التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها "التمشاية" بي أبواب مدينة دمشق بمحاذاة ُ ن ورها: س ِ يليها دمشق ن بي سورين. الذهب فارس ي 2026 1 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها يقتب المرء من مدينة عادية ،بل كما ر نقتب من دمشق القديمة ال نفعل ذلك كما ر حي ر يقتب من ٍّ ن نص ٍ ٌ عرف نفسها بالساحات ،وأخرى ُت ِّ مدن ُت ِّ عرف نفسها باألنهارّ ،أما دمشق مكتوب بالحجر .هناك كثيف ٍ ٍ ً ٌ ً ُ ّ ّ ِّ . : فتبدو ـ منذ البدء ـ كأنها تعرف نفسها بالحد بالسور هذا الحد ليس جدارا وظيفيا فحسب ،بل فكرة كاملة ٌ ٌ جلد ،وللحياة ٌ عن المدينة ،عن ن شكل يمكن اإلمساك به .السور هنا إطار ،وللذاكرة معن أن يكون للعمران ّ ٌ ُ ّ ّ ً ّ .ن وف اللحظة ر الن يولد ويعلم الخارج كيف يتهيب ليس قيدا ،بل كتابة عموديةُ :يعلم الداخل كيف يتذكر، ي ي ّ ً ن ن بمعن وصفها ثقوبا يف الحجر ،بل بوصفها الفلسفة العملية للحد فيها السور تولد معه األبواب ،ليست ً ً ن ّ تتحول إىل تحم نفسها دون أن لمدينة أن تكون مغلقة ومفتوحة يف الوقت ذاته ،أن نفسه :كيف يمكن ٍ ي ُ رقت حجري ،وأن تستقبل العالم دون أن تذوب فيه .الباب هو التناقض المدار بحكمة ،هو الحدود ن حي ٍ ً تتأنسن ،ن حي تسمح للعبور أن يكون فعال له طقسه ومهابته وقوانينه. ً ن ن ه الباب يف جوهره ليس "مدخال" بل "عتبة" ،والعتبة يف الثقافة اإلنسانية أقدم من العمارة نفسها :ي وبي أمن ومجازفة .علماء اإلنسان ن بي داخل وخارج ،ن هوية وأخرى ،ن حالي ،ن ن انتقال ن حي بي بي لحظة ٍ ٍ ٍ ٍ ً ّ ر طرف بشكل تنتم إىل أي الن ال وصفوا ٍ ي طقوس العبور ربطوا العتبات دائما بلحظة الالمكان :المنطقة ي ً ُ ّ كامل ،ألنها تنتج ن معن التحول ذاته (van Gennep, 1909).لهذا يملك الباب جاذبية رمزية تتجاوز ّ ّ ّ النتة ،ينخفض الصوت أو يرتفع ،تشتد الرقابة أو ن يلي التفاوض، مادته :عنده تتبدل الرسعة ،تتغت ر ر ً أعت" .الفيلسوف الفرنش باشالر كان يرى أن البيت ّ ّ يتكون ويتحول المش نفسه إىل ما يشبه اعتافا" :أنا ر ي ي يتكون من طوابق حجر ،وأن العتبات نف ّ من طبقات خيال بقدر ما ّ أي مكان ليست عنارص معمارية ثانوية ٍ ي ُ ن بل مفاصل شعورية تعيد ترتيب العالقة بي اإلنسان والفضاء (Bachelard, 1958).فإذا نقلنا هذه باب ليس مجرد اتجاه مدينة كاملة تصبح أبواب دمشق أشبه بمفاصل نفسية للمدينة :كل الفكرة إىل ٍ ٍ ً ّ ٌ ن ّ ر عت القرون ويبق "نصه" ثابتا :الحارس ،القافلة، اف ،بل مزاج ،وذاكرة ،ومشهد متكرر تتبدل أزياؤه ر جغر ي الراحل ،العائد ،الفاتح ،الهارب ،المتسول ،القديس ،الجندي ،الصديق الذي ينتظر. ً ً ُ لكن دمشق ال ن تكتق بفلسفة العتبة؛ إنها تضيف إىل الباب طبقة أعىل من الرمزية ،طبقة كونية تقيم صلة ي ً ن بي الحجر والسماء .ن يف المدونات الدمشقية الوسيطة نقرأ أخبارا عن بناء المدينة "عىل الكواكب السبعة"، ُ ّ ً ً ُ ّ تتحول بوابات المدينة إىل ما باب نسبا كوكبيا وصورة كانت تعلق عليه أو تنقش قربه ،بحيث وعن أن لكل ٍ ُ ّ ُ ُ ُ َّ يشبه خريطة سماوية مصغرة ،توضع عىل األرض لتفهم السماء ،أو تستدىع السماء لترسع األرض .هذه الرواية يوردها ابن عساكر ضمن أخبار بناء دمشق ،وفيها أن المدينة ُجعلت عىل الكواكب السبعة ،وأن ُ صور الكواكب كانت عىل األبواب ،وأن باب كيسان نسب إىل زحل ن يف تلك األخبار (ابن عساكر ،كما ن يف: القوص ،تاريـ ــخ مدينة دمشق) .ومهما كانت درجة التاريخية الحرفية لهذه التفاصيل ،فإن قيمتها هنا ال ي ّ ن تكمن ن يف أن نأخذها كحقيقة هندسية مؤكدة ،بل أن نقرأها كطريقة دمشقية قديمة لفهم معن المدينة :أن ٌ ّ عت " ن عت فتحة .ن حي تقول يتحول الدخول إليها إىل نظام رمزي يحرسها ،وأن يكون لها معن" ال ر عبور ر ٍ ٌ فه ال تتحدث عن الفلك بقدر ما تتحدث عن الرهبة ،عن الحاجة إىل أن مدينة عن أبوابها إنها كواكب ،ي ً ٌ ن الفوص اليومية. ترتيب أعىل من يبدو العالم قابال للقراءة ،وأن يكون للمدينة 2 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ٌ ر ميم وإذا انتقلنا من طبقة الرمز إىل طبقة التاريـ ــخ الصلب ،سنجد أن دمشق مدينة عاش فيها الزمن كت ٍ دائم .أقدم الشواهد المادية المرئية اليوم ألسوار دمشق وأبوابها تعود ـ كما تؤكد وثائق ر العالم ـ إىل التاث ي الحقبة الرومانية ،حيث ما يزال ٌ معتت من مخطط األسوار وبعض األبواب يحمل طابع تلك المرحلة، جزء ر ُ ر حن لو أعيد بناؤه أو ض ّم إىل عمران الحق (UNESCO, 2025).هذا مهم ألنه يضع أمامنا مفارقة دمشقية ر الن دقيقة :المدينة أقدم بكثت من آثارها المرئية .دمشق اآلرامية ،دمشق مملكة "آرام دمشق" ،دمشق ي ن ن ن كحارصة مزدهرة قبل أن يصلنا حجرها المحفوظ. نطيي ،كانت موجودة والبت سبقت اإلسكندر والرومان ً ُ ن ماديا من السور والبوابات ليس بالضورة أقدم ما وجد ،بل أقدم ما نجا .الفارق ن بي "األقدم" لكن ما يصلنا ّ ً ٌ ر بق قابال و"األقدم ا ي لمرئ" هو مكان خصب للكتابة ،ألنه يعلمنا أن التاريـ ــخ ليس ما حدث فقط ،بل ما ي للعثور عليه. ن ن شبكة واضحة ،ومحورها األشهر "الشارع الرومائ أخذت دمشق شكل المدينة المخططة عىل يف العهد ٍ ي ً ً الكتى عند نهاياته كأنها نقطتا المستقيم" VIA RECTTAالذي يشق المدينة شقا وغربا ،وتقوم األبواب ر ّ تنفس للمدينة ،ال نقطتا خروج فقط .دراسات حديثة عن الشارع المستقيم تؤكد أن باب ش ر يف هو أقدم بناء ّبوائ قائم نف دمشق ،وأنه يقع نف موضع كان ُي ّ سم "باب الشمس" ،نف عالقة واضحة ن بي االتجاه ي ي ي ري (الرسق) والرمز (الشمس) والوظيفة (بوابة الشارع األعظم) ( research paper (Nylund, 2016).هذه ً ً ً ً جماليا ،بل ٌ جزء من عقل المدينة :الرومان لم يبنوا بوابة وحسب ،بل بنوا نظاما العالقة ليست تفصيال ً ُّ للحركة ،والبوابة ه العقدة ر الن تشد هذا النظام من طرفه .ومن هنا نفهم لماذا يبدو باب ش ر يف مختلفا ي ي ً ن ُ ر كآلة حن اآلن :ليس ألنه أقدم من غته فقط ،بل ألنه و ِلد أصال يف قلب مخطط ر إمتاطوري يرى المدينة ٍ ٍ ٌ مدنية :شارع ،أعمدة ،تقاطعات ،وبوابات ّ الكتى. تتوج المحاور ر ر ن لتلغ الرومانية بل لتعيد استخدامها وتعيد تأويلها .ن ن بتنطة ورثت المدينة ثم ي تأئ الحقبة البتنطية ال ي الرومانية ولم تبدأ من فراغ :حافظت عىل شبكتها األساسية ،وأعادت ترتيب قدسيتها حول الكنائس ً أيضا عنارص نف حياة المدينة الدينية واالجتماعية .هنا تصبح البوابة ر أكت والطقوس ،وصارت األبواب ي ً ً ً ً تعقيدا :ليست حدودا دفاعية فقط ،بل أيضا حدودا للطقس ،للموكب ،للزيارة ،للموضع الذي يعلن فيه القادم عن نفسه .ن أكت من اسم نف ر وف مثل هذه المدن ،يمكن لباب أن يحمل ر أكت من عض ،ألن االسم ٍ ي ي ً نفسه يصبح وثيقة :كل تسمية ه ٌ ختم حضاري عىل الحجر .لهذا نجد ن يف دمشق أبوابا بأسماء ي ُ مكانيةوأخرى بأسماء جنائزية أو فردوسية أو توصيفية ،كأن المدينة توزع مشاعرها عىل منافذها يك ال تنفجر ن يف الداخل. ً ً ً ً ً لكن ما الذي يجعل الباب يستحق كتابا ن يف أدب الرحلة ،ال كتابا أثريا أو تاريخيا محضا؟ ألن الباب هو ن يختن الزمن كطبقات ترميم ،أما ن يف الباب فهو المكان الذي يتجسد فيه التاريـ ــخ كفعل مباش .يف السور ر ٍ ن يظهر كحدث ومواجهة .ن نستدىع مشهد فتح دمشق يف المصادر اإلسالمية نلتى كيف يصبح يكق أن ٍ ي ي ً ّ ن لمعن األبواب نفسها .ابن كثت يروي تفاصيل الحصار ويذكر توزع القادة عىل توزيـ ــع الجيوش توزيعا ر ن ن األبواب ،ن ن فيتل خالد بن الوليد عند الباب الرس يف ،ويتل أبو عبيدة بن الجراح عند باب الجابية ،وتتوزع ً ُ ُ ً ً مدخال ،ر حن تنفك بقية القوى عىل بقية المنافذ ،كأن المدينة ال تفتح دفعة واحدة بل تقاس بوابيا ،مدخال ر ُ ن الن نسبت إىل ابن عساكر ،يتكثف المشهد عقدة السور (ابن كثت ،تاريـ ــخ مدينة دمشق) .ي وف الروايات ي 3 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ً ً ٌ ن ٌ ر ٌ شائكا عن ن معن الفتح نفسه: أكت: لقاء يف الداخل يفرض سؤاال اقتحام عند باب ،ثم تفاوض عند باب، ً ن ن صلحا أم ُعنوة؟ ُّ وفلسق يف وقت سياس سؤال هذا الجديد؟ تعريفها المدينة يعط باب أي هل كان ٍ ي ي ي ُ ُ واحد :ألن الباب الذي يفتح بالقوة ال يشبه الباب الذي يفتح بالتفاوض ،ر حن لو دخل الناس من كليهما إىل المدينة ذاتها. ُ هذه الرحلة ليست حول "كم باب لدمشق" فقط ،بل حول ن معن أن ترى المدينة من عتباتها .أنت تكتب ٍ ُ ن كصفحة يف باب دمشق كما تكتب الكتب القديمة :من ٍ الحواس ،من الفواصل ،من أماكن التماس .