‪ ،‬و يبدأ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بالدق عىل ر‬
‫التوس بمرافقة ضارب الطبل الذي تثت نرصباته الهلع ن يف قلوب من‬
‫الراقصون المتحلقون حولهما‬
‫ر ر‬
‫ّ‬
‫ر‬
‫الن يعمل بها ورقة والسنونو منذ سنوات بشكل‬
‫يتفرج عىل هذا العرض الت ي‬
‫ائ‪ ،‬الذي تتدرب عليه الفرقة ي‬
‫جزئ‪ ،‬إضافة إىل رقصات شهتة أخرى كانت تؤديها فرقة الدبكة‪.‬كان هذا قبل أن ريتك السنونو العمل ن يف‬
‫ي‬
‫ً‬
‫الفرقة‪ ،‬معتقدا بأن ورقة قد غادرها كذلك بعد شجار بينهما‪.‬‬
‫األساسيي الذين سيقومان بالمبارزة و األداء الراقص عىل ايقاع السيوف و ر‬
‫ن‬
‫ن‬
‫التوس‪،‬‬
‫اقصي‬
‫كان ورقة أحد الر‬
‫ر‬
‫و حينما ن‬
‫سيضب خصمه عىل التس سوف يخرج صوت حاد‪ ،‬سيعقبه نرصبة من خصمه عىل ترسه هو‪ ،‬و‬
‫ً‬
‫بي ن‬
‫تتناوب شعة ن‬
‫سيق المتبارزين‪ ،‬ر‬
‫الضبات ن‬
‫حن تصبح شيعة جدا‪ ،‬مع ازدياد شعة نرصبات الطبل الذي‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫يرافقهما‪ ،‬وتعاىل صيحات عالية من المر ن‬
‫وحي ينتض‬
‫افقي تحثهما عىل الحماسة ن يف القتال‪ ،‬والتبارز‪،‬‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫أحدهما‪ ،‬يضع سيفه عىل األرض يف إشارة إىل عدم رغبته يف التبجح واالنتصار عىل خصمه‪ ،‬ثم يقبل الرابح‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ن‬
‫الملق عىل األرض و يرده له‪ ،‬رافعا له يده‬
‫جبي الخاش‪ ،‬فيحمل الخصم الذي خرس المبارزة سيف غريمه‬
‫ً‬
‫جميعا و ْنقرهم بسيوفهم عىل ر‬
‫التوس‬
‫ن يف إشارة إىل انتصار روح التنافس الطيبة‪ ،‬وسط تهليالت من الحضور‬
‫ً‬
‫بصوت عال‪ .‬وهكذا تتكرر تلك الرقصة دوما‪.‬‬
‫مبارزة حادة ال غالب فيها وال مغلوب‪.‬‬
‫ً‬
‫ن‬
‫المتفرجي‪ ،‬و لكنها كانت تحتاج إىل‬
‫كانت تلك الرقصة مشهورة جدا‪ ،‬تثت الحماس ن يف قلوب الحضور و‬
‫تدريبات كبتة و متتابعة‪ ،‬فجسد الراقص يجب أن يكون ّلي ًنا‪ ،‬و قدرته عىل المبارزة بالسيف و ر‬
‫التس يجب‬
‫ً‬
‫ر ر‬
‫ائ إىل مأساة دموية‪.‬‬
‫أن تكون دقيقة جدا يك ال يتحول الرقص الت ي‬
‫ن‬
‫الن تسم فرقة سيف الشام‪ ،‬كان السنونو يعمل كذلك‪ ،‬حيث ر‬
‫ر‬
‫التق مرات و مرات بورقة من‬
‫يف تلك الفرقة ي‬
‫مقربي‪ ،‬ر‬
‫ن‬
‫ن‬
‫حن انفصمت ُعرى الصداقة بينهما إىل األبد‪،‬‬
‫صديقي‬
‫أهاىل األحياء إنهما كانا‬
‫قبل‪ ،‬بل يقول بعض ً ي‬
‫ً‬
‫و خرست الفرقة واحدا من أشد راقصيها حماسة و عنفوانا‪ ،‬هو السنونو‪.‬‬
‫‪53‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫الذي تقول عنه الحكايا أنه كان يطت يف الهواء حامال سيفه و يهوي به عىل ترس خصمه فيصدر صوتا أشبه‬
‫بهزيم الرعد‪ ،‬يجلجل قلوب من ن‬
‫يحض‪ ،‬ر‬
‫نن‬
‫ليظي الناظر أن السنونو فتك بخصمه‪.‬‬
‫حن‬
‫كانت هذه ه لعبة اإليهام الذي تفرضه الرقصة‪ُ ،‬‬
‫فالمشاهد ال يدرك بأن ما يفعله الراقصون هو مجرد رقص‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫حماس عنيف‪ ،‬خصوصا إذا ترافق مع جمل تحدي و تثوير‪،‬‬
‫شعن متفق عليه‪ ،‬بل يعتقد الجميع بأنه قتال‬
‫ي‬
‫ري‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫من طرف آلخر‪ ،‬حيث ينقسم أعضاء الفرقة بي الطرفي ليصبح كل راقص متبارز ممثال عن كتلة من‬
‫ن‬
‫اقصي‪ ،‬قبل البدء بالمبارزة الراقصة‪.‬‬
‫الر‬
‫ً‬
‫أيضا ينسجم مع الرقصة‪ ،‬ر‬
‫نن‬
‫ليظي الراقص الذي يتبارز معه بأنه ال يرقص‪ ،‬بل هو يقاتل‬
‫حن‬
‫السنونو كان‬
‫ً‬
‫فعال‪ ،‬كانت حركاته عنيفة و قوية‪ ،‬شاب غاضب‪ ،‬يمسك بسيف غت حاد‪ ،‬سيف مخصص للرقص‪ ،‬و لكن‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫شدة إمساكه ر‬
‫للتس تجعل الفرقة تنظر إليه و كأنه يف ساحة الوىع و ليس يف حلبة‬
‫نرصباته كانت قوية جدا‪ ،‬و‬
‫رقص ن يف أحد األعراس‪.‬‬
‫ً‬
‫كان أبو دياب صاحب الفرقة ُمدركا بأن السنونو يتعرض لضغوط قوية و قاسية بسبب وفاة والدته ن يف حادث‬
‫انقالب العربة الذي رماها ن يف النهر فغرقت داخل غرفة العربة‪ ،‬دون أن يستطيع أحد انقاذها‪ ،‬كانت حياته‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ر‬
‫المفتض أن يكون هو مرافقا لها‪ ،‬وليس والده‪ ،‬ولكنه لم يستيقظ باكرا ن يف ذلك اليوم‬
‫معلقة بوالدته‪ ،‬وكان من‬
‫ً‬
‫ن‬
‫األول من عيد األضىح ف يوم زيارة القبور و الر ن‬
‫احلي‪ .‬ولكن أبو دياب ذاته كان حذرا من غضب السنونو‬
‫ً ي‬
‫دوما ن‬
‫يفض إىل نهايات حزينة‪.‬‬
‫الدائم‪ ،‬فالغضب‬
‫ي‬
‫حينما علم السنونو برحيل والدته‪ ،‬انهمرت من عينه دمعة جارفة‪ ،‬وبدأ بالركض ن يف حواري الشام‪ ،‬مثل طائر‬
‫جريـ ــح‪ ،‬كان لم يبلغ الثالثة عرسة بعد‪ ،‬ويقول الرواة بأنه لم يتوقف عن الركض بل استمر نف القفز ن‬
‫بي أسطح‬
‫ي‬
‫ً‬
‫البيوتات المتقاربة ر‬
‫حن ينال منه التعب فتقد نائما عىل أي سطح قريب يهتدي إليه‪ ،‬ومن هنا رأئ لقبه‬
‫ن‬
‫(السنونو) الذي يضخ مذعو ًرا نف سماء المدينة نف كل غروب شمس ر‬
‫يختق مع مغيبها ‪.‬‬
‫حن‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫وبسبب لياقته و خفة حركته قام أبو دياب بتدريبه عىل الرقص نف الفرقة الشعبية‪ ،‬وتقدم فيها ر‬
‫حن أصبح‬
‫ي‬
‫األساس ن يف مواجهة ورقة‪ ،‬القادم من خارج السور‪.‬‬
‫الراقص‬
‫ي‬
‫باتت نرصباته و أفعاله ال تتناسب مع هدف الرقصة وهو التسلية والفرجة‪ ،‬بل أصبحت خطتة عىل رفاقه ن يف‬
‫الفرقة و عليه هو نفسه‪.‬‬
‫ن‬
‫ر‬
‫الن يملكها شقيقه أبو فهد‪.‬‬
‫فاستبعده أبو دياب و طلب منه العمل يف ورشة الحدادة ي‬
‫وهكذا بدء السنونو بتفريـ ــغ طاقته و غضبه عىل الحديد المنصهر الذائب فينهال عليه نرص ًبا بالمطارق‪ ،‬ر‬
‫حن‬
‫ن‬
‫وف ورشة أبو فهد‪ ،‬حصل عىل خنجره األول‪ ،‬الذي كان يمثل شف كل شاب‬
‫يحيله إىل الشكل الذي يريده‪ .‬ي‬
‫ن يف ذلك الزمن بحسب اعتقاده‪.‬‬
‫اىع بال عصاة‪.‬‬
‫فالشاب بال خنجر هو مثل الر ي‬
‫ر‬
‫الدمشق صاحب الخلطة الرسية‪ .‬وظل يحاول‬
‫األصىل‪ ،‬باستخدام الفوالذ‬
‫أبو فهد علمه كيف يصنع الخنجر‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ر‬
‫حن صنع خنجره الصغت بنفسه‪ ،‬و أطلق عليه اسم (الجوري)‪.‬‬
‫‪54‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫يختف‪ ،‬سخطه عىل الدوام كان متجها مثل سهم حاد إىل قلبه ليؤنب نفسه عىل ما فعله مع‬
‫ولكن غضبه لم‬
‫ِ‬
‫ن‬
‫أمه‪ .‬كان يعتقد بأنه لو استيقظ و رافقها يف رحلتها‪ ،‬فلربما كان بإمكانه أن ينقذها‪.‬‬
‫ن‬
‫ن‬
‫تأمي‬
‫الكتى داليا شقيقة مثالية‪ ،‬هادئة و متفهمة‪ ،‬تعمل منذ الصباح الباكر‪ ،‬يك تساعده يف‬
‫كانت شقيقته ر‬
‫ً‬
‫ر‬
‫يأئ يوما ما و ينتشلها من حياتها الصعبة و يأخذها إىل‬
‫الحياة الكريمة‪ ،‬وتحلم بفارس أحالمها الذي ال بد أن ي‬
‫ْ‬
‫الطيبي‪.‬ن‬
‫مكان أفضل تستطيع منه مساعدة شقيقها و أبيها‬
‫‪4‬‬
‫البندوق‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن يف تلك األيام انطلق المنادي يجوب المدينة و هو يحمل طبال صغتا‪ ،‬يدق عليه و يضخ بعبارات يؤديها و‬
‫ْ‬
‫شطرين يعيدها و يكررها‪:‬‬
‫كأنها أغنية من‬
‫ّ‬
‫يا أهل الشام‪ ،‬يا أهل الشام‪ ،‬يا أصحاب العفة و الحنان‬
‫يوم الخميس الجاية فضوا حالكم و روحوا زوروا الخان‪.‬‬
‫وحيد بك عازم الكل‪ ،‬صغار و كبار و نسوان‪.‬‬
‫الىل رح يجننكم جنان‪.‬‬
‫عىل االحتفال الكبت ي‬
‫كانت دعوات المنادي رتتدد نف كل األزقة و الحارات‪ ،‬الشبابيك ُتفتح ر‬
‫متافقة بابتسامة كبتة فالمدينة ال‬
‫ي‬
‫تشهد مثل هذه االحتفاالت كل يوم‪ ،‬الفتيات خلف الشبابيك‪ ،‬أصحاب المحالت‪ ،‬الباعة الجوالون‪ ،‬الرجال‬
‫ُ‬
‫ينده عىل االحتفال الكبت الذي‬
‫والنساء‪ ،‬الشبان و الفتيات‪ ،‬جميعهم ابتسموا حينما سمعوا صوت المنادي‬
‫ّ‬
‫ينتوي أن يقيمه وحيد بك و هو تاجر ثري من أعيان المدينة‪ ،‬بعد أن ر‬