كل ٍ ي ن نص الحجر الذي يروي عضه المعماريّ ، وف كل صفحة ستجد ثالثة نصوص رتتاكبّ : نص تاريـ ـ ٍـخ طويل ،ي ّ الحدث الذي ّ ونص المخيال الذي يربطه بالكواكب وباألسماء عته كجيش أو قافلة أو جنازة أو موكب، يمر ر ً ر الن تجعل من دمشق مدينة "مقروءة" ال "مبنية" فقط .ن وبي هذه النصوص المتعددة وبالحكايات ي ر الن تناولت فكرة سياج ستظهر وظيفة السور نفسها :ليس مجرد خوف ،بل جهاز ذاكرة .الدراسات ي ٍ ً ّ األسوار نف دمشق تؤكد أن الحدود المادية كانت دائما مرتبطة بحدود رمزية؛ وأن ن المسورة" معن "المدينة ي ن يتجاوز الدفاع ليصل إىل تشكيل الهوية ،وكيف يرى الناس أنفسهم كأهل "داخل" يف مواجهة "خارج" ً يتحول ّ بتغت السياسة والحرب (Halabi, 2017).لهذا ر ّ حيا ر حن ن حي يتآكل :ألنه ال يعيش يبق السور كحجر فقط ،بل كعادة نظر. )* Halabi, Nour (2017 “The Ancient Walls of Damascus and the Siege of Mouaddamiyya: Bounded Space, Cultural Memory, and Urban ”Identity Space and Culture, Vol. 20, No. 4, pp. 441–453. شاهد مادي قائم يمكن رصده أما سؤال أقدم إشارة لبناء الباب فهو سؤال ُيلزمنا بالدقة :إذا قصدنا أقدم ٍ ن الرومائ ،وباب ش ر يف هو المثال األقوى لكونه يحتفظ بعنارص معمارية ودرسه ،فاألرجح أنه من العض ي ً رومانية واضحة ومرتبطا بمحور الشارع المستقيم (Nylund, 2016؛ UNESCO, 2025).وإذا قصدنا أقدم إشارة نصية لوجود سور/بوابات نف دمشق قبل ذلك ،فالنصوص القديمة ّ تلمح إىل تحصينات ً ي ً ً ن لباب بعينه ،وهو أمر مألوف يف مدن الرسق القديم حيث تفصيليا معماريا وصفا المدينة دون أن تمنحنا ً ٍ ً ُ ر ن والمرئ: ام ي تذكر األسوار كعالمة سيادة وقوة أكت من كونها وصفا تقنيا .هنا تظهر فجوة خصبة بي اآلر ي حارصة كقوة سياسية وثقافية ،غت أن مادتها ّ دمشق اآلرامية ن البوابية ال تصلنا بالوضوح نفسه الذي وصلت ّ ً به مادتها الرومانية .هذا الغياب ال يشكل نقصا ن يف الرسد ،بل يفتح طبقة أعمق من القراءة ،إذ يسمح بتتبع ُ ً ر ماديا تظل ن ر حارصة بوصفها احتماالت الن لم تصلنا ما فقد بقدر ما بق .فاألبواب ي يسمح بتفكيك ما ي ُ ّ المتحول ،بحيث يصبح تاريخية ،ومواضع أعيدت تسميتها أو أعيد بناؤها أو ذابت ن يف نسيج المدينة ً ً الغياب نفسه جزءا من تاريـ ــخ العمران ،ال فراغا فيه. ٌّ ِّ يولد ن معن بهذه الروح يبدأ المسار من السور ،ال بوصفه بداية تاريخية بقدر ما هو بداية فلسفية :حد ِّ يولد شكلها .ثم ر تأئ األبواب ،ال ألن الباب أهم من السور ،بل ألن الباب هو اللحظة ر الن المدينة قبل أن ي ًي ً ً ً ن َّ ن ينفتح فيها المعن عىل العالم .يف دمشق ال يدخل العالم مدينة محايدة ،بل مدينة مفرسة سلفا ،مدينة 4 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ً ن ً ّ فتيائيا حولت عتباتها إىل أرشيف ،ومنافذها إىل أبجدية حجرية .فالحركة نحو الباب ليست عبورا ن ن ر عت تاريخها الطويل ،ن بي الن وازنت بها ،ر فحسب ،بل قراءة يف كيفية رؤية المدينة لنفسها ،ي وف الطريقة ي بي الوظيفة والرمز ،ن الخوف والحلم ،ن وبي السياسة والسماء.المراجع وفق هارفارد Bachelard, G. (1958) La Poétique de l’espace. Paris: Presses Universitaires de France. Halabi, N. (2017) ‘The Ancient Walls of Damascus and the Siege of Mouaddamiyya: A Historical and Spatial Analysis of Bounded Place and Cultural Identity’, Space and Culture, 20(4), pp. 441–453. ( Ibn Kathirبدون تاريـ ــخ عىل نسخة الموقع) ‘كتاب الصلح إىل أهل دمشق’ ضمن البداية والنهاية ،متاح عت مكتبة إسالم ويب. ر Nylund, J.H. (2016) ‘Straight Street (in Damascus)’. Lund University (PDF). UNESCO (2025) ‘Ancient City of Damascus’. World Heritage Centre. van Gennep, A. (1909) Les Rites de Passage. Paris: Émile Nourry. القوص ،نبيلة (بدون تاريـ ــخ نرس واضح عىل الموقع) ‘سور دمشق القديم وأبوابها’ ،موقع نسيم الشام، ً ي ناقال عن ابن عساكر ن يف أخبار بناء دمشق واألبواب والكواكب. 5 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ن المعب :الجهات والكواكب ن يف أبواب دمشق: هندسة ن ن األدئ ،عىل ر أكت من منطق واحد .فإىل جانب ن الضورات الدفاعية تقوم المدن القديمة ،يف مخيال الرسق ٍ ن ٌ واالقتصادية ،ثمة نظام غت مرئ كان ّ نظام يرى نف الجهة ن وف يوجه بناء المدينة وتسمية أجزائها، معن ،ي ي ي ُ ً ً ن ن الكوئ .ضمن هذا األفق ،ال تفهم أبواب االنضباط أشكال من شكال الفضاء وف الحركة داخل االتجاه قدرا، ي ي ُ ً ن دمشق وسورها بوصفها حلوال معمارية فحسب ،بل بوصفها عنارص يف منظومة رمزية أوسع ،تخضع عت شبكة من العالمات والدالالت. يقاع أعىل منه ،وتربط األرض بالسماء ر الحجر إل ٍ ن يف ثقافات الرسق القديم ،لم تكن الجهات األربــع متكافئة .الرسق هو جهة الرسوق والبداية والبعث، والغرب جهة الغروب واالنطفاء والنهاية ،والشمال ّ والتد والمجهول ،والجنوب موضع الدفء مقر الرياح ر وف الفكر اآلرام ،ن حارص نف النصوص المسمارية ،ن والخصب واالستقرار .هذا ر التاتب الجهوي ن وف ي ي ي ي ً ً ن ر والرومائ عىل السواء ،حيث لم يكن اختيار المحاور والبوابات اعتباطيا ،بل خاضعا الهيلنسن التخطيط ي ي ً ّ ن ر ّ كوئ يرى المدينة صورة مصغرة عن العالم (Sauvaget, 1934).من هنا ،يصبح الباب أكت من لتصو ٍر ي بي الفضاء المفتوح والنظام الداخىل ،ن بي الجهة ومعناها ،ن فتحة نف السور :إنه نقطة تماس ن بي ما ُيخش ي ي وما ُيحتوى. ً ّ عت عصور متعاقبة .فالمدينة دمشق ،بوصفها مدينة ذات استمرارية استثنائية ،حملت هذا التصور ر ً ً اآلرامية ر الن قامت عاصمة لمملكة قوية ن يف األلف األول قبل الميالد كانت جزءا من عالم يرى العمران ي ً ً امتدادا للسلطة والطقس معا .ورغم أن المادة المعمارية اآلرامية ألسوار دمشق وأبوابها لم تصلنا بشكل ً ّ محصنة ومركز حكم ،ر يفتض مباش ،فإن حضور المدينة ن يف النصوص اآلشورية واآلرامية ،بوصفها مدينة وجود منظومة ّبوابية تؤدي وظيفة سياسية ورمزية ن يف آن (Burns, 2005).غياب الشاهد المادي هنا ال ً ً ُ تبق بنيتها الرمزية ر انيا مع كل عض ،فيما ر ن أكت ثباتا يلغ الفكرة ،بل يؤكد أن المدينة كانت تعاد كتابتها عمر ي من حجارتها. ُ ً ً ن ن ر ائ الواضح ،حيث ترسم الهيلنسن ثم مع العض الرومائ ،تدخل دمشق طورا جديدا من التنظيم العمر ي ي ي ُ المدينة عىل شبكة محاور متقاطعة ،ويعط الشارع المستقيم دور العمود الفقري ،وتنشأ األبواب عند ن يلغ التصورات السابقة ،بل يعيد صياغتها بلغة نهاياته كعالمات سيادة وانتظام .هذا التخطيط ال ي ر المنته بباب ش ر يف من جهة وببوابة غربية من الجهة المقابلة ،يعيد الغرئ، ر ي إمتاطورية .فالمحور الرس يف– ر ي ن ن ّ ّ كوئ– فعل مكرس ضمن نظام ي إنتاج ثنائية الرسوق والغروب يف قلب المدينة ،ويحول الحركة اليومية إىل ٍ ن سياس (Burns, 2005).هنا يصبح الباب أداة ضبط للحركة ،لكنه يحتفظ يف الوقت نفسه بعمقه ي الرمزي القديم. 6 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها نف هذا السياق ،تكتسب الروايات ر الن تتحدث عن بناء دمشق عىل الكواكب السبعة أهمية خاصة ،ال ي ي ً ً ً ً وىع رمزي بالعمران .يورد ابن عساكر ن يف تاري ــخ مدينة عن ا تعبت بوصفها بل ، حرفيا هندسيا وصفا بوصفها ٍي ُ ّ ُ ً صور كانت تنقش أو تعلق عليها ،بما يجعل المدينة دمشق أخبارا عن نسب األبواب إىل الكواكب ،وعن ٍ ً ً ه محروسة ماديا بالسور (ابن عساكر ،دون تاريـ ــخ) .الكوكب هنا ليس محروسة رمزيا من السماء كما ي ً ً ً ً ِّ ن العلم الحديث ،بل قوة منظمة ،حارسا زمنيا ،وإشارة إىل أن المدينة ال تعيش خارج بالمعن جسما فلكيا ي الكون ،بل داخله. ُ ن هذا الربط ن بي الباب والكوكب يجد له أصداء يف ثقافات أخرى معارصة أو أقدم ،حيث تربط األيام ُ َّ ن ن ّ بالكواكب ،وتوزع الوظائف واألقدار وفق هذا النسق. تتحول هذه وف دمشق ،كما يف مدن شقية أخرى، ي ُ حن وإن تالس تمثيلها المادي .فاألسماء ر األفكار إىل جزء من الذاكرة المدينية ،ر تبق ،والروايات تعاد صياغتها ،والباب يستمر بوصفه عالمة عىل ن معن أوسع من وظيفته الدفاعية. ن تختق هذه البنية ،بل تتداخل مع ّ ّ ن تصورات مسيحية جديدة للمدينة والجهة. نط ،ال ي ومع التحول البت ي ُ فالرسق ،بوصفه موضع النور والقيامة ،يكتسب كثافة إضافية ،وتعاد قراءة األبواب ضمن شبكة من ن المعائ الطقسية والموكبـية .األبواب تصبح نقاط عبور للطقس كما للجسد ،وتدخل ن يف حياة المدينة ي ً ّ مقدسة بقدر ما ه حدود سياسية (Sauvaget, 1934).هذه الطبقة ن البتنطية اليومية بوصفها حدودا ي ً ُ ُ ر ن ستتك أثرها الحقا ن يف التقاليد اإلسالمية المدينية ،حيث ال يلغ ما سبق بل يعاد تأويله. ً من هنا ،يمكن فهم أبواب دمشق بوصفها نظاما قبل أن تكون مفردات منفصلة .كل باب يؤدي وظيفته ً داخل ٍّ كل متكامل ،وكل تسمية تحمل أثرا من زمنها ،وكل جهة تفتح عىل مخيال خاص بها .إن االنتقال من ّ ن ر ن المعن. وحي الن يتكثف عندها السور إىل األبواب هو انتقال من اإلطار إىل المفصل ،من الكل إىل النقطة ي ُ ً ً تغ حدودها، تبدأ قراءة األبواب واحدا واحدا ،فإنها تقرأ بوصفها تجليات مختلفة لمنطق واحد :مدينة ي ٍ ّ وتحول هذه الحدود إىل لغة. المراجع (هارفارد) Burns, R. (2005) Damascus: A History. London: Routledge. ( Ibn ʿAsākir, ʿAlī ibn al-Ḥasanدون تاريـ ــخ) Tārīkh Madīnat Dimashq. Beirut: Dār al- Fikr. Sauvaget, J. (1934) Esquisse d’une histoire de la ville de Damas. Paris: Librairie orientaliste Paul Geuthner. 7 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ُس ُ ور دمشق :الجدار. ً ً ٌ ُ ٌ ٌ تتكون كما ّ دفعة واحدة ،بل ّ آثار تمىح جزئيا ،وحدود تتكون الذاكرة :طبقات رتتاكم، ال تظهر المدن العتيقة ّ .ن ُيعاد رسمها كلما ّ ن تغت معن الخطر أو تبدل تعريف الداخل والخارج يف هذا السياق ،ال يمكن النظر إىل سور ّ النص األقدم الذي كتبت به المدينة عالقتها بالعالم. دمشق بوصفه بنية دفاعية فحسب ،بل بوصفه ّ ً ترسيم فالسور ،قبل أن يكون جدارا ،هو إعالن :هنا تبدأ المدينة ،وهنا يتوقف االمتداد المفتوح .هو فعل ٍ ن تحصي. رمزي بقدر ما هو فعل ن باق ألسوارها. تحصي دمشق أقدم من أقدم تشت المصادر التاريخية واألثرية إىل أن فكرة ٍ شاهد مادي ٍ ً ن ّ ر الن قامت عاصمة لمملكة قوية يف القرن التاسع قبل الميالد ،ال يمكن تخيلها خارج فدمشق اآلرامية ،ي ً ُ ن ن الن كانت ت ّ األدئ ر ن عرف قوتها من خالل أسوارها قبل التحصي ،خصوصا يف سياق مدن الرسق منطق ي ً جيوشها .غت أن المادة اآلرامية للسور لم تصلنا ،ال ألن السور لم يكن موجودا ،بل ألن المدينة خضعت، ن الحي ،لسلسلة من عمليات الهدم وإعادة البناء جعلت الحجر األقدم يذوب ن يف األحدث .هنا منذ ذلك ً ً ّ ن ن يعن أن المدينة اختارت أن تعيد يعن أنه لم يكن ،بل ي يتقدم الغياب بوصفه دليال سلبيا :ما لم يبق ال ي كتابة نفسها بالحجر الجديد (Burns, 2005). ُ ن الرومائ ،ن مخطط حي أعيد تنظيم المدينة وفق أقدم األجزاء المرئية من سور دمشق تعود إىل العض ٍ ي ً ن ن شبك واضحُ ، الرومائ لم يكن مجرد حزام ائ الجديد .هذا السور ُي وجعل السور إطارا لهذا النظام العمر ي ي ً ضا من عنارص المدينة القانونية والسياسية؛ فحدود المدينة كانت ت ّ عرف من خالله، دفاىع ،بل عن ُ ي عت بوابات محددة بدقة .الدراسات الكالسيكية عن دمشق تشت إىل أن الرومان وتضبط الحركة إليه ومنه ر أعادوا بناء السور عىل مسار أقدم ،مع توسيعه وتدعيمه باألبراج ،ما يدل عىل استمرارية موضع السور ر حن ٍ مع ّ تغت مادته(Sauvaget, 1934). ً جذريا ،بل ّ ّ التحول ن تغتت وظائفه الرمزية .فالمدينة المسيحية ،ر الن نط ،لم يتغت منطق السور البت مع ي ي ً أعادت توزيـ ــع قدسيتها حول الكنائس والطقوس ،احتفظت بالسور كعنض حماية ،لكنها أضافت إليه بعدا ً ُ ّ ّ ً ّ والمدنس ،ن حد ًا ن بي الداخل الذي تقام فيه الشعائر ،والخارج الذي بي المقدس طقسيا :السور أصبح أيضا ّ متقلبة .هذا البعد يظهر نف النصوص ر الن تصف مواكب الدخول ُيدار بعالقات سياسية وعسكرية ي ي ن وف الدور الذي لعبته األبواب كأماكن إعالن واحتفال وحداد(Sauvaget, 1934). والخروج ،ي ً اإلسالم ،يدخل السور مرحلة جديدة من حياته ،ال بوصفه إرثا يجب هدمه ،بل ومع دخول العض ي ً ُ ّ ر لغ السور ،بل بوصفه بنية قابلة إلعادة التأويل .فالدولة اإلسالمية الناشئة ،ي الن ورثت مدينة مسورة ،لم ت ِ 8 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ً ن أعادت استخدامه ،وأضافت إليهّ ، ورممته عند الحاجة .يف المصادر اإلسالمية المبكرةُ ،يذكر السور دائما ُ ُ ُ بوصفه حقيقة قائمة ،تدار عندها المعارك ،وتعقد عندها الصلحيات ،وتقاس بها قوة المدينة .ابن كثت، نف البداية والنهاية ،ن حي يروي حصار دمشق وفتحها ،ال يصف السور بوصفه خلفية صامتة ،بل بوصفه ي ً ً ن ن : عنضا فاعال يف الحدث عنده تتوزع الجيوش ،وعنده تتفاوت أشكال الدخول ،ومن خالله يتحدد معن ً ُ الفتح ذاته ،صلحا كان أم عنوة (ابن كثت ،دون تاريـ ــخ). ً ن أما ابن عساكر ،يف تاري ــخ مدينة دمشق ،فيمنح السور بعدا آخر ،إذ يربطه برسديات أقدم عن بناء المدينة ن ُ ن ر كوئ ،تنسب فيه الن يوردها عن بناء دمشق ،يظهر السور كجزء من نظام ي فق ُاألخبار ي وحراستها الرمزية .ي األبواب إىل الكواكب ،وتفهم المدينة بوصفها محاطة بحراسة تتجاوز الحجر والسالح (ابن عساكر ،دون مدين يرى نف السور ر ن ن أكت وىع تاريـ ــخ) .هذه الروايات ،مهما اختلفت درجات توثيقها ي ي ي التاريىح ،تكشف عن ٍي ً ن ه مادية. من جدار :يراه حدا ذا معن ،وطبقة حماية رمزية بقدر ما ي ً عت القرون الالحقة ،خضع سور دمشق لعمليات ترميم وتعديل متكررة ،خصوصا ن يف العصور األيوبية ر ُ ّ ّ ّ ُ ن التحصي .أضيفت أبراج ،ورممت والمملوكية والعثمانية ،حيث تغتت تقنيات الحرب وتبدلت الحاجة إىل ُ وأهملت أجزاء أخرى .ومع ذلك ،لم يفقد السور مكانته ن ر ن ن المدين .حن حي بدأت المخيال ف مقاطع، ي ً ي ًّ ّ ن الجمغ ،حدا تاريخيا يفصل الوىع المدينة الحديثة تتمدد خارج أسوارها ،ظل السور عالمة فاصلة يف ي ي ً ُ “المدينة” عن “االمتداد” ،ومرجعا تقاس به أصالة المكان وانتماؤه. المعن ،يصبح السور جهاز ذاكرة بامتياز .هو يحتفظ بآثار الحصار ،وبندوب ر ن التميم ،وبعالمات ن يف هذا يعن موته الرمزي؛ فالسور يستمر بوصفه عادة نظر ،طريقة نف ّ ن ن تخيل ي العصور المتعاقبة .تآكله الفت ي يائ ال ي ر الن تناولت مفهوم األسوار ن يف دمشق ترى أن هذه البنية المادية المدينة وحدودها .الدراسات الحديثة ي ذهنُ ،يعاد إنتاجه ر ن ّ عت الزمن ،إىل نموذج ن عت تخطيطات حن يف غياب الجدار نفسه ،سواء ر تحولت ،ر ي عت حدود غت مرئية تفرضها السياسة والحرب(Burns, 2005). إدارية ،أو ر ً ن الماص فقط ،بل بوصفه بنية ن ن حارصة ن يف طريقة فهم المعن ،ال ُيقرأ سور دمشق بوصفه أثرا من بهذا ي ن يعط للعبور ثقله ،وللدخول رهبة، والمعن الذي المدينة لنفسها .إنه اإلطار الذي يجعل األبواب ممكنة، ي ً ً ر وللخروج ن األكت ثباتا ن يف معن الفقد أو المغامرة .من هذا الجدار تبدأ الحكاية ،ال ألنه األقدم زمنا ،بل ألنه ن المدين. الوىع تشكيل ي ي المراجع (هارفارد) Burns, R. (2005) Damascus: A History. London: Routledge. ( Ibn Kathir, Ismāʿīl ibn ʿUmarدون تاري ـ ـخ) Al-Bidāya wa al-Nihāya. Beirut: Dār al-Fikr. ( Ibn ʿAsākir, ʿAlī ibn al-Ḥasanدون تاريـ ــخ) Tārīkh Madīnat Dimashq. Beirut: Dār al- Fikr. Sauvaget, J. (1934) Esquisse d’une histoire de la ville de Damas. Paris: Librairie orientaliste Paul Geuthner. 9 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها السور :مادة دمشق وحدودها غت المرسومة. ً ّ ً ُ ً ن السور الذي ّ يطوق دمشق القديمة ليس خطا واحدا متجانسا يمكن قياسه كما تقاس األسوار النموذجية يف ّ ً ٌ ن كيان مركب ،عاش قرونا من التفكيك وإعادة البناء والتبديل ،ر ن حن صار يف مواضع التحصي ،بل كتب ً ً ن يختق كثتة جزءا من نسيج السكن واألسواق ،وليس كتلة منعزلة قائمة بذاتها .ولهذا يبدو اليوم كأنه ًي ً ن كظهر باب أو برج ،ثم يبتلعه العمران بعد أمتار ،ثم يعود ثانية مقطع مكشوف قرب ويظهر :يظهر فجأة يف ٍ ٍ ٍ ً ً ّ ٍّ ّ مدينة ال تتوقف عن يطل من خلف البيوت .هذا التقطع ليس عرضا طارئا ،بل نتيجة طبيعية لـ حجري ٍ ً ً ّ ّ عت القرون إىل ما يشبه مقلعا مفتوحا إلعادة توظيف موادها نفسها استعمال حجارتها ،إذ تحولت دمشق ر ن يف الطبقات المتعاقبة من البناء(Mouton, 2010, Les portes et la muraille de Damas). تتبع المسار العام أن السور كما ّ الن أعادت ّ التقرين ،تذكر الدراسات الحديثة ر يطوق من جهة الطول ي ري ً ً ر المدينة القديمة اليوم يمكن ّ تتبعه عىل امتداد يقارب أربعة كيلومتات ونصف تقريبا ،أي ما يوازي محيطا ً ً ً دفاعيا واسعا نسبيا بالنسبة لمدينة داخل الواحة (Mouton, 2010, Les portes et la muraille de ن يلغ حقيقة أن للسور تاريـ ــخ مخطط ال يقل أهمية عن تاريـ ــخ الحجر نفسه: Damas).