‫اشتى الخان و جدد أركانه و غرفه‪،‬‬
‫ن‬
‫الموسيقيي‬
‫وتعاقد مع (أبو دياب) زعيم الفرقة الشعبية عىل أداء الرقصات االفتتاحية فيه‪ ،‬بمرافقة عدد من‬
‫ن‬
‫موزىع عصت العرقسوس و الحلويات الشهية‪.‬‬
‫الجوالي من‬
‫و الباعة‬
‫ي‬
‫‪55‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ً‬
‫وكل ذلك مجانا‪.‬‬
‫من أجل هذا ازدادت تدريبات الفرقة‪ ،‬و ازدادت مرات دخول ورقة إىل داخل السور‪ ،‬من أجل التحضت‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫بساتي الفاكهة‪ ،‬يقطف و يقطع و ينقل‬
‫لالفتتاح الكبت للخان‪ ،‬ورقة كان يعمل يف أوقات فراغه مع والديه يف‬
‫ً ن‬
‫األهاىل (الفارع) وجمعه (الفراريـ ــع)‪ .‬أبو دياب‬
‫يسميه‬
‫الذي‬
‫و‬
‫الصغت‬
‫الفأس‬
‫استخدام‬
‫ف‬
‫ي‬
‫و يزرع‪ ،‬كان بارعا ي‬
‫بنفسه طلب من ورقة أن يتسلل إىل التدريبات فهو يعلم غرور و غضب السنونو من نفسه‪ ،‬ومن اآلخرين‪ ،‬و‬
‫ً‬
‫شابي ر ن‬
‫ن‬
‫أبدا نف أية مواجهة ن‬
‫ائعي مثل ورقة و السنونو‪.‬‬
‫بي‬
‫ال يرغب‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً ً‬
‫ً ن‬
‫ورقة كذلك كان شابا ملفتا لألنظار‪ ،‬ذكيا جدا‪ ،‬و بارعا يف األعمال‪ ،‬شيعا و خفيفا مثل ورقة شجر تتهادى مع‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ر‬
‫الن تنتاب السنونو‪،‬‬
‫رياح الربيع‪ ،‬لكنه يف‬
‫ذات الوقت كان قويا و حاسما‪ .‬لم تكن لديه أحالم الزعامة و القوة ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ر‬
‫الن‬
‫بل كان شابا حالما هادئا‪ ،‬يرغب يف الوقوع يف الحب‪ ،‬و الزواج و تكوين أشة صغتة جميلة‪ ،‬مع محبوبته ي‬
‫كان يطاردها‪.‬‬
‫ّ‬
‫الشعن‪ ،‬وتصادقا‪ ،‬فالرقص و السيف‪ ،‬يصنعان عىل الدوام أقوى‬
‫تعرف الشابان عىل بعضهما ن يف فرقة الرقص‬
‫ري‬
‫الصداقات‪.‬‬
‫ر‬
‫حن جاء ذلك اليوم الذي دخل إىل الفرقة عازف الطبل القوي‪ ،‬صاحب الحاجب المتصل األسود‪ ،‬والذي‬
‫أهاىل‬
‫الىح لقب ( البندوق) ألنه كان يسكن ن يف أحياء داخل السور‪ ،‬و لكنه لم يكن من‬
‫كان يطلق عليه أهل ي‬
‫ي‬
‫المدينة‪.‬‬
‫ً‬
‫البندوق كما يحلو للجميع أن ينادونه‪ ،‬يمتلك يدا قوية‪ ،‬تجعل نرصباته عىل الطبل مدوية‪ ،‬ال مثيل لها‪ ،‬وكانت‬
‫ن‬
‫لديه القدرة عىل ن‬
‫وف ايقاعات كثتة‪ ،‬راقصة و حزينة و رتيبة‪ ،‬حربية و‬
‫الضب‬
‫عىل الطبل لساعات طويلة‪ ،‬ي‬
‫ً‬
‫سعيدة‪ .‬كان البندوق موهوبا بالفطرة ن يف دق الطبول‪ .‬ومن أجل هذا لم يكن أي عرس ن يف المدينة أو ن يف ريفها‬
‫ن‬
‫ر‬
‫ن‬
‫الن يعشقها الشبان والفتيات‪.‬‬
‫ال يكون البندوق يف مقدمة العازفي فيه من أجل إحياء األجواء ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أهاىل خارج السور‪ ،‬التجار و‬
‫و‬
‫السور‬
‫داخل‬
‫أهاىل‬
‫للجميع‪،‬‬
‫صديقا‬
‫كان‬
‫‪،‬‬
‫متواجدا‬
‫ن يف كل مكان كان البندوق‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫الجوالي و يأكل الفول مع البسطاء ن يف األرصفة‪ ،‬يدخل‬
‫الصناعيي‪ ،‬يرسب الشاي مع الباعة‬
‫الفالحي و‬
‫الخانات الكبتة ويتحدث مثل األغنياء‪ ،‬و نف ذات الوقت يتواجد حول ّ‬
‫الدباغات لرساء ما يفيض عن حاجة‬
‫ي‬
‫المعلمة بديعة من أثواب لم تنجح ن يف دباغتها و كان البندوق يعيد بيعها من جديد‪.‬‬
‫ً‬
‫نف تلك األيام ومنذ بداية الشهور الطويلة ر‬
‫الن دخل فيها البندوق إىل الفرقة بديال عن عازف الطبل السابق‪،‬‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫يبن جسورا‬
‫أدرك الجميع أن شيئا جديدا سوف يتغت يف الفرقة‪ ،‬فالبندوق كان ثرثارا‪ ،‬يصادق الجميع‪ ،‬و ي‬
‫للكالم مع الجميع‪ ،‬ينقل الكالم الشء ن‬
‫بي األصدقاء‪ ،‬و يثت الخالفات دون أن يدرك أحد من الشبان ما يفعل‪.‬‬
‫ي‬
‫كانت عالقة السنونو بالبندوق قوية نف تلك األيام‪ ،‬يضحكان و يتشاركان الطعام‪ ،‬ويغادران الفرقة سوية‪ ،‬ر‬
‫حن‬
‫ي‬
‫ن‬
‫الشابي باتت ال فكاك عنها‪.‬‬
‫يخال الجميع أن صداقة هذين‬
‫األفاىع مع ورقة‪ ،‬ثم يبات‬
‫البندوق كان يبات ليلة عند راقص‪ ،‬ويتناول الغذاء عند راقص آخر‪ ،‬يذهب لصيد‬
‫ي‬
‫عنده ن يف خارج السور لعدة أيام‪.‬‬
‫‪56‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ً‬
‫ر‬
‫حن رأئ ذلك اليوم الذي جاء فيه البندوق إىل الفرقة و هو يحمل عالمة فوق خده األيمن‪ ،‬شهق جميع‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫األصدقاء‪ ،‬فهذه العالمة ن‬
‫سطىح عن قصد يك ريتك لديه‬
‫تعن أن أحدا ما قد علم عليه‪ ،‬و شطب وجهه بجرح‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ر‬
‫الخارح حاسما‬
‫األئ من الباب‬
‫ر ي‬
‫أثرا ينال ًمنه أينما ارتحل‪ .‬و حينما سأله ورقة عمن فعل هذا به‪ ،‬كان الصوت ي‬
‫و واضحا‪:‬‬
‫أنا‪ .‬قال السنونو‪.‬‬‫ن ُ ّ ُ‬
‫له البارحة ألنه تجاوز حدود اللياقة ر‬
‫أكت من ّ‬
‫أختكم ما‬
‫لقد جعلت السكي تقب‬
‫مرة‪ ،‬من أجل هذا لن أقدر أن ر‬
‫فعله‪ ،‬و لكنه نال عقابه‪.‬‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫مرات ّ‬
‫حذرته ّ‬
‫ن‬
‫"سكين" و أنتم جميعا‬
‫ومرات‪ ،‬و حينما تشاجرنا اضطررت أن أعرفه عىل الجوري الصغت‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫تعلمون بأن قبل الجوري ال تنش وال يزول أثرها برسعة‪ ،‬قبلة الفوالذ تذكره عىل الدوام بأنه مخط‪.‬‬
‫يغىل من شدة الغضب‪ ،‬وبذكائه الخبيث كظم غيظه و ابتلع اإلهانة أمام الفرقة بكاملها‬
‫بدا وجه البندوق ي‬
‫وابتسم‪.‬‬
‫ّ‬
‫ولكنه بدأ بانتقامه بعد يوم واحد‪ ،‬حينما بدأ ترويـ ــج إشاعات تنال من السنونو‪ ،‬وتستفزه‪ ،‬كان انتقامه يتجىل‬
‫نف زرع بذور الفتنة بينه و ن‬
‫بي ورقة‪.‬‬
‫ي‬
‫ً‬
‫منكبا عىل تكريس الفروقات ن‬
‫أهاىل خارج السور‪ ،‬يكيل االتهامات‬
‫أهاىل داخل السور‪ ،‬و‬
‫بي‬
‫كان البندوق‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ُ‬
‫ألهاىل الداخل بأنهم مغرورون و متغطرسون‪ ،‬يحبون الكسل و الالعمل ويمارسون البخل و تكديس األموال‬
‫ي‬
‫ً‬
‫أهاىل خارج السور مدعيا أن الطرف اآلخر هو من يقول عنهم إنهم بال نسب‪ ،‬وإنهم‬
‫دون سبب‪ ،‬بينما يشتم ي‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ر‬
‫ه عدم‬
‫قوم أدئ من ي‬
‫أهاىل داخل السور‪ ،‬أجالف و قساة القلوب‪ .‬ولكن التهمة أو االشاعة ال ين روج لها كثتا ي‬
‫أهاىل الخارج عىل استخدام السيوف‬
‫قدرة شباب الداخل عىل العمل باستخدام الفؤوس‪ ،‬و عدم قدرة‬
‫ي‬
‫للمبارزة‪.‬‬
‫الطرفي‪ ،‬ر‬
‫حن رأئ ذلك اليوم الذي احتدت األمور ن‬
‫ن‬
‫الشعن مثل ِمرجل يغىل ن‬
‫بي‬
‫بي‬
‫وهكذا بدت فرقة الرقص‬
‫ي‬
‫ري‬
‫ن‬
‫ن‬
‫األساسيي‪.‬‬
‫اقصي‬
‫ورقة و السنونو‪ ،‬وتحول فيه التدريب عىل الرقص إىل شجار كاد يجرح أحد من الر‬
‫ن‬
‫ن‬
‫سء و هو شأن يمنعه األهل قبل الدرك‪ ،‬و بأن‬
‫كان جميع الشبان يف األحياء يعلمون أن حمل السكاكي أمر ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫السكاكي‬
‫اقصي ممن انخرطوا ن يف "عصبة القنباز" يحملون‬
‫هذا الفعل هو فعل شائن‪ ،‬ومع هذا كان جميع الر‬
‫ن‬
‫خفية عن أهاليهم‪ ،‬يخفونها خارج البيوت و فيما ن‬
‫بي شقوق الصخور‪ ،‬أو يف زوايا األبواب‪ ،‬و يدخلون بيوتهم‬
‫ن‬
‫ه خطيئة المراهقة‪.‬‬
‫مسالمي أبرياء‪ ،‬كانت هذه ي‬
‫أما من انتموا إىل "عصبة الفراريـ ــع" فقد كانوا ر‬
‫أكت راحة‪ ،‬فهم يحملون الفؤوس الصغتة ن يف عملهم و يتنقلون‬
‫ُ‬
‫اليوم‪ ،‬مع حرصهم عىل عدم دراية أهاليهم بالمهمة األخرى تلك‬
‫بها ن يف الشوارع عىل أنها جزء من عملهم‬
‫ي‬
‫الن ر‬
‫ر‬
‫يفتض أنها للعمل فقط‪ ،‬و ليس اللعب أو التحدي‪ .‬حيث أنه ن يف ذلك الزمان كانت‬
‫الفؤوس الصغتة ي‬
‫ه حمل السالح األبيض‪ ،‬و تزيد قيمة الشاب أو القبضاي بحسب نوع سالحه‪ ،‬كانت هذه‬
‫مفخرة الشبان ي‬