لكن هذا الرقم ال ي ً فالباحثون الذين درسوا المرحلة القديمة ر ّ رباىع األضالع ن يف بعض أطوار العصور يقتحون هيئة أقرب إىل ي ًّ ً ً ً ً ر ً ر ً ً تقريبيا وه أبعاد تنتج محيطا اإلمتاطورية، ر بأبعاد ُتقارب 1330متا شقا-غربا و 855متا شماال-جنوبا ،ي ر ً يناهز 4370متا إذا أخذت كهيئة هندسية صافية (Mouton, Guilhot & Piaton, 2012, Nouvelles interprétations sur le tracé et la chronologie de l’enceinte de Damas). ّ ن توح به قراءة المسار الوسيط/المتأخر ،تتقدم فكرة أساسية :السور الرباىع والبيضاوي الذي وبي ي الشكل ً ي ً ٌ حدود ّ تغتها السياسة والحرب والتقنية وطبائع نمو المدينة. ليس رسما ثابتا ،بل (Mouton, 2010, Les portes et la muraille de Damas). ً ً ً واحدا نف كل مكان ،لكنها تدور نف المقاطع المدروسة حول ر متين تقريبا ،وهو ما أما السماكة ،فليست رقما ي ي ن ن نط؛ إذ ُتؤكده قراءات الحجر يف مواضع متعددة من السور الوسيط الذي ًأعاد استعمال قاعدة السور البت ي توصف االرتفاعات/الواجهات المتأخرة بأنها تبلغ نحو ر متين سماكة ،مع اعتماد واضح عىل بازلت حوران، ً ً تماما من الخارج ،بحيث ر تبق الواجهة الخشنة جزءا وبمداميك عالية (نحو 0.30م) من كتل غت مشذبة الدفاىع (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020, Portes et murailles de من لغة البناء ي ن وف بعض األبواب تظهر Chapitre II). Damas de l’Antiquité aux premiers mamlouks,ي ً ن قياسات ر أكت تحديدا :فواجهة باب الجابية – يف القراءة المعمارية – تقوم عىل جدار سماكته نحو 2.20م، ً مع تفاصيل إنشائية دقيقة فوق الفتحة ،ومع بقايا دعائم كانت تحمل برتشة دفاعية(Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020, Portes et murailles…, Chapitre III). ٌ بابا أو فتحة نف السور ،يكون عىل هيئة ّ حجري دفاىع يعلو ً ر ّ منصة أو ائ ُيقصد به بروز التتشة مصطلح ر معماري–عسكري تر ي ي ي ُ ً ّ ن عت إلقاء المقذوفات أو السوائل الحارة عموديا عىل شفة صغتة بارزة ،تستخدم لمراقبة الداخلي وللدفاع عن المدخل ر 10 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ن ً ن وف سياق باب الجابية تشت بقايا المهاجمي ،وغالبا ما تكون محمولة عىل دعائم أو كوابيل حجرية وتحتوي فتحات سفلية ،ي ً ن تحصي المدخل ،بما ينسجم مع سماكة الجدار وطبيعة الدفاىع الذي كان جزءا من منظومة التوز الدعائم إىل وجود هذا ر ي العمارة العسكرية للمدينة التاريخية. التبة حوله ارتفعت بفعل الردم ر متحول بحسب موضع السور وبحسب ما إذا كانت ر ّ المتاكم االرتفاع بدوره ً ً عت القرون ،أو انخفضت بفعل حفريات أو كشف أثري .ومع ذلك تمنح بعض المقاطع رقما قريبا من "ارتفاع ر ر ُ ن ر الدفاىع المتأخر :قرب باب ش يف توصف كتلة جدارية بسماكة تقارب متين وارتفاع عمىل" للسور يف عضه ي ي ر ً ن قائم يصل إىل نحو 13متا يف حالتها المرصودة ،مع بقايا منظومة دفاعية كانت متعددة المستويات (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020, Portes et murailles…, Chapitre III). ً ً ن ً ر نظاما مزدوجا الن يوردها تلخيص مرسوع "األسوار واألبواب" تظهر أيضا صورة السور بوصفه ي وف الرواية ي نف لحظة متأخرة :تذكر بعض أوصاف ّ الغربيي نف القر ن ن ني السادس عرس والسابع عرس وجود سورين الرحالة ي ي ن للداخىل (Mouton, الخارح ونحو 8م متقاربي يفصل بينهما أمتار قليلة ،مع ارتفاع يقارب 7.5م للسور ر ي ي ن ن الرقمي يلخصان كل العصور، يعن أن هذين de Damas). 2010, Les portes ً et la murailleهذا ال ي ً ً ن يضء "خياال دفاعيا" متأخرا حاول تعويض ضعف الخط الواحد بتكثت العتبات. لكنه ي ا ً أصيًل ً ً ً بي السورين – ن المساحة ن دفاعيا دائما ن يف تخطيط السور ،بل حًل عنضا حي تظهر ن يف دمشق – ليست ً متأخرا يظهر نف لحظات ضغط ن أمن أو شعور بالهشاشة .ن يف تلك الحاالت ،ال ُيستبدل السور القديم ،بل ي ي ّ ً ُ رُ ّ ُ اختق نسبيا ،تستخدم كمجال امتصاص :إن ثان قريب منه ،فتتشكل منطقة فاصلة ضيقة يضاعف بخط ٍ ن ُ للرم والمراقبة .هذا السور ر ي الخارح ال يصل المهاجم مباشة إىل المدينة ،بل يحتجز يف فراغ مكشوف قابل ي حارصا فن ن ً متكررا عىل امتداد سور دمشق كله وال ن ً النمط معروف يف العمارة العسكرية الوسيطة ،لكنه ليس ي كل العصور؛ بل تشت أوصاف بعض ّ الرحالة نف القر ن ني السادس عرس والسابع عرس ،كما يقرأها موتون ،إىل ي غالبا حيث ضعفت التحصينات القديمة أو ّ ظهوره نف مقاطع محددةً ، تغت منسوب التهديد .األهم أن هذا ي تحول ن بي السورين” ال ُيفهم كمكان مستقل ،بل كعالمة عىل ّ “الفراغ ن الدفاىع :انتقال من منطق التفكت ف ي ي ن ن الجدار الواحد القاطع إىل منطق العتبات المتعددة ،أي دفاع يقوم عىل التأخت واالستتاف ال عىل المنع المطلق .ن يف دمشق ،إذن ،هو ظاهرة ظرفية ال بنية ثابتة ،ويكسب داللته من ندرته ال من تكراره ،بوصفه أثر تاريىح ر ن أكت منه قاعدة تخطيطية. قلق ي بحسب ما يمكن استخالصه من أوصاف ّ الرحالة المتأخرين وقراءة ،Jean-Michel Moutonفإن المساحة ن الشماىل– بي السورين ن يف دمشق لم تكن عامة وال دائرية حول المدينة ،بل ظهرت عىل األرجح ن يف القطاع ي ن الشماىل الغرئ من السور ،أي نف المقطع األقرب إىل القلعة ن الملغ، وبي محيط باب الفرج وباب النض ي ري ي حيث كانت التحصينات ر أكت عرضة للتعديل وإعادة البناء ن يف العصور األيوبية والمملوكية ثم العثمانية .هذا ً القطاع تحديدا شهد كثافة ن يف األبراج ،وإعادة تنظيم للمدخالت ،ومحاوالت لتعويض ضعف الخط الواحد، ن منطقيا هناك ر ً ما يجعل قيام سور ثان قريب ً الرومائ عىل أكت من الرسق أو الجنوب حيث حافظ السور أمرا ٍ ي ً ً ن ً ن استمرارية أوضح .لذلك فـ«بي السورين» يف دمشق ليس موقعا واحدا ثابتا يمكن رسمه بدقة عىل مخطط الدفاىع للمدينة ،تظهر حيث ضغط الخطر وتكاثفت التدخالت، شامل ،بل حالة موضعية مرتبطة بالشمال ي ن تختق مع زوال دوافعها. ثم ي 11 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ُ ن ن بنية الحجر يف سور دمشق شديدة الداللة ،ألنها تظهر كيف يشتغل الزمن داخل الجدار نفسه .يف مقاطع ُ ً خليطا من كتل كبتة قديمة ) (spoliaأعيد استعمالها كمداميك تأسيسية ،فوقها ٌ بناء كثتة تبدو القاعدة ً ُ ً ً أصغر حجرا وأقرب إىل "الحجارة الركامية/المو ِيلن" مع البازلت خصوصا .قرب "باب صغت" ،ترى مثال ن مقاطع من السور بارتفاع يقارب خمسة أمتار من كتل ضخمة قديمة أعيد توظيفها ،بينما تظهر يف موضع قري ب واجهة من البازلت فوق تأسيس من كتل أقدم (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020, ن Portes et murailles…, Chapitre III).هذا ر التاكب ليس مجرد اقتصاد يف المواد ،بل شهادة عىل أن عض كان يكتب سوره بالحروف المتاحة :الحجر القديم يتحول إىل ذاكرة حاملة لحجر جديد. كل ٍ ً ً ن يختق وأين يظهر ،فاألدق أنها مسألة اندماج ال اختفاء .السور اليوم ليس خطا مكشوفا بالتمام، أما مسألة أين ي ً ً ر ألن البناء التصق به من الداخل والخارج ،وأحيانا ارتق فوقه أو ع رت عىل األبواب نفسها ،فصار جزءا من ً ً ً مساكن خاصة ومنشآت ملحقة .هذا االندماج جعل قراءة ال ُسور معماريا عمال شاقا ،ألن الدليل الحجري ً متداخال مع سكن ّ ح ال يزال يتنفس ويستعمل الفضاء حوله (Mouton, 2010, Les portes et la صار ي ن ّ muraille de Damas).ومع ذلك تشت الدراسات إىل أن خط السور يمكن تتبعه اليوم ،يف بعض مقاطع ً ً الجنوب خصوصا ،من باب الجابية إىل باب توما عىل امتداد يمكن مالحظته ميدانيا ن يف أجزاء متعددة (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020, Portes et murailles…, Chapitre II).ووجود هذا ً تماما لصالح العمران ،بل ن ّ ن اكتق بأن يصبح طيةضمن المدينة. يعن أن السور لم ينهزم "التتبع الممكن" ي ً ً مستويا فقط ،بل منظومة أبراج ومفاصل .نف المقاطع المدروسة ن بي باب الجابية وباب السور لم يكن جدارا ي ٍ توما تظهر قواعد أبراج مستطيلة ،كثت منها مصمت ،بأبعاد تقريبية رتتاوح حول 5.60–5.25م عىل –3.10 َ َ وه قواعد كانت تعمل كإيقاع ثابت لعملية الفلنكة (حماية الجدار بالنتان الجانبية) (Mouton, 4.20م ،ي Guilhot & Piaton, 2018/2020, Portes et murailles…, Chapitre IV).ويزداد هذا اإليقاع ً ً ر ً ّ وضوحا ن بتخيل ما يقارب 75 متا ،ما يسمح – حسابيا – حي ُيذكر أن تباعد األبراج كان ن يف حدود 28إىل 32 ً ً موزعا عىل نحو 2400ر مت من الجدار ن يف ذلك القطاع الذي أمكن تحليله بهذه الطريقة (Mouton, برجا Guilhot & Piaton, 2018/2020, Portes et murailles…, Chapitre IV).هذه ليست زينة ،بل لغة عسكرية دقيقةٌ : برج كل مسافة تضمن أال ر تبق قطعة من الجدار بال تغطية جانبية. ٍ ً ً ُتظهر القراءة المعمارية للسور ،وال سيما نف القطاع الممتد ن بي باب الجابية وباب كيسان ،انتظاما واضحا ن يف ي ر ً متاُ . بي قواعد األبراج المتتالية ن تباعد األبراج الدفاعية ،حيث رتتاوح المسافة ن ويالحظ هذا بي نحو 28و32 ّ ً ً مثال ن والتج الذي يليه شقا عىل خط السور ،وهو قياس موثق الجنوئ- التج التباعد الغرئ لباب الجابية ر بي ر ر ر ي ي َ َ ً ً ً ً ً ً ميدانيا ويعكس منطقا دفاعيا محسوبا ال توزيعا اعتباطيا .فهذه المسافة تتوافق مع متطلبات الفلنكة ،أي تغطية واجهات الجدار بالنتان الجانبية المتقاطعة ،بما يضمن ّأّل ر يبق أي مقطع من السور خارج مدى ً الرم ّ الفعال لألسلحة الفردية المستخدمة ن يف العصور الوسيطة .ويشت ثبات هذا اإليقاع تقريبا ن يف قطاعات ي بي باب كيسان وباب ش رف ،إىل اعتماد نظام دفاىع ّ أخرى من السور ،بما فيها المقطع الرس رف ن موحدُ ،يظهر ي ي ي ُ ّ أن األبراج لم ُت ر ن الدفاىع ي كعنارص معمارية مستقلة ،بل كأجزاء من شبكة متكاملة صممت لضبط المجال ي 12 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها عىل امتداد الجدار بكامله Portes et murailles de ، Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020 ،Damas de l’Antiquité aux premiers mamlouksالفصل الرابع. ّ تبدل مواقع األبواب هو باب كيسان نف دمشق .هذا الباب كان نف األصل ً جزءا من السور مثال واضح عىل ي ي ر ن الجنوئ الرس يف ،وموقعه مرتبط بشبكة الشوارع المستقيمة للمدينة الكالسيكية ،لكن مع العصور الرومائ ري ي ُ ُ ن ّ ً وتحول إىل عنض ثانوي يف السور ،ثم أعيد عمليا الدفاىع والمروري ،فـأغلق اإلسالمية المتأخرة تراجع دوره ي ً ن توظيفه ً ً ودينيا بعد ربطه برسدية هروب بولس الرسول ،وصوّل إىل تحويله يف القرن العرسين إىل كنيسة. رمزيا هنا ال يتبدل الباب فقط بوظيفته ،بل ينفصل عن منطق العبور العسكري الذي أنش من أجله ،ويصبح ً شاهدا عىل انتقال المدينة من نظام دفاىع إىل نظام رمزي–عمر نائ مختلف .هذا ما يقصده موتون ن حي ي ي ً متحركة :الباب ال ُي نلغ فجأة وال ر ثابتا ،بل ُيزاحُ ،ي َّ ّ يتعامل مع السور واألبواب ن همش ،أو ُيعاد يبق كبن تاريخية تعريفه بحسب ّ تحول المدينة ،ال بحسب المخطط األول الذي ُوضع له. ً ً أكت من غته ،لكن وظيفته ّ ن الرومائ األصىل ر جذريا؛ فمع انحسار تغتت موقعه عىل حافظ مثًل باب ش ر يف ي ي ّ الدور العسكري للسور ّ معت ن بتوسع األحياء خارج حضي مفتوح مرتبط تحول من بوابة دفاعية صارمة إىل ر ّ ّ ن ن الوظيق .ن يف المقابل ،باب الفراديس يقدم حالة مختلفة :تشت المكائ لم يمنع التبدل األسوار ،أي إن الثبات ي ي ً ً ّ ً ً وجنوبا ضمن نطاق محدود تبعاً ّ عت العصور ،بل تحرك شماّل المصادر إىل أن موضعه لم يكن واحدا ثابتا ر ّ ن ائ .كذلك إلعادة بناء السور وتعديل خطه ،ما يعكس استجابة مباشة لتبدل طرق الوصول والضغط العمر ي ً خصوصا نف ر ّ الفتات متكررة، باب الجابية نفسه ،رغم استمرارية اسمه ،خضع إلزاحات وإعادة تشكيل ي ُ ّ األيوبية والمملوكية ،حيث أعيد تنظيم المدخل ،وزيدت عنارص دفاعية ،وتغت شكل الفتحة بما يتالءم مع ُ ً ن التحصي الجديد .هذه األمثلة ال تقول إن األبواب كانت تنقل اعتباطا ،بل إن موقع الباب كان نتيجة نظام ً ّ ً توازن متغت ن بي الدفاع ،والمدينة ،والطريق ،والسلطة؛ أي أنه جزء من السور بوصفه "كائنا تاريخيا" يعيد ترتيب أعضائه كلما ّ تغت الجسد الذي يحميه. قريبا من القلعةُ ، ن وي َّ باب النرص :كان يقع نف الجهة الشمالية من المدينةً ، ن نط أعيد رجح أنه باب ي ي رومائ–بت ي ظاهرا ً استخدامه نف ر ً ماديا الفتات اإلسالمية المبكرة ،ثم اندثر مع إعادة تنظيم تحصينات الشمال ،ولم يعد ي المتأخر. الوسيط العض منذ ً ن َ باب الفرج :باب مرتبط بمنطقة القلعة أيضا ،ظهر يف المصادر األيوبية والمملوكية كبوابة ذات وظيفة عسكرية وإدارية ،لكنه ُأ ن ً نهائيا مع التحوالت العثمانية وبناء القلعة بصيغتها المتأخرة ،ولم يبق له أثر لغ ي قائم. ً ُ متصًل بالمعبد الرومائن ن الرومائ) :يعد من أقدم أبواب دمشق الكالسيكية ،وكان الجيون (أو الجتون باب ِ ي ّ ً يً ُ اإلسالم ،ويعرف اليوم فقط من المصادر الكبت ،وقد فقد وظيفته مبكرا جدا ،قبل اكتمال تشكل السور ي الكالسيكية. َ باب الفراديس القديم :رغم بقاء باب الفراديس المعروف ،تشت بعض القراءات إىل وجود موضع أقدم للباب ُ ً ُأ ن يعن أن النسخة الحالية ليست ن شماّل ،ما ن بالضورة ن يف الموقع األول. السور بناء إعادة عند ـح ـ ـ ي ز أ أو لغ ي ي 13 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها الغربيي ،فتحات أو ً أبواب ثانوية بال أسماء ثابتة :تذكر بعض المصادر ،خاصة أوصاف ّ ن أبوابا صغتة الرحالة ُ ً ن ن الحضية. خدمية أو عسكرية أغلقت الحقا مع تضييق السور أو مضاعفته ،ولم تحتفظ بأسماء يف الذاكرة ً استثنائيا ،بل ً ً هذا الجرد ّ ن جزءا من منطق السور بوصفه بنية تاريخية يبي أن اختفاء األبواب لم يكن حدثا ُ ً ً ن ّ وت ن ً لغ ن متحولةُ :تفتح األبواب ن الوظيق، دفاعيا أو تفقد معناها حي تصبح عبئا حي تخدم طريقا أو سلطة، ي ً ر الن ال تقل داللة عت األبواب القائمة فقط ،بل أيضا ر وهو ما يجعل قراءة دمشق ال تتم ر عت األبواب الغائبة ي عنها. ً ن إىل جانب هذه القواعد المتكررة ،توجد أبراج كبتة استثنائية يف بعض المواضع ،ترتبط عادة بحماية األبواب ً ن . برج متقدم ُوصف بأبعاد إىل المعطيات تشت مثال كيسان باب عند السور خط ف أو االنعطافات الحساسة ي ٍ ً ً ً ً ّ ن ام ) (archèresوربما مستوى ثالث تقارب 22م طوال و 9م عرضا و 11م ًارتفاعا ،مزودا بمستويي من المر ي ن الجنوئ (Mouton, Guilhot عىل السطح ،ما يجعله يف زمانه واحدا من أثقل عنارص الدفاع عىل الجدار ري & Piaton, 2018/2020, Portes et murailles…, Chapitre III).ن وبي باب كيسان وباب ش ر يف تظهر ً ً برج مستطيل تقارب أبعاده 9×21م ،انفصلت كتلته جزئيا عن السور نفسه بفعل التحوالت بقايا أيضا ٍ الالحقة وكشفه ن يف أعمال حديثة (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020, Portes et ً ُ murailles…, Chapitre III).مثل هذه األبراج تقرأ بوصفها ُعقدا ن يف شبكة الدفاع :نقاط تكثيف ،ال مجرد تكرار. ن ومن العنارص ر التقن العميق "الفتحات القتالية" وما يقابلها من فضاءات داخلية. الن تمنح السور بعده ي ي ً ً ُ ن رم خلفية تتيح للمقاتل الرم (المرم/المزغل) ليست شقا بسيطا يف الحجر ،بل جهازكامل يضم غرفة ي فتحة ي ن ُ رم" ام ي الرم يتم ر عت " ًحجرة ً ي ذكر أن الوصول إىل فتحة ي الحركة والحماية .يف قراءة معمارية حديثة للمر ي ً ر ن يعن أن داخل السور لم يكن مصمتا دائما ،بل يزيد عرضها عىل ثالثة أمتار ويقارب عمقها متين تقريبا ،ما ي يحوي تجاويف محسوبة لتشغيل السالح الفردي وإدارة الرماة (Mouton, Guilhot & Piaton, 2012, ن المعن يصبح السور أقرب إىل بناء معماري منه Nouvelles interprétations sur le tracé…).وبــهذا ّ خارح. إىل كتلة :داخله قابل للعيش العسكري ،ال مجرد حد ر ي األكت ن يف أي سور .لذلك عىل مستوى األبواب نفسها تتضاعف تفاصيل الدفاع ،ألن الباب هو نقطة الضعف ر تظهر أمام بعض األبواب عنارص إضافية مثل الباشورة ) (barbacaneأو بوابة أمامية ّ تحول الدخول إىل ُ متاهة قصتة تبط المقتحم وتكشفه للنتان الجانبية .عند باب الجابية تذكر القراءة التاريخية وجود باشورة ن أمام/أو جدار منخفض ،وبرج متقدم ،وهو ما يعكس هندسة دفاعية تتجاوز ببابي ،وفصيل ) (faṣīlكسور ي فكرة باب واحد ن يف جدار إىل فكرة نظام بوابات (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020, Portes التتشة ) (bretècheوالميازيب القتالية/المرسافات et murailles…, Chapitre III).كذلك تظهر ر ر ن أس فوق فتحة العبور ،وقد ُرصدت يف وصف باب ش يف وغته )(machicolisكعنارص تسمح بالدفاع الر ي ر ام فوق الممر(Mouton, ضمن منظومة طبقات دفاعية تشمل أكت من مستوى للمر ي Guilhot & Piaton, 2018/2020, Portes et murailles…, Chapitre III). 