‫الع ادات مستمدة من زمن الفرسان القديم‪ ،‬حيث كان الفرسان يتنافسون بأنواع سيوفهم‪ ،‬و كانت العرب قد‬
‫أعطت للسيوف ر‬
‫أكت من اسم‪ ،‬كداللة عىل أهميته نف الحياة‪ ،‬و انتقلت هذه العادات ر‬
‫حن نهايات القرن‬
‫ي‬
‫‪57‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ن‬
‫ن‬
‫للسكاكي أو الخناجر قبل انتشار‬
‫التاسع عرس حيث اقتض األمر يف زمن البنادق عىل حمل القبضايات‬
‫الطبنجات (المسدسات) ‪.‬‬
‫ن‬
‫ن‬
‫اقصي يستخدمون السيوف الخشبية‬
‫الشعن‪ ،‬تقوم عىل أن الر‬
‫وعليه فقد كانت التدريبات يف فرقة الرقص‬
‫ري‬
‫ن‬
‫الخفيفة‪ ،‬أو الخناجر الكاذبة‪ .‬و لكن نف ذلك اليوم الذي غاب فيه ُ‬
‫الشعن‪ ،‬وقف‬
‫المعلم يف فرقة الرقص‬
‫ي‬
‫ري‬
‫البندوق و أمسك بالخنجر المعلق نف صدر الغرفة‪ ،‬حيث تجري التدريبات‪ ،‬و ّ‬
‫تأمله بصمت‪ ،‬مما جعل بعض‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫أعضاء الفرقة يسألونه عن سبب حمله للخنجر‪ ،‬فقال‪ :‬إن ما شاهدته يف شوراع المدينة يف حفالت العرس‬
‫ً‬
‫ن‬
‫الكتى حينما كنت صغتا‪ ،‬كان يوقف القلوب‪ ،‬كانت النصال تصطك مع النصال يف صليل صارم‪،‬‬
‫الشهتة و ر‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ر‬
‫الن يحملها الفرسان الحقيقيون‪ ،‬يف مشهد يبهر النظارة‪ ،‬و‬
‫بحيث كان الرسر يلتمع فوق السيوف الفوالذية ي‬
‫ن‬
‫يسلب القلوب‪ ،‬بينما كان الراقصون الحقيقيون يتقافزون يف سيوفهم الثقيلة مثل فرسان العرب القدماء‪،‬‬
‫ن‬
‫ر‬
‫أئ ربيعة و لبيد‪ .‬كان الحضور يراقبون يف ذهول كامل‪ ،‬و‬
‫مثل عنتة و الزير و كليب و جساس‪ ،‬مثل عمرو بن ر ي‬
‫ن‬
‫ر‬
‫ن‬
‫حقيق‪،‬‬
‫العروسي يدخلون عش الزوجية يف شف كبت‪ ،‬بعد رصاع‬
‫كأن الفرسان الذين يرقصون هم من يجعل‬
‫ي‬
‫العائلتي ر‬
‫ْن‬
‫ن‬
‫ينتم إىل عائلة العريس‪،‬‬
‫ينتم إىل عائلة العروس عىل الفارس الذي‬
‫حن ينتض الفارس الذي‬
‫بي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫و من ثم يسمح لهم بالزواج من ابنتهم و أخذها معهم ضمن شوط الرسف و النبالة و الفروسية"‪.‬‬
‫بعدها ر‬
‫اقتح البندوق عىل السنونو و ر‬
‫الرسش أن ّ‬
‫يجربا الرقصة باستخدام السيوف الحقيقية‪ ،‬و تحداهما ن يف‬
‫ً‬
‫الرسش‪ ،‬ر‬
‫بي السنونو و ر‬
‫أساسا‪ ،‬وهكذا وبعلم البندوق بالعداوة و التنافس ن‬
‫اقتح عليهما‬
‫أن ينجحا ن يف حملها‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫اقصي‪ ،‬و عىل‬
‫المبارزة وال رقص‪ ،‬فاندفع االثنان إىل الساحة حيث تتم التدريبات‪ ،‬و هناك تحلق الجمع من الر‬
‫إيقاع طبل البندوق الرتيب‪ ،‬العميق‪ ،‬الصارم‪ ،‬األجوف‪ .‬انشدت القلوب و العيون إليهما‪ ،‬وهما يدوران حول‬
‫ر‬
‫الن رسمت باللون األسود ن يف منتصف الساحة البيضاء‪ ،‬المفروشة بالرمل األبيض‪ ،‬كان الشابان يدوران‬
‫الدائرة ي‬
‫ْن‬
‫ْن‬
‫صتا عىل حملها‪ ،‬فالرجولة بالنسبة للفتيان‬
‫حاملي‬
‫سيفي من سيوف المعلم‪ ،‬كان السيفان ثقيالن‪ ،‬ولكنهما ر‬
‫ّ‬
‫نف ذلك السن تكمن نف تحملهما الصعاب أمام األصحاب‪ .‬دارا و ّ‬
‫قي ب ن‬
‫محد ْ ن‬
‫أعي بعضهما البعض‪ ،‬كانت‬
‫تربصا‬
‫ِ‬
‫ي‬
‫ي‬
‫يحم نفسه‪ ،‬بينما كانت خطوات‬
‫كأنه‬
‫و‬
‫صدره‬
‫قرب‬
‫السيف‬
‫يحمل‬
‫و‬
‫وه‬
‫واثقة‪،‬‬
‫واسعة‪،‬‬
‫السنونو‬
‫خطوات‬
‫ي‬
‫ً‬
‫الرسش قصتة و شيعة‪ ،‬مثل دبور أسود‪ ،‬ريتقب االنقضاض عىل فريسته‪ ،‬يحمل سيفه موجها إىل الخلف‪،‬‬
‫من قبضته المعكوسة‪.‬‬
‫وبالفعل اصطكت السيوف‪ ،‬و تعالت اآلهات ن‬
‫بي الشبان‪ ،‬ابتسم البندوق وزاد من شعة الطبل‪ ،‬و زاد معها‬
‫ً‬
‫من حدة التوتر‪ ،‬كان البندوق يتحكم بإيقاع القلوب‪ ،‬و يتحكم بلحظة االنقضاض‪ ،‬و كأنه ّ‬
‫يست الجميع نياما‪،‬‬
‫وما ه إال لحظات ر‬
‫حن اشتبكت الرقصة ن يف حسم كامل‪ ،‬وعىل ذات إيقاع الطبل‪ ،‬كانت السيوف تتقاطع‪،‬‬
‫ي‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫مرة‪ ،‬اثنتان‪ ،‬ثالثة‪ ،‬عرسة‪ ،‬عرسين‪ ،‬بدأ اللهاث يتعاىل من صدور المتبارزين‪ ،‬وكاد التعب و ألم الذراع أن ينال‬
‫ن‬
‫ر‬
‫ر‬
‫وف حركة خطتة المست ذؤابة السيف طرف خده‪ ،‬ن يف حركة شيعة‬
‫من الرسش‪ ،‬حن انقض عليه السنونو ي‬
‫و رشيقة‪ ،‬بهتت لها أصوات الحضور‪ ،‬و انبثق بعدها خط أحمر رفيع من خد الرسش األسمر‪ ،‬تلتها ابتسامة‬
‫صفراء من البندوق‪.‬‬
‫بعد تلك الحادثة بدأ الرسخ ن‬
‫بي عصبة القنباز و عصبة الفراريـ ــع يتسع‪ ،‬وكان خروج الرسش من الباحة بخط‬
‫ً‬
‫مؤلما بالنسبة ل ورقة كذلك‪ .‬الذي ّ‬
‫تعهد أمام صديقه الرسش باالنتقام له‪.‬‬
‫وأجت السنونو عىل‬
‫أحمر ن يف خده‪،‬‬
‫ر‬
‫‪58‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫مغادرة الفرقة و العمل لدى أبو فهد الحداد‪ .‬استشعرت عصبة القنباز رغبة خصومهم باالنتقام فأبعدت‬
‫الفراريـ ــع عن داخل السور بالكامل‪ ،‬و كان ما كان‪.‬‬
‫هكذا تعززت عالقة عصبة القنباز مع سكاكينهم‪ ،‬وأحس جماعة عصبة الفراريـ ــع بأهمية الفؤوس الصغتة‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫للطرفي حامال عصا الطبل‪ ،‬يجلس مع التجار عىل أبواب محالهم أو مع الباعة‬
‫وحده البندوق كان صديقا‬
‫ن‬
‫ن‬
‫عىل العربات الصغتةـ أو عىل أبواب الحمامات مع الشغيلة و العمال‪ ،‬كان البندوق يف كل مكان‪ ،‬يف داخل‬
‫ن‬
‫األهاىل يستقبلونه بود و محبة كبتْين‬
‫السور أنشأ لنفسه عالقات ممتازة مع الناس‪ ،‬و يف خارج السور كان‬
‫ي‬
‫ر‬
‫الن يظهرها للكل‪.‬‬
‫للدماثة ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ر‬
‫الن كان يعتمد عليها يف اكتساب ثقة الناس كانت‬
‫ولكنه كان يدفن يف صدره مشاعرا مختلفة‪ ،‬فنقطة قوته ي‬
‫ن‬
‫أنه ال ينتم ألي تعصب‪ ،‬وبالتاىل هو حر نف صداقاته وتنقالته ن‬
‫بي داخل السور و خارجه‪ .‬و لكن يف قرارة‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫نفسه كانت تلك ه مشكلته‪ ،‬فهو ال يريد أن ر‬
‫يبق وحيدا‪ ،‬بل يبحث بكل قوته عن انتماء ما يرفع من شأنه‪.‬‬
‫ي‬
‫نف واحدة من مشاويره‪ ،‬حمل البندوق عصاه الكبتة‪ ،‬و ن‬
‫مض خارج السور نف رحلة لطيفة ن‬
‫بي أزاهت الصيف‪،‬‬
‫ًي‬
‫ي‬
‫كان الصباح نف مستهله بحيث أن أشعة الشمس لم تكن قد استوت فعال‪ ،‬و قصد ن ن‬
‫متل ورقة‪ ،‬الذي يعيش‬
‫ي‬
‫ً‬
‫المش الهادئ‪ ،‬طرق الباب فخرج إليه ورقة مندهشا من زيارته‬
‫فيه مع والديه‪ ،‬وحينما وصل بعد ساعة من‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫الصباحية‪ ،‬واستقبله استقباال رائعا‪ ،‬و استبقاه عىل الغداء‪ ،‬وبعدها جلسا يرسبان الشاي تحت شجرة جوز‬
‫ن‬
‫األخض‪ ،‬هناك تبادل الجانبان أطراف الحديث وسأله ورقة عن االستعدادت الكبتة‬
‫كبتة ن يف بستان العائلة‬
‫ً‬
‫ن ر‬
‫الن ستقدم للجمهور‪،‬‬
‫الفتتاح الخان‪ ،‬و تحدث البندوق طويال عن الحفل الضخم‪ ،‬وعن الفقرات الممتة ي‬
‫ن‬
‫ألمائ جديد‪ ،‬كان يحلم برسائه من اسطنبول‪ ،‬مخصص للفرق العسكرية‪ ،‬و لكن‬
‫تحدث عن نيته لرساء طبل‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ورقة كان يشعر أن البندوق يخق سبب زيارته المفاجئة‪ ،‬واستمر الحديث لساعات بهدوء و سكينة‪ ،‬ر‬
‫حن‬
‫ي‬
‫ر‬
‫ن‬
‫ّ‬
‫تطرق الحديث إىل زيارات ورقة إىل داخل السور‪ ،‬وسأله حينها البندوق حول التامه بمقاطعة داخل السور‬
‫ما عدا تدريبات الفرقة الراقصة‪ ،‬سأله إن كان يعرف شارع الدباغات؟ ارتبك ورقة‪ ،‬و أدرك أن البندوق قد‬
‫لمحه بشكل من األشكال‪ ،‬قرب باب السالم‪ ،‬حينما احمرت وجنتا ورقة أدرك البندوق أن الشاب الذي أمامه‬
‫ُ ّ‬
‫فاعتف له بأنه لمحه ر‬
‫الن تنامت إىل ذهنه ه حقيقة ثابتة و راسخة‪ ،‬ر‬
‫ر‬
‫أكت من‬
‫ي‬
‫عاشق موله‪ ،‬و بأن االشاعات ي‬
‫مرة قرب الدباغات‪ ،‬وبأنه رأئ يك يحذره من معرفة السنونو ربتدده إىل هناك‪ ،‬ن يف هذه اللحظة امتقع وجه‬
‫ً‬
‫يخق عىل الدوام ما ن‬
‫دا‪ ،‬و يدرك بأنه ن‬
‫يخق‪.‬‬