14 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ر الدمشق يحمل طبقة كتابية ،ألن وال يقل أهمية عن الحجر الصامت الكالم المنقوش عىل الحجر .فالسور ي ً ر ن . الن اسات ر الد عية والرس القوة خطاب من جزءا يبن ريتك أثره بوصفه ي السلطان أو األمت الذي يرمم أو ي ترتيب جمعت نقوش السور والبوابات تتحدث عن مدونة من نصوص ترتبط مباشة بالمرابط واألبواب ،مع ٍ ّ بتتبع كيف ّ زمن يسمح ّ ن ن تحصي (Mouton, سجل أسماء وألقاب وتواريـ ــخ ،ال مجرد تحول الجدار إىل ي Guilhot & Piaton, 2018/2020, Portes et murailles…, Chapitre VI).كما توجد مشاريـ ــع علمية ً ً ّ خصصت عمال مستقال لبناء “كوربس )” (Corpusلهذه النقوش ،بوصفها مفاتيح لقراءة السياسة والعمارة ً معا (Mouton, 2018, Corpus des inscriptions arabes des portes et de l’enceinte de Damas). ُ ُ ر ن وتغلق ،حركة تجارة ّ تمر ،وربما حن يف السلم :صيانة ،مراقبة ،بوابات تفتح السور بطبيعته فضاء عمل دائم ُ ن ُ ن تحويل بعض فضاءاته إىل استعماالت ال عسكرية حي تضعف الحاجة الدفاعية أو حي تغري المدينة بتوسيع رزقها عىل حساب الحراسة .إحدى الصور الدقيقة لهذا التوتر تظهر ن يف باب الجابية ،حيث تشت القراءة التاريخية إىل أن فضاء الباشورة ر اشتته أوقاف الجامع لصالح مقاصد تجارية ،ثم اضطرت السلطة ً الن ّ ن ر ضيقت الممرات ،ن يف مشهد يكشف كيف يمكن للمدينة أن تأكل الحقا إىل إصدار أوامر بهدم الدكاكي ي مناعة سورها باسم الحياة اليومية (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020, Portes et ُ murailles…, Chapitre III).وعىل مستوى أوسع تظهر دراسة "الدفاع والسلطة والمجتمع" أن السور ً ُ عت األسماء والرموز والسبوليا ،ومكان تمارس ليس دفاعا فقط ،بل موضع دعاية سياسية ،وذاكرة للمدينة ر ُ فيه ن معائ السيادة وتتحرك فوقه السلطة وتعلن قراراتها (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020, ي Portes et murailles…, Chapitre V). إن توصيف السور من حيث الطول والسماكة والبنية واالختفاء والظهور واألبراج والنقوش والغرف ،ال يكون ٌ حجر واحد ،بل وصف "بنية مدينة عاملة": محيط يقارب 4.5كم ن يف صورته الراهنة حول المطلوب وصف ٍ ن المدينة القديمة ،مع تاريـ ــخ تخطيط أقدم يمكن أن ر يقتب من 4.37كم يف لحظة رباعية األضالع ،سماكة ي ر نموذجية حول ر متين تزيد عند بعض العقد ،وارتفاعات تتاوح بحسب الموضع والردم لكنها قد تصل إىل ن نحو 13م يف مقاطع محفوظة ،ومادة بازلتية واضحة مع إعادة استعمال كثيف لكتل أقدم ،وأبراج متكررة ن ر ً ً ن وح بعرسات األبراج ،تتخللها أبراج “ثقيلة” استثنائية اإليقاع كل ثالثي متا تقريبا يف بعض المقاطع بما ي ي ام لها غرف تشغيل داخلية ،وطبقة كتابية من النقوش تجعل قرب األبواب واالنكسارات ،مع منظومات مر ي ر ُ ُ ر ن الدمشق ،حن وهو منهك وملتبس داخل تحصي .والنتيجة أن السور السور وثيقة سياسية بقدر ما هو ي ً يبق من أ ر العمران ،ر كت أسوار المرسق قدرة عىل إظهار كيف يتحول الدفاع إىل أسلوب عيش ،وكيف يصبح ً الحجر أرشيفا. مراجع مختارة بصيغة هارفارد (مع أسماء الكتب/الدراسات) Mouton, J.-M. (2010) Les portes et la muraille de Damas : un patrimoine à redécouvrir (résumé d’un article paru dans Archéologia n°473, janvier 2010). Atelier des Mots et du Regard (AMER). 15 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها Mouton, J.-M., Guilhot, J.-O. & Piaton, C. (2012) ‘Nouvelles interprétations sur le tracé et la chronologie de l’enceinte de Damas’, Comptes rendus de l’Académie des Inscriptions et Belles-Lettres (Persée). Mouton, J.-M., Guilhot, J.-O. & Piaton, C. (dir.) (2018/2020) Portes et murailles de Damas de l’Antiquité aux premiers mamlouks. Beyrouth: Presses de l’Ifpo / OpenEdition Books. Mouton, J.-M. (2018) Corpus des inscriptions arabes des portes et de l’enceinte de Damas (projet et présentation). Ifpo Orient – Archeologie. باب رش يف :باب الشمس ومحور المدينة: ً ً يقف باب ش رف بوصفه ر أكت أبواب دمشق التصاقا بفكرة المحور ،ال بوصفه مدخال فحسب ،بل بوصفه ي ً ّ ر ن ائ كامل .فالموضع الذي يحتله عىل الحد الرس يف للمدينة القديمة ليس اعتباطيا، نقطة انطالق ٍ لنظام عمر ي ً ًّ ّ يعت المدينة من الرسق بل يشد إليه الشارع المستقيم شدا عضويا ،بحيث يتحول الباب إىل عتبة لمحور ر ن ّ ن تتجسد العالقة ن والمعن: بي الجهة الرومائ عىل األقل .هنا إىل الغرب ،ويصوغ حركتها اليومية منذ العض ي ً ُ ن ٍّ مدين مسبق التفست. نظام إىل الدخول إعالن بوصفه والباب وبداية، وقا الرسق بوصفه ش ٍ ي تؤكد الدراسات الكالسيكية أن باب ش ر يف هو الباب الوحيد ن يف دمشق الذي احتفظ ،ن يف بنيته األساسية، ّ ر مخصص للعربات، الثالئ للفتحة :مدخل مركزي عريض بسمات رومانية واضحة ،من حيث التكوين ي ن الكتى ،يدلّ يحيط به مدخالن جانبيان أصغر للمشاة .هذا النمط ،المعروف يف بوابات المدن الرومانية ر ّ ٍّ عىل أن الباب لم ُي ر ن دفاىع فحسب ،بل كجزء من مخطط حركة منظم يربط المدينة بطرقها كحل ي ي ً اإلمتاطورية (Sauvaget, 1934).ومع أن عمليات ر التميم الالحقة ،خصوصا ن يف العصور اإلسالمية، ر ً ن ّ ّ غتت من تفاصيل الواجهة ،فإن منطق التكوين ظل قابال للقراءة يف الحجر. من حيث المادة ،يقوم باب ش ر يف عىل كتل حجرية كبتة أعيد استخدامها) ، (spoliaبعضها يحمل آثار يدل عىل إعادة توظيف عنارص معمارية أسبق .هذا ر تشذيب قديم ّ التاكب المادي ال يطمس األصل حي ّ الرومائ ،بل يكشف عن استمرارية موضع الباب عت العصور ،إذ ناد ًرا ما ّ ن تغت موقعه ر حن ن تغتت ر ي طبقاته .ويشت هذا الثبات إىل أن الباب لم يكن ّ مجرد فتحة ن يف السور ،بل عقدة تخطيطية ال يمكن نقلها دون تفكيك نظام المدينة نفسه(Burns, 2005). ن التاريىح األشد كثافة ن يف لحظة فتح دمشق ن يف القرن السابع الميالدي .فبحسب يكتسب باب ش ر يف بعده ي الروايات اإلسالمية المتقاطعة ،كان هذا الباب موضع االقتحام العسكري ،حيث دخلت القوات بقيادة 16 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها خالد بن الوليد بعد قتال ،نف الوقت الذي جرى فيه التفاوض عىل الصلح عند باب الجابية .هذا ر ن التامن ي ً ر ن بي االقتحام والصلح جعل باب ش يف ُيقرأ الحقا بوصفه باب العنف المنضبط ،مقابل أبواب التفاوض، ن تميت ر سيتك أثره ف الذاكرة التاريخية للمدينة (ابن كثت) .ال يعود الباب هنا ّ ن مجرد موضع عبور ،بل وهو ي يتحول إىل شاهد عىل إشكالية سياسية وفقهية حول طبيعة الفتح ،وعىل كيفية تغليب رواية الصلح عىل ّ واقع تعدد أشكال الدخول. ر تجاور باب ش يف مع الشارع المستقيم يمنحه وظيفة إضافية تتجاوز الدفاع والرمز .فالشارع ،الذي وصفته ً المصادر القديمة بوصفه العمود الفقري لدمشق الرومانية ،يبدأ عمليا من هذا الباب ،ليقود الحركة نحو ً قلب المدينة وأسواقها ومعابدها ثم مساجدها الحقا .بذلك يصبح الباب نقطة تحويل :الخارج ،عند عبوره ً ً ً ن ر انتظاما .هذه الخاصية ّ تفرس كثافة األكت العتبة ،ال يدخل حيا هامشيا ،بل ُيقذف مباشة يف نسيج المدينة ً يضا لماذا ّ ن ّ ظل موضعه أقل عرضة لإلهمال مقارنة بأبواب أخرى وتفرس أ التاريىح للباب، االستخدام ي (Burns, 2005). وعىل المستوى الرمزي ،ارتبط باب ش ر يف منذ وقت مبكر بتسميات ودالالت تتجاوز الجغرافيا .فقد ُعرف انسجام مع الجهة الرسقية ومع فكرة البداية والبعث .كما ن يف بعض الروايات باسم "باب الشمس" ،ن يف ٍ ً ر الن ستدخل ن يف ارتبط محيطه برسديات إسكاتولوجية الحقة ،خصوصا مع وجود المنارة البيضاء القريبة ،ي الدين بوصفها عالمة من عالمات آخر الزمان .هذا ر ن التاكم الرمزي ال ينفصل عن الموقع ،بل المخيال ي ّ ً يتغذى منه :الرسق بوصفه موضع النور ،والباب بوصفه مدخال للمدينة ،والمنارة بوصفها عالمة ارتفاع ومراقبة "ابن كثت". ُ مع التحوالت العمرانية نف العصور اإلسالمية والالحقةّ ، تعرض باب ش ر يف لتعديالت دفاعية ،أضيفت فيها ي عنارص حماية فوق الفتحة ،وأعيد تنظيم الممر بما يتالءم مع تقنيات القتال المتغتة .غت أن هذه ً حي ضعفت وظيفة السور الدفاعيةّ ، التعديالت لم ُتلغ طابعه "المحوري" .