‫ورقة‪ ،‬و أدرك ما يخفيه البندوق فهو لم يأتمن جانبه أب‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫كان ورقة ُمدركا بأن ما يفعله هو تجاوز كبت فدخوله إىل داخل السور بعد الشجار الكبت‪ ،‬هو تحد كبت‬
‫للسنونو‪ ،‬مع أن أبو دياب قد تدخل و أعط ورقة الفرصة للدخول إىل التدريبات‪ ،‬و لكن األخت كان يشتاق‬
‫ً‬
‫التاىل و ن يف بقية األيام‪ ،‬ولكن عشقه و حبه قد ُيفهم عىل أنه تجاوز‬
‫لمحبوبته فيعاود الدخول متنكرا ن يف اليوم‬
‫ي‬
‫عت الطرق التقليدية‪ ،‬وليس‬
‫للعادات االجتماعية‪ ،‬فإن أحب شاب ما فتاة ما يجب عليه أن يتقدم لخطبتها ر‬
‫عت اللقاءات ن يف الشوارع‪ ،‬و هذا ما كان يريده ورقة‪ ،‬وهذا ما أزمع عىل القيام به‪ ،‬بعد افتتاح الخان‪.‬‬
‫ر‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫شب البندوق الشاي‪ ،‬وأنه ضيافته وزيارته الجميلة إىل ن ن‬
‫متل ورقة‪ ،‬وحمل ن يف يده كيسا كبتا مملوءا بالهدايا‬
‫ً‬
‫من فواكه البستان و طفق عائدا إىل داخل السور بعد أن نال مراده وتأكد من أن ورقة واقع ن يف غرام شقيقة‬
‫‪59‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ر‬
‫ه داليا شقيقة خصمه‪ ،‬بل احتفظ لنفسه بهذه المعلومة‬
‫السنونو‪ ،‬لم ر‬
‫الن يعشقها ي‬
‫يخته بالطبع أن الفتاة ي‬
‫ألوقات الحقة‪.‬‬
‫‪5‬‬
‫الخان‬
‫ن يف يوم االحتفال المخصص الفتتاح الخان الذي قام عىل تجديده وحيد آغا‪ ،‬فهدم كسوته القديمة و أعاد‬
‫ُ‬
‫ترميمه برخام تدمري رائع‪ ،‬و ن‬
‫بن فيه ف ْسقية رائعة الجمال‪ ،‬وفرش أرضيته ببالط أسود رائع و جديد‪ ،‬و رمم‬
‫ألكت قدر من الزبائن و الزوار‪.‬‬
‫غرفه الكبتة‪ ،‬و أعاد تجديد المطابخ و االسطبالت لتتسع ر‬
‫ُ‬
‫الكتى‪ ،‬بسجاد أحمر عىل الطريقة‬
‫فرشت األرض من مدخل الخان إىل حيث تتوسط الفسقية الباحة ر‬
‫األلمانية‪ ،‬و بنيت منصة عالية قرب الفسقية‪ ،‬يك يصعد المتحدثون ويخاطبون الناس‪ ،‬بالطبع كان المنادي‬
‫‪60‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ر‬
‫الن وجهها وحيد بك إىل األعيان و األكابر كانت‬
‫قد جاب شوارع المدينة بأكلمها‪ ،‬و لكن الدعوات الخاصة ي‬
‫كفيلة بحشد عدد كبت من الوجهاء و األعيان والمختار و القائم مقام‪ ،‬وما إىل ذلك من كبار القوم‪.‬‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ر‬
‫الن ستقام يف يوم االفتتاح‪ ،‬بينما ارتدى الخدم أثوابا‬
‫تحولت باحة الخان الكبتة إىل ساحة ضخمة للفعاليات ي‬
‫خاصة وتحلقوا حول الباحة لتقديم المرطبات و األطعمة اللذيذة‪.‬‬
‫ن‬
‫يف الباحة تجمهر عدد كبت من الناس منتظرين دخول وحيد بك و معه األعيان إلعالن بدء الحفل‪ ،‬لكن‬
‫ً ً‬
‫صوت الصياد الذي اسـتأجره وحيد بك للقدوم و عرض حيواناته كان عاليا جدا مما جعل الناس تلتفت خلفها‬
‫ً‬
‫رلتى الضبع المقيد بالجنازير و الذي اقتاده الصياد بفخر شديد وسط األسواق‪ ،‬وصوال إىل الخان الكبت‪،‬‬
‫ً‬
‫ر‬
‫الن التفت‬
‫وهناك وقف يعرضه بفخر عىل الناس‪ ،‬كان‬
‫الضبع شسا يزمجر بغضب و ألم من شدة القيود ي‬
‫ً‬
‫حوله‪ ،‬لكن منظره الغريب جعل الناس وخصوصا األطفال تلتف حوله و تراقبه باستغراب‪ ،‬بينما كان الصياد‬
‫يروي حكاية عن قرية بسيطة من قرى القلمون كان أهلها قد تعرضوا لحوادث كثتة بسبب هذا الوحش‬
‫الكاش‪ ،‬كان الصياد يبالغ نف تضخيم شاسة الضبع بالطبع ر‬
‫حن يضخم من قوته و عزيمته‪ ،‬فهو الصياد العنيد‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫الذي استطاع القاء القبض عىل الضبع الكاش‪ ،‬الذي شق الخراف و النعاج‪ ،‬و اختطف الفالحي واحدا إثر‬
‫ً‬
‫آخر عىل الطريق الموحش للنبع‪ ،‬وكان يخدرهم بأن يرش عليهم شيئا من جسده‪ ،‬فيتحول اإلنسان عىل‬
‫ً‬
‫اضيا و هناك ال ر‬
‫الفور إىل دمية تست خلف الضبع وكأنه يست وهو نائم‪ ،‬خلف الضبع ر‬
‫يتبق‬
‫حن يدخل وكره ر‬
‫بشء من الضيق حد البكاء‪ ،‬و بجعل‬
‫منه سوى العظام‪ ،‬كانت هذه األسطورة كفيلة بجعل األطفال يشعرون ي‬
‫ً‬
‫النساء ممن اجتمعن لمشاهدة الحفل تشعرن بالذعر‪ ،‬ولكنها كانت كفيلة أيضا بمنح الصياد لقب البطل‬
‫ً‬
‫المغوار‪ ،‬و تتويجه بميدالية البطولة و الشجاعة‪ ،‬وهكذا كان ر‬
‫حن أشار له المختار بإبعاد الضبع بعيدا‪.‬‬
‫ن‬
‫ر‬
‫الن سيجلس عليها وحيد بك و‬
‫يف مقلب آخر دخلت الفرقة الرسقية و بدأت بالعزف أمام األرائك الوثتة ي‬
‫ر‬
‫موسيق شقية‬
‫ألهاىل تتمايل عىل أنغام‬
‫القائم مقام و المختار و غتهم من األعيان و أكابر القوم‪ ،‬بينما كانت ا‬
‫ي‬
‫ر‬
‫رائعة ر‬
‫متافقة مع موشحات غنائية صعبة‪ ،‬وفجأة ومن بعيد بدأت أصوات الفرقة النحاسية تختق سماء‬
‫ً‬
‫الحفل‪ ،‬قادمة من عمق الشوارع البعيدة‪ ،‬كان صوت األبواق و الباراظانات قويا لدرجة أن أغلب الجمهور‬
‫ر ً‬
‫ً‬
‫متافقا مع الفرقة‬
‫المتواجد ن يف الحفل ركض خارجا لمشاهدة موكب دخول وحيد بك والمختار و القائم مقام‪،‬‬
‫ً‬
‫النحاسية وعىل ميمنة و ميرسة الموكب كان حملة الرايات الذين يرفعون عىل الرماح عاليا أعالم الدولة و‬
‫راياتها‪.‬‬
‫ر‬
‫الن كانت تست خلف وحيد بك‪ ،‬كان رفاق ورقة من عصبة الفراريـ ــع يستون ببطء خلف‬
‫من ضمن الحشود ي‬
‫ن‬
‫وه ترقص يف هذا الحفل العظيم‪ ،‬وبالطبع‬
‫العسكر واألعيان‪ ،‬أتوا لمشاهدة صديقهم ورقة و بقية الفرقة ي‬
‫ن‬
‫المتجولي و أصحاب األرباب و المهن الصغتة قد‬
‫كانت النساء و األطفال و أهل السوق من التجار و الباعة‬
‫سبقوا الجميع ن يف التجمهر‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ر‬
‫شيئا من السعادة ن‬
‫بي الناس‪.‬‬
‫الموسيق تبث عىل الدوام‬
‫الجو العام كان مشحونا بالفرح‪ ،‬ف‬
‫دخل الموكب إىل الخان‪ ،‬و اعتىل وحيد بك و القائم مقام المنصة العالية‪ ،‬و ر‬
‫ألق كلمة حماسية ن‬
‫أثن فيها عىل‬
‫الشغيلة و شيوخ الصنعة الذين استطاعوا منح المكان صفة جمالية عالية‪ ،‬و أضفوا عليها من مهاراهم‬
‫ً‬
‫جماليات ال تقدر بثمن‪ ،‬ثم أعلن وحيد بك أن الخان الكبت بصورته الجديدة سوف يكون متاحا للجميع‬
‫‪61‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫وسوف يكون قبلة لجميع المسافرين وعابري السبيل‪ ،‬وسوف يعمل عىل تنشيط التجارة داخل المدينة‬
‫وخارجها‪.‬‬
‫األهاىل كلمة وحيد بك بحماس شديد‪ ،‬فاألحياء كانت بحاجة لمن يضخ فيها األمل و الحياة من‬
‫استقبل‬
‫ي‬
‫جديد بعد ركود السنوات الطوال‪.‬‬
‫ن‬
‫وما ه إال لحظات ر‬
‫حن اعتلت الفرقة النحاسية المنصة من جديد واستمرت يف عزف المارشات العسكرية‪،‬‬
‫ي‬
‫نف هذه األثناء كان السنونو قد وصل برفقة أصدقائه إىل مكان الحفل‪ ،‬و صعد عىل الفور إىل الطابق الثائن‬
‫ي‬
‫ي‬
‫هناك حيث سيتمكن من متابعة الحفل بهدوء و هو يراقب دون مزاحمة من أحد أو خوف من عسكر‪.‬‬
‫ن‬
‫يف الزاوية اليرسى للباحة كانت الفرقة الشعبية الراقصة تتجهز للصعود إىل المنصة‪ ،‬لتقديم الوصلة الرئيسية‬
‫لرقصة السيف ر‬
‫والتس المنتظرة‪ ،‬وكان ورقة يرتدي ثياب الفرقة الجلدية‪ ،‬و يتجهز تحت إشاف مدير الفرقة‪،‬‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ن‬
‫المفتض أن تكون الرقصة األساسية ن‬
‫اقصي الجدد‪ ،‬بدال عن السنونو‪ ،‬وقف البندوق‬
‫بي ورقة و أحد الر‬
‫ومن‬
‫ً‬
‫حامال طبله و عصاه وهو ينظر إىل أبو دياب ليحدد لهم ساعة الصعود إىل المنصة‪ .‬و لكن الفرقة النحاسية‬
‫كانت تحصد اإلعجاب الكبت‪ ،‬فاختار عريف الحفل أن ريتكهم لعرس دقائق إضافية كاملة‪.‬‬
‫ن‬
‫الخارح‪.‬‬
‫بتدخي سيجارة ن يف الباب‬
‫ن يف تلك األثناء طلب البندوق من أبو فهد أن يسمح له‬
‫ر ي‬
‫ً‬
‫فوح بوجود‬
‫فطلب منه أبو دياب أال يبتعد كثتا‪ ،‬وحينما وصل البندوق خارج الباب و بدأ بلف سيجارته‪ ،‬ر‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫جدا‪ ،‬فالرقصة ر‬
‫الن كان متمرسا بالقيام بها‪ ،‬منحت لشاب غته‪،‬‬
‫مستاء‬
‫السنونو يقف إىل جواره‪ ،‬كان السنونو‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫و هو وبسبب إرصاره و عناده و رفضه االعتذار من ورقة‪ ،‬أصبح عامال يف ورشة الحداد أبو فهد‪ ،‬كان وجه‬
‫ً‬
‫ً‬
‫بدال عن أبو دياب الذي أبعده عن الفرقة‪.‬‬
‫السنونو يستشيط غضبا‪ ،‬وكأنه اختار أن يواجه البندوق‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ن‬
‫للتدخي‪ ،‬فرد البندوق بأنه ال‬
‫فاقتب منه و سأله إن كان يشعر بالسعادة وهو يدخن‪ ،‬فالسنونو كان كارها‬
‫ً‬
‫يشعر بالسعادة أبدا‪ ،‬مع أن االحتفال بدا ن يف غاية الجمال‪ ،‬لكنه و ألسباب يجهلها‪ ،‬كان ن يف حالة نفور شديدة‬
‫من ورقة!‬
‫ً‬
‫ً‬
‫كان البندوق يعلم جيدا ما يفعل‪ ،‬و يعرف بالتحديد كيف يثت أعصاب السنونو‪ ،‬لم يغفر له يوما ما فعله به‪،‬‬
‫أجي من أن يواجهه‪ ،‬لذلك اختار أن ن‬
‫و لكنه كان ر ن‬
‫يضبه بأشد خصومه‪.‬‬
‫فوح السنونو برد البندوق‪ ،‬فسأله عن سبب استيائه من ورقة؟‬
‫ر‬
‫أجابه البندوق بأنه ال يشعر بالسعادة بوجود شخص من خارج السور تجاوز كل االتفاقات المعقودة ن‬
‫بي‬
‫ن‬
‫العصبتي‪.‬‬
‫وحينما سأله السنونو عن قصده؟ أجابه البندوق بأن عصبة الفراريـ ــع بالكامل منترسة ن يف الحفل‪ ،‬و بأنهم أتوا‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ر‬
‫ىع‬
‫الن يتجول الفراريـ ــع يف األسواق والشوارع‪ ،‬لذلك ال داع ألن تد ي‬
‫بأوامر من ورقة‪ .‬وبأنها ليست المرة األوىل ي‬
‫التاىل‪.‬‬
‫أنك زعيم شديد‪ ،‬فكل ما تقوله يذهب هباء ن يف اليوم‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫استشاط السنونو غضبا‪ ،‬و بدأ ينظر من حوله بغضب باحثا عن أحد من الفراريـ ــع‪ .‬لكن ابتسامة البندوق‬
‫الصفراء رفعت من شدة غضبه و جعلته يمسك بياقة قميص البندوق ويشده إىل صدره‪:‬‬
‫‪62‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫أنت تعلم أن هذه االبتسامة الصفراء سوف تكلفك الكثت من األلم‪ ،‬ألم تتعظ من المرة السابقة؟‬‫بتحد‪.‬‬
‫قال السنونو‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫لكن البندوق الخبيث ابتسم له ورفع حاجبيه بهدوء ثم قال له‪ :‬لوكان األمر بيدي لكنت اتعظت و لكن أحدا‬
‫ال يشعر بأي خوف منك‪ ،‬ر‬
‫حن شقيقتك ن يف البيت ال تشعر بالخوف منك!‬
‫ن‬
‫يف تلك اللحظة و مع انتهاء كلمات البندوق أحس السنونو بأن العالم يدور وبأن بوابة الخان قد انقلبت إىل‬
‫ً‬
‫ن‬
‫أسفل‪ ،‬فانتفض السنونو غاضبا‪ ،‬و رم البندوق عىل األرض‪ ،‬يف هذه األثناء كان أبو دياب يضخ عىل البندوق‬
‫ً‬
‫مناديا عليه يك يلتحق الفرقة‪ ،‬فالوقت قد حان للصعود إىل المنصة‪.‬‬
‫ً‬
‫سمع البندوق نداء أبو دياب‪ ،‬و نهض واقفا‪.‬‬
‫ن‬
‫ر‬
‫الكتى أيها الوغد‪ ،‬ثم ما أدراك بما يجري يف‬
‫تابع السنونو كالمه بغضب شديد‪ :‬كيف تتجرأ عىل ذكر‬
‫شقيقن ر‬
‫ي‬
‫البيوت أيها األحمق؟‬
‫ً‬
‫ابتسم البندوق وهو يدبر عائدا إىل الباحة‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫أنا ال أعلم شيئا‪ ،‬أنا غريب‪ ،‬أنا ال أحد‪ ،‬أنا غت موجود‪ ،‬و لكن يمكنك سؤال ورقة‪ ،‬العاشق المت ُبول‪ ،‬أو يمكنك‬‫ً‬
‫سؤال أهل البيت‪ .‬مش البندوق خمسة خطوات‪ ،‬ثم التفت إىل السنونو قائال‪ :‬سأسديك خدمة أختة‪،‬‬
‫كرس أبو دياب ن يف غمده‪.‬‬
‫السيف األبيض موجود خلف‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً ً ن‬
‫ن‬
‫افعا عصاة الطبل ر‬
‫وف اليد األخرى أمسك بالطبل و نرصب‬
‫مض البندوق إىل الداخل ر‬
‫الن رفعها عاليا جدا‪ ،‬ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫قوية لدرجة أن جميع من نف الحفل التفت ناحيته‪ ،‬ر‬
‫حن الفتيات رصخن وقد وضعن أيديهن عىل‬
‫نرصبة‬
‫ي‬
‫ً‬
‫قلوبــهن من شدة الخوف‪ ،‬الحمائم المتكئة عىل حواف قبة الخان فرت مذعورة‪ ،‬كانت نرصبة البندوق إعالنا‬
‫منه بقيام الحرب‪.‬‬
‫داليا الرقيقة كانت برفقة زهرات الدباغات روز ونرسين و حبقة‪ ،‬ريت ر ن‬
‫قي مشاهدة الحفل و الرقصة‪.‬‬
‫ً‬
‫استشعر ورقة شيئا من نظرات البندوق‪ ،‬وصعد مع بقية الفرقة إىل المنصة العالية‪.‬‬
‫األهاىل الذين ينتظرون صعود فرقة‬
‫كانت الكنبات األساسية مملوءة بكبار الشخصيات‪ ،‬و حولهم الرايات و‬
‫ي‬
‫السيف و ر‬
‫التس‪.‬‬
‫ً‬
‫وقف السنونو مذهوال مما سمع‪ ،‬وبدا وكأنه أصيب بجمود كامل‪ ،‬كان يراقب البندوق و هو يرفع يده وهو‬
‫ً‬
‫شيئا‪ ،‬ر‬
‫اقتب منه الدوم‬
‫يدق عىل الطبل‪ ،‬دون أن يفعل‬
‫ري و الخياط‪ ،‬أمسك الخياط بكتفيه و هزه بقوة كيما يستفيق من غيبوبته‪ ،‬ثم سأله الدومري بغضب‪:‬‬
‫ ماذا حصل؟ ماذا قال لك؟‬‫ماذا قال لك؟ أردف الخياط‪ .‬سوف أقتل هذا األحمق البندوق‪.‬‬
‫‪63‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ً‬
‫ن‬
‫التنيطة إىل الحفل مزاحما الحضور‪ ،‬يبحث عن مكان هادئ يك‬
‫يف هذه األثناء دخل الغريب الذي يرتدي ر‬
‫يضع كامتته فوق منصة عالية و بدأ بالتقاط صور تذكارية وهو يبتسم‪.‬‬
‫ّ‬
‫نظر السنونو إىل رفيقيه‪ ،‬مستذك ًرا ما قاله البندوق‪ّ ،‬‬
‫مر شيط حياته برسعة أمام عينيه‪ ،‬تذكر أمه‪ ،‬و حادثة‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫تحم‬
‫صبة‬
‫ع‬
‫قائد‬
‫وأنه‬
‫زعيم‬
‫أنه‬
‫مدعيا‬
‫موتها‪ ،‬تذكر والده‪ ،‬و تذكر عجزه‪ ،‬شعر وكأنه كان يلهو يف الحارات‬
‫ي‬
‫ن‬
‫الكتى‪.‬‬
‫الىح‪ ،‬يف الوقت الذي كان ورقة فيه يضايق شقيقته ر‬
‫ي‬
‫ر‬
‫الحكوائ من بطنه‬
‫اندفع السنونو برسعة مثل طائر جريـ ــح إىل المنصة‪ ،‬وكاد أن يقفز فوقها لوال أن أمسك به‬
‫ي‬
‫يبك بحرقة‪ .‬كان الذل يحرق وجهه مع كل دمعة تنهمر من عينيه‪ ،‬تبعه‬
‫و منعه عن الصعود‪ .‬كان السنونو ي‬
‫صديقاه وأشار الخياط إىل عصبة القنباز المتناثرة هنا و هناك أن اجتمعوا‪.‬‬
‫ً‬
‫اجتمعت العصبة‪ ،‬ولكن أحدا منهم لم يقدر أن يفهم ماذا قال البندوق للسنونو‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ر‬
‫الحكوائ شيئا غت طبيعيا من وجه السنونو‪ ،‬و انتىح به جانبا‪.‬‬
‫استشعر‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫سأله عن حاله‪ ،‬لكن السنونو قال شيئا واحدا فقط‪:‬‬
‫أريد أن انتقم منه!‬‫ر‬
‫الحكوائ عن قصده‪ ،‬فأشار السنونو إىل المنصة‪ .‬إىل ورقة‪.‬‬
‫سأله‬
‫ي‬
‫كانت نرصبات البندوق تتعاىل مع بدء دوران الفرقة حول المنصة و ه تدق السيف ر‬
‫بالتس‪ ،‬ن‬
‫وتضب باألقدام‬
‫ي‬
‫ر‬
‫الحكوائ السنونو بالذهاب إىل الرقص معهم بدل أن يغضب‪.‬‬
‫عىل األرض‪ ،‬كادت الرقصة أن تبدأ حينما نصح‬
‫ي‬
‫ر‬
‫الحكوائ أن السنونو غاضب بسبب إقصائه عن الرقصة ن يف هذا الحفل الكبت‪ ،‬فنصحه بالدخول إىل‬
‫اعتقد‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫الرقصة يف نهايتها و تأدية جزء منها رغما عن الجميع‪ ،‬عىل أن يعتذر من المعلم أبو دياب بعد نزوله‪.‬‬
‫ً‬
‫هز السنونو رأسه‪ ،‬و صعد إىل المنصة بعد أن دفع أصحابه بعيدا‪ ،‬لم يكن أحد من الحضور ليفهم ما الذي‬
‫جرى‪ ،‬ر‬
‫ن‬
‫مندهشي مما شاهدوا‪.‬‬
‫حن أن أعضاء الفراريـ ــع كانوا‬
‫صعد السنونو إىل المنصة‪ ،‬وسط استهجان من أبو دياب‪ .‬لكن البندوق استمر نف ن‬
‫الضب عىل الطبل و كأن‬
‫ي‬
‫ً‬
‫شيئا لم يحدث‪ ،‬نظرات السنونوكانت متجهة إىل ورقة‪ ،‬فاستشعر األخت بجلل الخطب‪ .‬فدفع الراقص الذي‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ن‬
‫ن‬
‫المتحلقي حولهما‪.‬‬
‫قصي‬
‫المفتض أن يرقص أمامه بعيدا‪ ،‬و همس له بأن ريتك المركز و يلتحق بالرا‬
‫كان من‬
‫صعد السنونو و بدأ بارتداء ثياب الرقص فوق المنصة‪ ،‬ارتدى الدرع الجلدي و القبضات السوداء حول‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ْن‬
‫طبيغ‪ ،‬لكن‬
‫المعصمي‪ ،‬كانت نظراته مركزة تقدح شرا ناحية ورقة‪ ،‬مما جعل الجميع يدرك بأن الوضع غت‬
‫ي‬
‫استمرار ن‬