ر حن ن ظل الباب محتفظا ّ ً ِ ً ال ،وموضع عبور كثيف ،ونقطة التقاء ن بي المدينة القديمة وامتداداتها الرسقية. بدوره بوصفه مدخال مفض المعن ،يمكن قراءة باب ش رف بوصفه الباب الذي يجمع ر ن أكت من زمن ن يف موضع واحد .هو باب ن يف هذا ي ن ن ن إسالم ن يف لحظة الفتح وإعادة التأويل ،وحديث ن يف نط ن يف استمراريته الطقسية، ي روما يئ يف بنيته األوىل ،بت ي اندماجه مع حركة المدينة المعارصة .ال ُي ر ن ختل ن يف حدث واحد وال ن يف وظيفة واحدة ،بل يعمل كبوصلة تاريخية :من يدخل منه يعت ،دون أن يدري ،طبقات ر متاكبة من التنظيم وال ن معن ،حيث تتقاطع الجهة مع ر ٍ السياسة ،والحجر مع الذاكرة ،والعبور مع الرسد. المراجع (هارفارد) Burns, R. (2005) Damascus: A History. London: Routledge. ( Ibn Kathir, Ismāʿīl ibn ʿUmarدون تاريـ ــخ) Al-Bidāya wa al-Nihāya. Beirut: Dār al-Fikr. ( Ibn ʿAsākir, ʿAlī ibn al-Ḥasanدون تاريـ ــخ) Tārīkh Madīnat Dimashq. Beirut: Dār al- Fikr. Sauvaget, J. (1934) Esquisse d’une histoire de la ville de Damas. Paris: Librairie orientaliste Paul Geuthner. 17 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها باب توما :من محور المدينة إىل عتبة الطقس: ً ً ً ر إذا شنا من باب ش يف شماال بوصفه خروجا تدريجيا من منطق المحور إىل منطق االنحناء .فالسور ،الذي ً ً ر ّ ر كان عند باب ش يف جزءا من خط مستقيم تقريبا ،يبدأ بالميل الطفيف نحو الشمال الرس يف ،كأن المدينة، ً بعد أن ّأدت وظيفة االنتظام اإلمتاطوري ،تستعد للدخول نف فضاء ر دا وأقل رصامة .المسافة ن بي أكت تعقي ر ي ً ً ّ ن ن المش بمحاذاة السور هنا يكشف عن تحول يف العالقة البابي ليست طويلة زمنيا ،لكنها كثيفة دالليا ،ألن ي ً ً ّ ً ن أحياء سكنية وفضاءات طقسية أخذت بي الجدار والمدينة :من جدار يحد محورا مركزيا إىل جدار يجاور ّ عت قرون. تتكون حوله ر نف هذا القطاع من السور ،ن بي باب ش ر يف وباب توما ،ال يظهر الجدار بوصفه كتلة دفاعية معزولة ،بل ي ً ن . ائ متداخل السور هنا أقل انكشافا ،إذ تلتصق به األبنية من الداخل ،وتستند إليه كجزء من ٍ نسيج عمر ي ٍ تتبع خطه العام عت تغتّ ن ّ . يمكن ذلك، ومع الحقة إضافات خلف مداميكه بعض وتختق البيوت، ان جدر ر ي ن ر تش بوجود جدار أقدم يعمل كدعامة سماكات الجدران ،ر الن ي وعت االنقطاعات الطفيفة يف انتظام البناء ،ي صامتة للعمران الالحق .هذا التداخل يجعل السور أقرب إىل ظهر المدينة منه إىل واجهتها :عنض موجود، ً الكتى. لكنه ال يفرض نفسه بضيا كما يفعل قرب األبواب ر ُ ن ر تحم األبواب ،لكن الن ي وال تعرف يف هذا المقطع عنارص دفاعية استثنائية عىل ًشاكلة األبراج الثقيلة ي الدفاىع العام ،مع احتمال وجود أبراج انتظام السور واستمرارية سماكته يشتان إىل أنه كان جزءا من اإليقاع ي ً ً ُ مصمتة اندمجت الحقا ن يف األبنية أو طمست مع إعادة البناء .هنا يعمل السور بوظيفته الصامتة :حامال ُ ر التاىل. الن ست رتز نفسها عند الباب ي للبنية ي ُ ّ ر الن كانت ،قبل أمتار ،تقرأ من خالل المحور وعند الوصول إىل باب توما ،يتبدل المشهد .فالمدينة ي ُ والشارع ،تقرأ هنا من خالل االسم والذاكرة .باب توما ليس باب جهة فقط ،بل باب شخص ،وباب طقس، ّ تشكل حوله ٌ وباب ّ وىع خاص باالنتماء .التسمية نفسها تحيل إىل القديس توما الرسول ،وتفتح الباب ح ي ي ً ً ً ن مسيىح مبكر ،يجعل من هذا الموضع عتبة بي المدينة بوصفها كيانا سياسيا، منذ اسمه عىل فضاء ً ي ً ً والمدينة بوصفها فضاء إيمانيا واجتماعيا. تشت المصادر التاريخية إىل أن هذا الباب كان ُيعرف ن يف مراحل أقدم بأسماء أخرى ،مرتبطة بالجهة أو ً ّ التحول ن يف االسم ليس تفصيال بالوظيفة ،قبل أن تستقر التسمية المسيحية بوصفها االسم الغالب .هذا ً ً لغويا ،بل مؤش عىل انتقال مركز الثقل الرمزي للباب :من كونه جزءا من منظومة دفاعية إىل كونه بوابة ح كامل ،ر ح ذي هوية دينية واضحة .ومع الزمن ،صار الباب عالمة عىل ّ ّ حن بات االسم يشت إىل ما وراء ي ي ر عت قرون (Sauvaget, الن حملت هذا الطابع ر الفتحة الحجرية ،إىل شبكة من األزقة والكنائس والبيوت ي 1934). 18 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ر ن الرومائ الذي ّ ن يمت باب ش يف .بنيته أبسط ،وقد من الناحية المعمارية ،ال يحتفظ باب توما بالوضوح ي ً ن ن ر خضعت إلعادة بناء وترميم يف عصور متعددة ،ما يجعل قراءة طبقاته أكت تعقيدا .غت أن هذا لفقد يف ّ ً ن الصفاء المعماري يقابله ثراء يف الداللة :فالباب يبدو وكأنه تخىل مبكرا عن استعراض القوة لصالح وظيفة ن العبور اليوم ،وارتبط ر ّ للىح المحيط به .وجود الكنائس القديمة يف أكت بالحياة المدنية والطقسية ي ي ً محيطه ،وعىل رأسها كنيسة حنانياّ ، طقش غت مكتوب، مسار من جزءا الباب ويجعل الطابع، هذا ز يعز ي ُ تعاد صياغته مع كل عيد ومناسبة(Burns, 2005). ر تذكر الروايات األساسية عن حصار دمشق أن الفتح لم ُي ر ن ختل بباب ش يف وباب الجابية وحدهما ،بل إن ً ن ن ن فق رواية ابن كثت يف كتاب الفاتحي توزعت عىل أبواب أخرى أيضا ضمن قوات ٍ طوق عسكري شامل؛ ي ر ُ البداية والنهاية يذكر أن خالد بن الوليد رابط عند باب ش يف ومعه باب كيسان ،وأن أبا عبيدة كان عند باب أئ سفيان كان عند باب الجابية الصغت ،بينما رابط عمرو بن العاص وشحبيل الجابية الكبت ،وأن يزيد بن ر ي بن حسنة عند أبواب أخرى ،ما يدل عىل وجود مرابطة وحصار عىل ر أكت من مدخل (Ibn Kathir,دون تاريـ ــخ ،Al-Bidāya wa al-Nihāya) ،كما ترد الفكرة نفسها عند البالذري ن يف فتوح البلدان مع إشارات إىل أبواب مثل باب توما وباب الفراديس والباب الصغت ضمن توزيـ ــع القوات أثناء الحصار (al-Balādhurī, ّ دون تاريـ ــخ ،Futūḥ al-Buldān) ،غت أن الذاكرة التاريخية ركزت عىل باب ش ر يف وباب الجابية ألنهما ارتبطا بالرسدية الحاسمة للفتح ن بي االقتحام من جهة والتفاوض والصلح من جهة أخرى. ً ً ن ُّ ُ ر باب قرينا سماويا الن تجعل لكل ٍ ه الكوكب الذي ربط بباب توما يف بعض المرويات الدمشقية ي الزهرة ي ّ عالمة كونية ال مجرد فتحة ن يف السورّ .أما تسميات الباب فيتحول الباب إىل ضمن نظام الكواكب السبعة، ٍ ً ً ً ً ّ ٍّ ولىح كامل لبوابة فليست اسما واحدا ثابتا ،بل طبقات تداول :أشهرها باب توما الذي استقر بوصفه اسما ٍ ي ً ً المسيىح ن يف المدينة ،وترد أيضا صيغة "باب توماء" ن يف بعض الضبطات اللغوية ارتبط تاريخيا بالحضور ي ٌ بموضع تفست للتسمية يربطها بشخصية رومانية تحمل اسم توما أو القديمة ،كما يظهر ن يف أخبار أخرى ٍّ ر تأئ تسمية “باب الزهرة” بوصفها االسم الرمزي المتولد من كانت تقوم عنده كنيسة مالصقة للباب ،بينما ً ي ً ً الكوكن ،ال بوصفها بديال شعبيا متأخرا ،بل كصدى لفكرة قديمة ترى أبواب دمشق مفاتيح اإلسناد ري ن آن واحد. للمدينة ومفاتيح للسماء يف ٍ عىل المستوى الرمزي ،يعمل باب توما كعتبة انتقال من منطق المدينة الكونية – المرتبط بالجهة والمحور والكواكب – إىل منطق المدينة المجتمعية ،حيث االسم والطقس والعادة اليومية تصوغ الفضاء .الدخول منه ال ن يعن فقط عبور السور ،بل الدخول نف ّ االجتماىع. ح له إيقاعه الخاص ،ولغته المعمارية ،ونظامه ي ي ي ي ّ ّ ن الخط إىل المعن ،يشكل باب توما أول انحراف واضح ن يف الرحلة حول سور دمشق :انحراف من بهذا ً ّ الدائرة ،ومن السياسة إىل االجتماع ،ومن الحجر بوصفه نظاما إىل الحجر بوصفه ذاكرة حية. ر ر الن موقعه عند زاوية االنعطاف ن يف الركن ً ي الشماىل الرس يف من السور جعله آخر األبواب القادمة من الغرب ي يحميها بردى مباشة ،وهو ٌ باب يفتح شقا وكان يخدم ن يف العصور الوسط طريق القوافل المتجهة نحو ً حلب وتدمر ،مع وجود جرس قريب لعبور النهر صار جزءا من تعريف المكان نفسه (Mouton, Guilhot ُ & Piaton, 2018/2020).واألهم أن الباب كان تعلوه مئذنة بالفعل :تظهر الصور الفوتوغرافية ً والقراءات األثرية أن باب توما كان مرتبطا بكتلة مربعة تحمل المئذنة وتضم درجها ،وأن هذا الجزء أزيل ن يف 19 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها النصف األول من القرن العرسين ،ثم جرت أعمال ترميم للواجهة بعد إزالة المئذنة ،بما يجعل غياب المئذنة اليوم عالمة حديثة ال صفة تاريخية أصيلة للباب (Mouton, Guilhot & Piaton,ومن ً ً ً ً ن التفاصيل ر بالمعن البسيط ،إذ تكشف الن تضيف عمقا شديا للمكان أن باب توما لم يكن بابا واحدا ي ر ً متا إىل القراءة األثرية عن "باب توما "1وهو باب صغت ثانوي " ّبوابة "كان يقع عىل بعد نحو 130 ر الحاىل هو "باب توما ،"2مع احتمال الحاىل وهو مطموس اليوم ،بينما الباب الجنوب الرس يف من الباب ي ي ً ُ ّ عت األزمنة (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020).