‫الضب عىل الطبل و ابتسامات البندوق‪ ،‬ك انت كفيلة بجعل الفرقة تستمر بالدوران التمهيدي‬
‫للرقصة‪ ،‬ولكن بنظرات قلقة‪ ،‬فما الذي يفعله هذا الراقص المطرود من الفرقة‪ ،‬اآلن‪ ،‬وهنا‪ ،‬فوق المنصة‪،‬‬
‫ً‬
‫ن يف واحد من أهم احتفاالت المدينة‪ ،‬كان السنونو مبعدا عن الفرقة بطلب و أوامر من المعلم أبو دياب نفسه‪،‬‬
‫و لم يكن ألحد أن يقدر عىل سؤاله عما يفعله اآلن‪ ،‬ر‬
‫حن أبو دياب نفسه ارتبك و أشار بيديه لورقة و للجميع‬
‫ً‬
‫باالستمرار بالرقص‪ ،‬فوحيد بك و القائم مقام لم يدركا ما حصل‪ ،‬و لن يدركا‪ ،‬ظنا منهما أن صعود السنونو‬
‫إىل المنصة هو جزء من الرقصة‪ .‬ثالثتهم فقط كانوا يدركون ما يحصل‪ ،‬البندوق‪ ،‬و السنونو‪ ،‬وورقة‪ .‬ر‬
‫حن‬
‫‪64‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫انضمت داليا إليهم من مخبأها البعيد يف عمق الجمهور‪ ،‬حيث أدركت أن أمرا جلال سوف يحدث‪ ،‬و أن‬
‫حماقة ما سوف يرتكبها شقيقها األصغر‪.‬‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ر‬
‫يلق به يف دوامات الغضب و الحقد‪ ،‬دون‬
‫لوهلة شعر البندوق بأن انتقامه من السنونو بات جاهزا‪ ،‬و ها هو ي‬
‫ن‬
‫ر‬
‫ر‬
‫تلق به يف السجن لبقية حياته‪،‬‬
‫حن أن يعرف ما يجري‪ ،‬بالطبع من الممكن أن يقوم السنونو بحماقة ما ي‬
‫إيقاىع بطء‪ ،‬ن‬
‫مرة أخرى‪ ،‬استمر البندوق ن‬
‫حيث لن ينجده القدر ّ‬
‫ٍّ‬
‫فالضبات‬
‫بالضب عىل الطبل بقوة وثبات‬
‫ي‬
‫ي‬
‫كانت تمهيدية‪ ،‬و الرقصة القتالية لم تبدأ بعد‪ ،‬نف هذه األثناء كانت حدقتاه تتنقالن ن‬
‫بي السنونو وورقة‪ ،‬لكنه‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫أيضا لم ينس أن ّ‬
‫يتلمس الجرح األسود يف وجهه‪ ،‬الجرح الذي منحه إياه السنونو بغطرسته و غروره‪ ،‬لم يغفر‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫له البندوق أبدا ما فعل‪ ،‬وكان ُمضا عىل االنتقام‪ ،‬ولكن انتقام الغريب يحدث دائما ربتود و غدر‪.‬‬
‫تعن البدء بتغيت إيقاع ن‬
‫ن‬
‫ر‬
‫الضب عىل الطبل‪.‬‬
‫الن ي‬
‫تنبه البندوق إىل إشارة المعلم أبو دياب‪ ،‬ي‬
‫فبدأ يرفع تسارع ن‬
‫الضبات مع ثبات قوتها‪ ،‬خيم الصمت عىل الحضور بالكامل‪ ،‬الفتيات و الرجال و النساء‪،‬‬
‫ر‬
‫و ر‬
‫وحن الصياد و الضبع كان الجميع يرقبون الرقصة‪،‬‬
‫حن األطفال‪ ،‬الفرقة النحاسية و التخت الرس ر يف‪،‬‬
‫السيوف عالية‪ ،‬و ر‬
‫التوس تعكس الضوء من الفسحة السماوية‪.‬‬
‫ً‬
‫قليال من منتصف المنصة‪ ،‬ر‬
‫بدأت الرقصة و ر‬
‫فاقتب ورقة‪ ،‬أمسك االثنان بأيدي بعضهما‬
‫اقتب السنونو‬
‫البعض‪ ،‬ثم بدآ الدوران حول المركز‪ ،‬نف تلك اللحظة ّ‬
‫تنبه ورقة بأن السيف الذي يحمله السنونو ليس السيف‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫المعد للرقص‪ ،‬أو السيف المثلوم‪ ،‬كان سيفا جارحا‪ ،‬فنظر إىل البندوق ألنه كان األقرب إليهما‪ ،‬فابتسم له‪،‬‬
‫الحقيق أن السنونو يعرف كل سء‪ .‬ر‬
‫ر‬
‫فاقتب منه و همس أثناء‬
‫أدرك ورقة من نظرات السنونو و من سيفه‬
‫ي‬
‫ي‬
‫الدوران‪ ،‬قال له‪:‬‬
‫أريدها ن يف الحالل‪.‬‬‫ً‬
‫بعيدا‪ ،‬و استمر نف الدورا ن‪ ،‬وعىل الفور زاد البندوق ن‬
‫الضب عىل طبل‪ ،‬لتفع‬
‫فانتفض السنونو‪ ،‬ودفعه ربتسه‬
‫ي‬
‫ن‬
‫األدرينالي ن يف الرقصة‪ ،‬فضخ السنونو‪:‬‬
‫من مستويات الطاقة و‬
‫خسئت‪ ،‬نحن ال ّ‬‫نزوج فتياتنا خارج السور‪ .‬انطلقت الجملة من فم السنونو إىل مسمع جميع من ن يف الخان‪،‬‬
‫اثنتي و الثالثة‪ ،‬ثم ن‬
‫ن‬
‫فشهقت النساء والرجال‪ ،‬و بدأت النصال تلتمع ن‬
‫تضب‬
‫بي ورقة و السنونو‪ ،‬نرصبة و‬
‫ً‬
‫مجددا‪ ،‬كانت الفرقة من حولهما تنقر بسيوفها عىل ر‬
‫التوس ببعضها‪ ،‬ويعاد ر‬
‫ر‬
‫التوس ن يف إيقاع متناغم‬
‫التتيب‬
‫مع الطبل‪ .‬وسط اعجاب كبت من الحضور و عىل رأسهم وحيد بك‪ .‬لم يدرك أحد ما الذي يجري ولكن‬
‫إعجاب الجميع بالرقصة كان خارج توقعات المألوف‪.‬‬
‫ً‬
‫السنونو قرر أن يشذ عن القاعدة وأن يبدأ المبارزة القوية فورا‪ ،‬وهكذا تحولت الرقصة عىل الفور إىل مبارزة‬
‫ً‬
‫ن‬
‫حادة ن‬
‫الشابي‪ ،‬ورقة كان يحاول أن يمنع السنونو عن إيذائه‪ ،‬وكان ينظر إىل البندوق طالبا منه تخفيف‬
‫بي‬
‫ً‬
‫إيقاع ن‬
‫الضبات يك يلتقط أنفاسه‪ ،‬ولكن األخت فعل العكس تماما‪ ،‬كان ضارب الطبل يتحكم بالكامل برسعة‬
‫ْن‬
‫الطرفي أن يتابعا الحركة بالكامل مع إيقاع الطبل‪ ،‬لذلك كان ضارب‬
‫الرقصة والمبارزة‪ ،‬و كان المطلوب من‬
‫الطبل يتحكم بالكامل بالسنونو‪ ،‬وبالتاىل بورقة‪ .‬البندوق كان يعلم بأن ورقة ضحية‪ ،‬ولكنه وضع نفسه فن‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫موضع العاشق الذي ر‬
‫يختق المحرمات فليتحمل نتيجة عشقه إذا‪.‬‬
‫‪65‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ً‬
‫كانت نرصبات السنونو تتخذ منىح أشد قوة و عنفا‪ ،‬استشعر أبو دياب األمر و بدأ يتحرك باتجاه البندوق‪،‬‬
‫ً‬
‫ر‬
‫أوئ من قوة‪ ،‬و إيقاع‪ ،‬لم يشعر أحد بأن شيئا ما‬
‫ولكن السنونو كان يطت و يهوي عىل سيف ورقة بكل ما ي‬
‫خارج عن الم ألوف سوى هؤالء‪ ،‬بالنسبة للحضور كانت الرقصة ساحرة‪ ،‬ومغرقة بالفروسية و الرشاقة‪،‬‬
‫ومتعة كبتة للمشاهدة‪ ،‬نهض ورقة من عىل ركبيته بعد أن صد نرصبات السنونو األختة و بدأ بالهجوم‪،‬‬
‫ً‬
‫تسارعت المبارزة‪ ،‬فورقة مبارز بارع أيضا‪ ،‬وهو الراقص األول ن يف الفرقة‪.‬‬
‫أريدها ن يف الحالل‪ .‬قال ورقة‪.‬‬‫ً‬
‫نعط أحدا من خارج السور‪.‬‬
‫ال‬‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫صائبا‪ ،‬يجب أن ر‬
‫يبق السور مقفال و يجب أال يدخل أحد‬
‫أيها الخائن‪.‬أيها الغدار‪ ،‬اليوم علمت كم كان قراري‬‫ً‬
‫منكم إلينا مطلقا‪.‬‬
‫األمر ليس كما تعتقد‪ ،‬أنا أحبها يا سنونو‪.‬‬‫قال ورقة بهدوء و هو يتجنب نرصبات الخصم‪.‬‬
‫ً‬
‫منكبا عىل ركبتيه ر‬
‫لتلق نرصبة ورقة‪ ،‬ولكنه حينما سمع ما قاله ورقة‪ ،‬انتفض‬
‫كان السنونو ن يف تلك اللحظة‬
‫ي‬
‫وطار ن يف الهواء ألمتار عديدة‪ ،‬وهو يضخ‪:‬‬
‫خسئت‪.‬‬‫ّ‬
‫ّ‬
‫ليتحول إىل انبهار و‬
‫خيم الذهول و الرهبة عىل الحضور‪ ،‬كان االعجاب بالرقصة قد تجاوز حدود القبول‬
‫ْن‬
‫ْن‬
‫متمكني‪.‬‬
‫فارسي‬
‫اس‪ .‬فالرقصة كانت أشبه بمبارزة من عصور ساحقة‪ ،‬من‬
‫ذهول و وقوف فوق الكر ي‬
‫ر‬
‫ارتق السنونو مثل طائر حاد األجنحة و رصخ‪:‬‬
‫ّ‬
‫ْن‬
‫نصفي‪.‬‬
‫خسئت‪ ،‬ثم هوى عىل ترس ورقة بسيفه الحاد‪ ،‬فشقه إىل‬‫ر‬
‫ن‬
‫الن أظهرها السنونو وورقة ن يف مبارزتهما‪.‬‬
‫فاندلع التصفيق بي الحضور من شدة المهارة ي‬
‫حن أن أبو دياب شعر باإلعجاب من حركة السنونو‪ ،‬وبرسعة ر‬
‫ر‬
‫ألق ربتس جديد لورقة‪.‬‬
‫فتناوله األخت وقال له‪:‬‬
‫ر‬
‫صديق‪.‬‬
‫اهدأ يا‬‫ي‬
‫وحينما سمع البندوق محاوالت ورقة للتهدأة زاد من نرصبات الطبل‪ ،‬وقوتها‪ ،‬فازدادت عينا السنونو قوة‬
‫ً‬
‫ورهبة‪ ،‬واتخذ قراره بإنهاء خصمه‪ ،‬فاندفع راكضا بسيفه نحو ورقة‪ .‬كانت ابتسامة البندوق ترسق وتتلون‬
‫ً‬
‫ر‬
‫الن سيحصل فيها عىل طبقه باردا‪ ،‬طبق االنتقام‪ ،‬وبشكل غريب‬
‫بلون بر ي‬
‫تقاىل شير‪ ،‬ألنه أدرك أنها اللحظة ي‬
‫ن‬
‫ر‬
‫الن يشعر بها بوجوده ولكن راحة ما اجتاحت صدره‪.‬‬
‫بدأ الجرح يف وجهه يحرقه‪ ،‬وكأنها المرة األوىل ي‬
‫اندفع السنونو و كأنه يزعق مثل طت يشق السماء‪ ،‬شعره كان يطت إىل الخلف‪ ،‬بينما نظرات ورقة كانت‬
‫ً‬
‫تستقرئ السالمة‪ ،‬ر‬
‫اقتب السنونو منه حينما سمع رصاخ شقيقته داليا‪ .‬عاليا ‪ .‬نظر الشابان إليها‪ ،‬ورقة كان‬
‫‪66‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ن‬
‫بحاجة لمن يذود عنه‪ ،‬فهو ال يريد االنخراط يف معركة ال هدف لها‪ .‬كانت الفتاة تضخ بهلع نحو أخيها‪ ،‬لقد‬
‫ّ‬
‫سء و يريد االنتقام بطفولة‪ .‬و لكن السنونو كان أشع من صوتها‪ ،‬حينما شق طرف‬
‫أدركت أنه يعلم بكل ي‬
‫ن‬
‫سطىح ساعد ورقة‪ ،‬فتعالت األصوات المذهولة ف جميع قباب الخان الكبت‪ .‬و ّ‬
‫ٍّ‬
‫عم الصمت‪.‬‬
‫سيفه بشكل‬
‫ِ‬
‫ي‬
‫ي‬
‫‪6‬‬
‫المواجهة‪.‬‬
‫ن‬
‫الن ساد الصمت المكان برمته‪ ،‬ر‬
‫ر‬
‫حن أن وحيد بك توقف عن شب الشاي الموضوع أمامه‬
‫يف تلك اللحظة ي‬
‫ن‬
‫وكاد أن يختنق به‪ ،‬ر‬
‫انتت الدم ونفر من ذراع ورقة‪ ،‬حينها أمسك الفراريـ ــع المتناثرين يف عموم الباحة بقبضات‬
‫ً‬
‫فؤوسهم الصغتة‪ ،‬واستعدوا للمواجهة مدر ن‬
‫طبيغ قد حصل‪.‬‬
‫كي أن شيئا غت‬
‫ي‬
‫قبل تلك اللحظة اصطكت ع دسة الغريب معلنة التقاط صورة للتاريـ ــخ‪ ،‬صورة كان فيها شعر السنونو السابح‬
‫ن يف عكس اتجاه حركته‪ ،‬أسود طويل‪ ،‬يتجه ن يف حركة معاكسة التجاه السيف‪ ،‬كانت تعابت الوجوه تنم عن كل‬
‫سء‪ ،‬الذهول و الدهشة‪ ،‬األلم و الفضول‪ ،‬االبتسامة الصفراء ن يف وجه البندوق‪ .‬و الغضب ن يف وجه السنونو‪،‬‬
‫ي‬
‫ن‬
‫األلم واألسف يف وجه ورقة‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫استطال الصمت ر‬
‫حن أحس الحضور جميعا بأنه استحال دهرا‪ ،‬ولم يكرسه إال صوت انفجار هائل‪ ،‬دوى ن يف‬
‫ً‬
‫ً‬
‫عمق المدينة‪ ،‬فخر الجميع سجودا بحركة ال إرادية منهم‪ ،‬وحده السنونو انتصب الهثا‪ ،‬ينظر إىل غريمه‪،‬‬
‫ر‬
‫الملق عىل األرض و خيط أحمر ن ن‬
‫ن‬
‫انحن البندوق مع الجموع ثم‬
‫يتف من ساعده‪ ،‬توقفت نرصبات الطبل و‬
‫انسل خارج المكان دون أن ينتظر نتائج ما جرى‪ ،‬هرعت داليا نحو ورقة و أمسكت بوجهه و حينما اطمأنت‬
‫ً‬
‫الوىع‪ ،‬رصخت ن يف وجهه‪:‬‬
‫عليه اندفعت نحو أخيها و أمسكت وجهه‪ ،‬وهزته‪ ،‬كان شبه مخدر‪ ،‬غائبا عن‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ن‬
‫شاهدئ نف الشارع وطلب ن‬
‫من الزواج‪،‬‬
‫ء‪،‬‬
‫س‬
‫يحدث‬
‫لم‬
‫أعرفه‪،‬‬
‫ال‬
‫أنا‬
‫‪،‬‬
‫أبدا‬
‫سء بيننا‬
‫ي ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫أنت أحمق‪ ،‬لم يحصل ي‬‫هذا كل ما ن يف األمر‪.‬‬
‫ر‬
‫سء عىل ما يرام‪.‬‬
‫حينها اندفع‬
‫ي‬
‫الحكوائ و أبو دياب إىل ورقة ليتأكدا أن كل ي‬
‫لكن هدير الجموع و الضاخ الذي عم المكان جعل الحضور ينسون ما جرى‪ ،‬فقد دخلت سحابة هائلة من‬
‫ُ‬
‫الغبار و األتربة غطت الجموع‪ ،‬حدث جلل ألم بالمدينة‪ .‬و أصوات الناس خارج الخان‪ ،‬تعالت عىل الفور‪،‬‬
‫الضبع بدأ بالصياح و العويل ن يف حركة ال إرادية‪.‬‬
‫انطلق الجند و الحرس خارج المكان لمعرفة ما جرى‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫كان انفجارا كبتا قد هز السور‪ .‬وطلب القائم مقام من الجميع العودة إىل البيوت‪.‬‬
‫األجنن أدواته و انسل خارج الخان بهدوء شديد‪ ،‬بينما تدافعت الجموع خارجة من المكان‪،‬‬
‫لملم الغريب‬
‫ر‬
‫ً ي ً‬
‫مما سبب زحاما شديدا أدى إىل سقوط العديد من الرجال و النساء عىل األرض‪ ،‬و دوسهم تحت أقدام‬
‫‪67‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ن‬
‫العاىل‪ ،‬وحيد بك و القائم مقام والمختار دخلوا إىل إحدى غرف الخان الداخلية‬
‫الخائفي من االنفجار و صوته‬
‫ي‬
‫و أشفوا عىل استالم التقارير من العسس و العسكر‪.‬‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫يف تلك األثناء نهض السنونو واقفا عىل قدميه ليجتمع خلفه أعضاء عصبة القنباز‪ ،‬و انتصب يف مواجهته‬
‫ن‬
‫ورقة وخلفه وقف جميع أصدقائه من عصبة الفراريـ ــع‪ ،‬بينما وقفت داليا يف المنتصف حائرة‪ ،‬كانت تلهث و‬
‫ا‬
‫كلش‬
‫خصلة من شعرها األحمر قد انهمرت من شالها الملفوف عىل رقبتها‪ ،‬مثل شالل صغت ينحدر من جبل‬
‫ي‬
‫أبيض‪ .‬رصخت داليا‪:‬‬
‫ما بالكم؟ أتتشاجرون مثل األشقياء أمام القوم كلهم؟ هل تدركون ما تفعلون‪.‬‬‫غضب السنونو وهمس بكلمات تكاد تتفجر‪:‬‬
‫ً‬
‫ن‬
‫تكوئ موجودة ن يف هذه اللحظة‪.‬‬
‫اذهن إىل البيت فورا‪ ،‬ألن القيامة سوف تقوم اليوم‪ .‬و ال أريدك أن‬
‫ي‬
‫ ري‬‫استل شبان عصبة القنباز سكاكينهم ن يف استعداد منتظرين كلمة الزعيم‪ ،‬بينما كانت الفؤوس الصغتة متدلية‬
‫ُ ن‬
‫سء سوف‬
‫سء‬
‫ي‬
‫يوح بأن الدماء سوف تسيل يف الخان الكبت‪ .‬و بأن ال ي‬
‫من قبضات الفراريـ ــع القوية‪ .‬كان كل ي‬
‫ر‬
‫يعود إىل ما كان عليه‪ ،‬ر‬
‫الحكوائ و أبو دياب لم يقدرا أن يلجما غضب هؤالء الشبان‪.‬‬
‫حن‬
‫ي‬
‫ومع رصخة من السنونو قفزت عصبة القنباز بالكامل تجاه عصبة الفراريـ ــع‪ ،‬و اشتبك الفريقان ن يف شجار‬
‫ً‬
‫ً‬
‫عنيف‪ ،‬السنونو و ورقة كانا ن يف رصاع يدا بيد‪ ،‬و ساعدا بساعد‪ ،‬حينما تمكن ورقة من شطب ذراع السنونو‬
‫ائ‪ ،‬تمكنا من الخياط‬
‫كذلك‪ ،‬مما جعل دماء السنونو تختلط بدماء ورقة‪ ،‬و استمر الشجار‪ ،‬الرسش والمرس ر ي‬
‫و الدومري‪ ،‬ولكن السنونو حينما شاهد ذراعه احمرت عيناه و ّ‬
‫هم بالهجوم عىل ورقة‪ ،‬ازداد القتال ر‬
‫حن كاد‬
‫أن ينفلت إىل تطورات ال يحمد عقباها‪ ،‬ن‬
‫حي تدخلت داليا ورصخت عىل السنونو وقالت له‪:‬‬
‫تذكر أمك‪ ،‬تذكر أمنا‪ ،‬كم كانت ستشعر بالغضب مما تفعله‪ ،‬لم تكن ن‬‫تتمن أن تكون كذلك‪.‬‬
‫ً‬
‫سء ن يف تلك اللحظة‪ .‬واغرورقت عينا السنونو بالدمع‪ .‬رم السيف الذي كان يرقص به أرضا‪ ،‬و‬
‫توقف كل ي‬
‫ر‬
‫تبك غاضبة بالسيف و نظرت إىل أخيها‪.‬‬
‫الن كانت ي‬
‫ركض‪ .‬فأمسكت داليا ي‬
‫اندفع السنونو خارج الخان و هو يلملم جراحه‪ ،‬كان الفراريـ ــع يطاردونه‪ ،‬أما أعضاء القنباز فكانوا يلهثون‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ر‬
‫الحكوائ‬
‫الحكوائ تحاوالن إسناد ورقة الذي جرح جرحا بالغا من الشجار‪ .‬حينها التفت‬
‫خلفهم‪ ،‬كانت داليا و‬
‫ي‬
‫ي‬
‫إىل داليا و طلب منها الذهاب إىل البيت‪ ،‬فهو من سيقود ورقة إىل البيمارستان‪ ،‬و ستعاه هناك‪ ،‬لكن داليا‬
‫فه لم تقم بأي فعل خاط‪ ،‬وبأنها إن ذهبت إىل البيت فلسوف‬
‫رفضت بشدة و أرصت أن تكون معهما‪ ،‬ي‬
‫يفهم انسحابها عىل أنه خجل من فعلتها‪.‬‬
‫ر‬
‫الحكوائ إىل ما تقوله و ن‬
‫أثن عىل فكرتها‪ .‬سار الثالثة باتجاه البيمارستان‪ .‬وفجأة تعالت األصوات‬
‫استمع‬
‫ي‬
‫ن‬
‫بتفجت آخر كبت‪ .‬حينها شعرت داليا بقلق شديد عىل السنونو‪ ،‬وقررت أن تذهب يف اتجاه باب المدينة‬
‫ً‬
‫الرس ر يف‪ ،‬حيث الدخان و الرماد الكبت‪ ،‬بدأت داليا تركض كان انفعالها كبتا‪ ،‬و قد بدأت تستذكر ذلك الولد‬
‫ً‬
‫ويبك باحثا عن أمه‪،‬‬
‫الصغت حسام‪ ،‬أو كما يطلق عىل نفسه (السنونو) تتذكره حينما كان يسقط عىل األرض‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ر‬
‫الن ترفعه عن األرض فورا‪ ،‬و تكاد ال تقدر أن تحمله ألنها صغتة أيضا‪،‬‬
‫فإن لم يجدها كان يبحث عن داليا‪ ،‬ي‬
‫‪68‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ر‬
‫الن تهدأ حينما يشعر‬
‫فتوجعها ذراعيها و يحمر وجهها‪ ،‬و لكن ما كان يشد أزرها هو نظراته إليها و أنفاسه ي‬
‫بوجودها إىل جانبه‪ ،‬وهو اليوم بحاجة إليها‪.‬‬
‫بدأ الدخان يتصاعد‪ ،‬كان الناس ريتاكضون عكس اتجاه داليا‪ ،‬وحدها كانت مندفعة إىل مكان األصوات و‬
‫ً‬
‫ً‬
‫الغبار‪ ،‬وحينما وصلت لم تجد السنونو و ال أحدا من أصدقائه‪ ،‬لم تجد أحدا تعرفه‪.‬‬
‫ً‬
‫ن‬
‫لكن الصدمة كانت يف أن السور العظيم‪ ،‬سور المدينة الرائع‪ ،‬كان جزء منه قد انهار وكأن أحدا ما قد نسفه أو‬
‫ر ن‬
‫تبك‪ ،‬والبعض من الشبان‬
‫هدمه‪ ،‬الغبار يمأل المكان و الحجارة تتبعت يف كل ناحية‪ ،‬وجوه أهل ي‬
‫الىح كانت ي‬
‫كانت وجوههم بيضاء من التصاق الغبار بعرقهم أثناء محاوالتهم إلنجاد من ب رق تحت ر‬
‫التاب و الصخور‬
‫ي‬
‫ّ ً‬
‫عا فالجدار العظيم الذي لم يعرف أحد من ّ‬
‫عمره و من رفعه كان قد تهدم‪.‬‬
‫الكبتة‪ ،‬كان المشهد مرو‬
‫عدد من عنارص الرسطة أمسكوا بشاب غريب و بدأو ابالتحقيق معه و نرصبه و تهديده‪ ،‬فكان أن ر‬
‫اعتف عىل‬
‫الفور بأن من حرضهم عىل وضع المتفجرات ونسف السور هو الغريب‪ ،‬الذي يرتدي برنيطة‪ ،‬بل و أعطاهم‬
‫ً‬
‫مبلغا من النقود‪ ،‬لعله يريد البحث عن ن ن‬
‫كت أو آثار تحت هذا السور الضارب ن يف التاريـ ــخ‪.‬‬
‫نف تلك اللحظة وصل الفراريـ ــع و هم يبحثون عن زعيمهم ورقة‪ ،‬فلقد ضللهم السنونو‪ ،‬و ن‬
‫اختق مثل عصفور‬
‫ي‬
‫شيـ ــع تبدد ن‬
‫بي الغيوم‪.‬‬
‫ن‬
‫وقفت داليا نف وجههم فسألوها ر‬
‫ائ‪:‬‬
‫باحتام و هم يضعون أعينهم ن يف األرض‪ ،‬الرسش و‬
‫الدومائ و المرس ر ي‬
‫ي‬
‫ي‬
‫يا ست داليا هل رأيت زعيمنا ورقة؟‪.‬‬‫ابتسمت ن يف قرارة نفسها و ردت‪:‬‬
‫ر‬
‫ن‬
‫المشق بال ريب‪.‬‬
‫الحكوائ‪ ،‬سوف يأخذه إىل‬
‫ال تقلقوا فهو برفقة العم‬‫ي‬
‫ن يف تلك اللحظة انتفض الرسش و رصخ‪:‬‬
‫لكن السنونو سيحاسب‪ ،‬سيحاسب‪ ،‬لن نقبل أن يتم االعتداء علينا بهذا الشكل‪.‬‬‫ائ وبغضب رصخ‪:‬‬
‫حاولت داليا تهدئة الجميع‪ ،‬لكن المرس ر ي‬
‫ً‬
‫أنا سعيد جدا‪ ،‬فها هو السور الذي تتبجحون به‪ ،‬قد انهار‪ ،‬ها هو السور يسقط مثل أحجار بيت قديم ال‬‫ً‬
‫ر‬
‫سء اسمه داخل السور و خارجه‪ ،‬سوف نكون جميعا متساوين‪.‬‬
‫قيمة له‪ ،‬ومنذ هذه اللحظة لن يبق ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن يف هذه اللحظة فرد السنونو أجنحته شاهرا (الجوري) ورصخ عاليا بهم‪ ،‬أنا هنا ولن يجرؤ أحد عىل محاسبة‬
‫يحم المدينة و قصص المدينة‪ ،‬نحن‬
‫عصبة القنباز‪ ،‬نحن أهل السور و حراسه‪ ،‬نحن أهل الشام‪ ،‬نحن من‬
‫ي‬
‫من يحفظ الناس و حكاياهم و أغانيهم‪.‬‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ن‬
‫الحكوائ‪.‬‬
‫ائ ن يف ذراعه مشتا إىل وصول ورقة وهو يستند عىل ذراع‬
‫لكز‬
‫ي‬
‫الدومائ صديقه المرس ر ي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫أيضا‪ ،‬ر‬
‫حن فتيات الدباغات و وحيد بك و القائم مقام وصلوا إىل مكان‬
‫كان أعضاء عصبة القنباز قد وصلوا‬
‫التفجت‪.‬‬
‫‪69‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫المرسا ر يئ‪ :‬هل رأيت السور الذي تتفاخر به‪ ،‬لقد سقط يا سنونو‪ ،‬سقط‪ .‬حينها رصخ السنونو‪:‬‬
‫رصخ ِ‬
‫ً‬
‫يحم الناس من الغرباء‪.‬‬
‫ك‬
‫عاليا‬
‫سوف نعيد بناء السور من جديد‪ ،‬ولسوف نرفعه‬‫ي‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ر‬
‫الحكوائ‪:‬‬
‫يف هذه اللحظة رصخ‬
‫ي‬
‫ن‬
‫المعائ‪ ،‬شغلتم أنفسكم بشجارات و أفكار ال‬
‫الخاىل من‬
‫سء بضاعكم‬
‫ي‬
‫ي‬
‫اهدأ أيها الساذج‪ ،‬لقد دمرتم كل ي‬‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫معن لها‪ ،‬بينما كان الغريب يكيد المكائد لنسف تاريخنا و الحفر يف أرضنا بحثا عن كنوز يريد شقتها‪ ،‬هل‬
‫ن‬
‫ائ‪ ،‬السور الذي فرحت النهياره هو سور مدينتنا و عزنا و فخرنا‪ ،‬أما السور الذي‬
‫بن ِ‬
‫المرس ر ي‬
‫أنتم سعداء‪ ،‬أيا ي‬
‫يريد رفعه السنونو فهو ليس هذا السور‪ ،‬ال عالقة لهذا السور بما تقولون و تفعلون‪ ،‬فأنتم تتصارعون عىل‬
‫ن‬
‫ن‬
‫لألهاىل داخل السور‬
‫بتميتكم و تفاخركم الفارغ‪ ،‬ليس للسور و ال‬
‫سور و جدار يف دواخلكم‪ ،‬سور بنيتموه أنتم‬
‫ي‬
‫أو خارجه أية عالقة بما تقولون أو تفعلون‪ ،‬أنتم واهمون‪ ،‬فالسور تاريخنا و حضارتنا‪ُ ،‬‬
‫سورنا الذي سقط عىل‬
‫ً‬
‫ً ن‬
‫هاماته آالف بل عرسات اآلالف من الشبان دفاعا عن تاريخنا‪ ،‬هو السور الذي خشخش الغزاة طويال يف‬
‫ً‬
‫بحثا عن طريقة لدخوله‪ .‬وها أنتم تتصارعون عليه‪ ،‬و تفرقون ن‬
‫بي داخله و خارجه‪.‬أفيقوا و اصحوا‪،‬‬
‫مفاتيحهم‬
‫ً‬
‫ر‬
‫ن‬
‫و هلموا يدا بيد لتفع السور ونبنيه سوية‪ .‬وإن كانت لديكم ذرة من احتام لألبدال العظام‪ ،‬حماة المدينة‪،‬‬
‫فاستفيقوا‪.‬‬
‫ر‬
‫ر‬
‫الن فجرت السور و اقتادتهم إىل جوار وحيد بك و‬
‫هنا اقتبت مجموعة من العسكر ممسكة ببقايا العصابة ي‬
‫القائم مقام‪ .‬فتقدم وحيد بك وقال‪:‬‬
‫ً‬
‫ن‬
‫السكاكي و الفؤوس الصغتة‪ ،‬و تمسكوا بدال عنها المطارق الحديدية‬
‫سء يجب عليكم أن ترموا‬
‫لكن قبل كل ي‬‫ن‬
‫ن‬
‫تميت يشتت شملكم‪ ،‬ارفعوا رايات العزة لهذه‬
‫و تبدأو بهدم السور الذي يف دواخلكم‪ ،‬اهدموا كل فرقة‪،‬و كل‬
‫ن‬
‫المدينة و لهذا البلد‪ ،‬اتحدوا‪ ،‬فلن يفرقكم سور حجري‪ ،‬بل ما فرقكم و جعلكم الهي عن مؤامرات الغريب‬
‫هو السور ن يف قلوبكم‪ ،‬السور الحجري البارد الذي فرق األصدقاء و األشقاء‪ ،‬وجعلكم تشهرون أسلحتكم ن يف‬
‫يحم المدينة‪.‬‬
‫وجه بعضكم البعض‪ .‬بعد ذلك يمكنكم البدء بزراعة شجر الحور الذي‬
‫ي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫بدال عنه أسوارا تحمينا جميعا‪.‬‬
‫تنبهوا أيها الشبان‪ .‬واهدموا السور ن يف قلوبكم‪ ،‬حجرا حجرا‪ ،‬وارفعوا‬
‫ثم التفت القائم مقام و رصخ بالعسكر‪ :‬أما أنتم فخذوا هؤالء إىل السجن حيث سيلقون عقابهم بعد محاكمة‬
‫ً‬
‫أسا عىل عقب ر‬
‫حن تجدوا الغريب‪ ،‬وهاتوه عندي‪،‬‬
‫عادلة‪ .‬و أنتم‪ ،‬والتفت إىل بقية الحرس‪ ،‬اقلبوا المدينة ر‬
‫ً‬
‫مطوال‪.‬‬
‫أريد الحديث معه‬
‫ر‬
‫نن‬
‫ر‬
‫الن ابتسمت‬
‫ابتسم‬
‫ي‬
‫الحكوائ‪ ،‬ثم التفت إىل السنونو‪ ،‬وأشار له بالتول‪ ،‬تردد السنونو ثم نظر إىل شقيقته ي‬
‫له باإليجاب‪ ،‬فابتسم لها بطمأنينة‪ ،‬وقفز من فوق السطح برشاقة كبتة‪.‬‬
‫ً‬
‫ر‬
‫الحكوائ بيده‪ ،‬وأشار إىل ورقة بأن ر‬
‫يقتب‪ ،‬فنظر ورقة إىل داليا أيضا‪ ،‬وإىل القائم مقام فابتسما له‪،‬‬
‫فأمسك‬
‫ي‬
‫ر‬
‫ر‬
‫ن‬
‫الماص‪ ،‬نظر الشابان‬
‫الحكوائ بيد السنونو وبيد ورقة ودعاهما للمصافحة و نسيان‬
‫فاقتب ورقة‪ ،‬أمسك‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ر‬
‫الحكوائ‪،‬‬
‫إىل بعضهما‪ ،‬كانت الكدمات تمأل وجهيهما‪ .‬لكن مشهد السور والدمار فيه‪ ،‬وكلمات وحيد بك و‬
‫ي‬
‫جعالهما يتصافحان و يستذكران رقصات السيف و ر‬
‫التس فيما بينهما‪ .‬فتعانقا كما لو أنهما لم يريا بعضهما‬
‫من قبل‪.‬‬
‫‪70‬‬
‫التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها‬
‫ن‬
‫الدومائ عانق فهد‪.‬‬
‫ائ عانق الخياط‪،‬‬
‫بدأ الفراريـ ــع بمعانقة عصبة القنباز‪ِ ،‬‬
‫ي‬
‫الرسش عانق الدومري‪ ،‬و المرس ر ي‬
‫فجأة شعر الجميع بالراحة‪ ،‬وشعرت داليا بأن السور ن يف دواخل هؤالء الشبان بالفعل قد سقط‪.‬‬
‫التفت وحيد بك و القائم مقام‪ ،‬ورصخا بالجموع‪ :‬هلموا يجب علينا إعادة الجدار إىل ما كان عليه‪ ،‬يجب‬
‫ً‬
‫علينا رفعه من جديد‪ ،‬جميعا‪ ،‬أهل داخل السور‪ ،‬و أهل خارج السور‪.‬‬
‫ن‬
‫ن‬
‫األهاىل يف رفع األحجار وإنقاذ المحالت‬
‫ابتسمت فتيات الدباغات‪ ،‬الواقفات يف البعيد تتفرجن‪ .‬واندفع‬
‫ي‬
‫والبيوت المهدمة‪.‬‬
‫ن‬
‫بينما طلب السنونو أن يأخذ ورقة إىل البيمارستان‪ ،‬ومن ثم أن يقود عصبة القنباز و الفراريـ ــع يف عملية البحث‬
‫عن الغريب‪.‬‬
‫وهذا ما كان‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫الىح إن الفراريـ ــع اختلفوا مجددا مع عصبة القنباز حول من منهم قد وجد الغريب أوال‪ .‬ولكن‬
‫يقول‬
‫أهاىل ي‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ذلك الخالف انته عىل الفور‪ ،‬ورقص الجميع يف حفل زفاف ورقة عىل داليا‪ .‬وهناك حصلت أجمل رقصات‬
‫السيف و ر‬
‫التس‪.‬‬
‫ً‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ن‬
‫اللياىل حينما ال تتحرك الريـ ــح‪ ،‬كانوا يسمعون‬
‫وف‬
‫ي‬
‫األهاىل أيضا إنهم يف دروب البساتي الموحشة‪ ،‬ي‬
‫ويقول ً ي‬
‫ن‬
‫ن‬
‫نرص ًبا عميقا عىل الطبل‪ ،‬يزداد ر‬
‫يختق‪ ،‬ثم يعاودون سماعه من جديد يف منطقة‬
‫حن تجفل قلوبــهم‪ ،‬ولكنه‬
‫ي‬
‫أخرى بعيدة‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ر‬
‫يأئ ويداهمهم‪ ،‬وبأنهم دوما‬
‫كان صوت الطبل ال يتوقف‪ ،‬وكأنه عىل الدوام يذكر الجميع بأن شيئا ما سوف ي‬
‫مطالبون باالتحاد ن يف وجه طبول الحرب و الفرقة‪.‬‬
‫ّ‬
‫تمت‬
‫‪71‬‬