تاريخيا ،تذكر هذه البوابة تغت التسميات ر ً ً ن بالمقتة الفاتحي زمن حصار ،635/14ثم ارتبط اسمها أيضا بوصفها موضعا لمعسكر إحدى فرق ر ر ُ بمقتة باب توما ،وبحوادث الحقة مثل دخول قوات نور الدين إىل المدينة من الن تعرف ر اإلسالمية األقدم ي ر هذا الباب (مع أن الدخول االحتفاىل ارتبط بباب شف) ،ثم واقعة 1195/592ن حي دخل منها الملك ي ي ً وصوال إىل لحظة 1260ن الىح باب بوصفها رمزيتها البوابة اكتسبت حي العادل لالستيالء عىل دمشق، ي ن ىح يف سياق سيطرة المغول وما تبعها من توترات وإغالق مؤقت للباب & (Mouton, Guilhot المسي ي ً ن المعن ،يصبح باب توما غنيا بتفاصيله الخاصة :مئذنة كانت تعلوه ثم Piaton, 2018/2020).بهذا ّ ومقتة حملت اسمه ،ووظيفة طريق أزيلت ،جرس يجاوره" ،باب شي أو بوابة ثانوية مطموسة قربه، ر ً ً ً ً ً ٌ ر ر إمتاطوريا ،وأكت التصاقا قوافل ،وهو تاريـ ــخ يضيف للباب ملمحا مختلفا عن باب ش يف :أقل استعراضا ر بديناميات ّ الىح ،والذاكرة ،والتحوالت االجتماعية الطويلة. ي مراجع (هارفارد): Mouton, J.-M., Guilhot, J.-O. & Piaton, C. (2018/2020) Portes et murailles de Damas de l’Antiquité aux premiers mamlouks: Histoire, architecture, épigraphie. Beyrouth: Presses de l’Ifpo. المراجع (هارفارد) Burns, R. (2005) Damascus: A History. London: Routledge. ( Ibn ʿAsākir, ʿAlī ibn al-Ḥasanدون تاريـ ــخ) Tārīkh Madīnat Dimashq. Beirut: Dār al- Fikr. Sauvaget, J. (1934) Esquisse d’une histoire de la ville de Damas. Paris: Librairie orientaliste Paul Geuthner. 20 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها باب السالم : ً ن ن ن ائ عن القطاع السابق عليه .فهنا يبتعد ف توما باب بعد شماال يمتد السور قطاع يختلف يف مزاجه العمر ي ي ٍ ً ٍّ ر ّ ّ ر ٍّ دفاىع يتكيف مع انحناءة الن تحكم باب ش يف ،ويتحول إىل خط ي الجدار قليال عن رصامة "المحور" ي ً ر ن الشماىل الرس يف .هذا االنحناء ريتك أثره عىل شكل السور نفسه :فبدال من االستقامة ،تظهر المدينة يف ركنها ي ُ ن ن انكسارات خفيفة ّ وتغتات موضعية يف سماكة البناء ،وتبدو المداميك يف بعض المواضع وكأنها تعيد ترتيب ً تبعا ر للتبة ونقاط الضعف المحتملة .عىل هذا االمتدادّ ، يقل حضور الكتل الرومانية الضخمة نفسها ن ر ر ن لن الداكن يف طبقات التميم الوسيط ،مع استمرار ظاهرة إعادة الظاهرة للعي ،ويزداد حضور الحجر الباز ي ً ّ ً ً ُ ن أكت حجما أقدم زمنا تشكل أساسا لبناء الحق (Mouton, االستعمال يف القاعدة حيث تشاهد كتل ر Portes et murailles de Damas de l’Antiquité aux ،Guilhot & Piaton, 2018/2020 premiers mamlouks). الشمالية الرس ّ ّ القطاع المقصود ن قية من دمشق القديمة ،وهو بي باب توما و باب السالم يقع عىل الحافة ً ً ٌّ الن ُتقرأ فيها األسوار عىل أنها “حد عمر نائ” ر من المناطق ر أكت من كونها جدارا مكشوفا .من جهة الداخل ي ي ً ً السكن ،ومن جهة الخارج ر ن ُتالمس األسوار أطراف ّ تقتب كثتا ح باب توما ثم تتداخل تدريجيا مع النسيج ي ي ً ً المش بمحاذاة السور ن يف هذا الجزء مالصقا تقريبا لفضاء نهر بردى أو أحد يصبح من مجرى الماء ،بحيث ي ً ن الن كانت ّ فروعه/قنواته ر الشماىل .لذلك نعم :يف هذا المقطع غالبا يكون السور عىل تمر خارج الجدار ي ي ً ً ً ً ّ جدا منهُ ، ن التحصي ،قبل أن تتكفل وينظر إىل النهر بوصفه خندقا طبيعيا يجاور تماس مع الماء أو قريبا ن يختق ثم يعود للظهور. األبنية الحديثة ن يف مواضع كثتة بحجب الرؤية المباشة وجعل السور يبدو وكأنه ي ً ُ عادة باسم ّ ح باب السالم (وتدخل ضمن النطاق فه تعرف التاىل ي ي أما تسمية المنطقة نفسها قرب الباب ي ر ر الن يبدأ منها هذا المسار داخل ي الشماىل لدمشق القديمة) ،بينما يبق باب توما هو االسم الغالب للحارة ي المدينة. ً ٍّ أيضا تظهر وظيفة السور بوصفه جهاز مراقبة ر أكت منها جهاز صد مباش؛ إذ إن الشمال ن يف هذا القطاع ً ً ّ تعرضا ر ر كتى .لذلك يتقدم الختاقات شيعة مقارنة تاريخيا أقل الن تفتح عىل الطرق التجارية ال ر بالجهات ي ً ً ً ثابتا ،ر حن إن لم تعد األبراج واضحة كلها اليوم بسبب اندماج منطق األبراج المتقاربة بوصفه إيقاعا دفاعيا ن ر ر الن تقرأها الدراسات أجزاء من السور يف األبنية أو اختفائها خلف إضافات الحقة .وتبق الفكرة األساسية ي الميدانية :تتابع األبراج ضمن مسافات تسمح بالتغطية الجانبية المتبادلة ،بحيث ال ر يبق أي مقطع من الجدار خارج الحماية النتانية Portes et ، (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020 ً التاىل ،يظهر باب السالم بوصفه بوابة أقل صخبا من باب توما، murailles…).وعند الوصول إىل الباب ي ً ن ر ر الن تحيط بباب ش يف؛ وقد ارتبط هذا الباب يف التقليد الرمزي لكواكب وأقل احتشادا بالطبقات األيقونية ي ه باب القمر ،كما أبواب دمشق بكوكب القمر ،ولذلك ترد له ن يف بعض الطبقات القديمة تسمية موازية ي ً ً ً بنتة ترد له أيضا صيغة باب السالمة بوصفها اسما قديما يسبق يش ر االختصار الشائع .االسم نفسه ي ً ُ مختلفة" :السالم" ليس اتجاها وال شخصية تاريخية ،بل قيمة ترفع إىل مستوى المكان .هذا النوع من ن اإلمتاطورية األوىل حيث ُت ّ سم األبواب وفق الوظيفة والجهة ،بل التسميات ال يتشكل عادة يف العصور ر 21 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ر ن يميل إىل الظهور ن دين ،فتمنح بواباتها أسماء عت حي تبدأ المدينة بإعادة تفست فضائها ر ٍ معجم أخال يف /ي ً وعدا أو ً رجاء أو صورة ذهنية عن العبور .لذلك يبدو باب السالم أقرب إىل بوابة المدينة كما تريد أن تحمل عرف نفسها ،ال كما فرضتها ن ُت ِّ الضورات العسكرية وحدهاEsquisse d’une ، (Sauvaget, 1934 histoire de la ville de Damas).من النا حية الطبوغرافية ،يؤدي باب السالم وظيفة ربط الشمال ر ر الرس يف للمدينة بما يليه من مسالك نحو الشمال والشمال الرس يف ،ويقف ضمن تسلسل األبواب عىل بي باب توماّ / الىح ن السور كحلقة انتقال ن وبي أبواب الشمال األخرى ،وال سيما باب الفراديسّ .أما بنيته ي ً ر ن ر الن أعيد تشكيلها مرارا وفق الحاجات الرومائ المعمارية فليست من النمط ي ي الثالئ ،بل من األبواب ي المتابطة مع السور أكتر الدفاعية المتأخرة ،بحيث يغلب عىل الباب طابع الممر الدفاىع والكتلة الحجرية ر ي من طابع “الواجهة” االحتفاليةDamascus: A History). ، (Burns, 2005بهذه الطريقة يتحول باب ً ً ن اضا ر وأكت اندماجا يف المنظومة السالم إىل عالمة عىل مرحلة تاريخية أصبح فيها الباب أقل استعر ً العسكرية–المدينية :كتلة حراسة ،عبور مضبوط ،وبوابة تحمل اسما يخفف من خشونة الجدار دون أن يلغيها. المراجع (هارفارد) Burns, R. (2005) Damascus: A History. London: Routledge. Mouton, J.-M., Guilhot, J.-O. & Piaton, C. (2018/2020) Portes et murailles de Damas de l’Antiquité aux premiers mamlouks: Histoire, architecture, épigraphie. Beyrouth: Presses de l’Ifpo. Sauvaget, J. (1934) Esquisse d’une histoire de la ville de Damas. Paris: Librairie orientaliste Paul Geuthner. باب الفراديس : ُ َّ منطقة تعرف بعد باب السالم ،يواصل السور خطه عىل الحافة الشمالية لدمشق القديمة وهو يدخل ٍ ً ّ وتتشعب المياه ،وتعمل تاريخيا بأنها محمية بالطبيعة قبل أن تكون محمية بالحجر؛ فهنا تتكاثف األشجار ّ فروع بردى والقنوات الخارجة منه كحاجز ٍّ مائ غت مكتوب يخفف الضغط العسكري عن الجدار ،ولهذا ً ٍ ي ن ن ً ر ن تختق خلف النسيج يبدو السور أقل استعراضا وأكت اندماجا يف المشهد األخض :مقاطع تظهر واضحة ثم ُ ي ٌّ دفاىع يجاور الماء ُ العمر نائ ر ٌّ ويسايره بدل أن يصطدم به .ن يف هذا المقطع تالمس أطراف وخط المتاكم، ي ي ر الدمشق ر الن كانت تنمو عىل ظهر السور أو بمحاذاته ،ويبدأ اسم العمارة بالظهور بوصفه الشمال حارات ي ي 22 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ر قطاع تتقاطع عنده قناتان التاىل؛ فالطريق يست فوق عالمة مكانية تتقدم كلما اقتب المسار من الباب ي ٍ ن ر العقربائ الذي ّ الدمشق كعصب يعت الشمال مائيتان أساسيتان :نهر يمر قرب السور ،وبردى نفسه الذي ر ي ي ُ ن ماء ال كزينة ،ما ّ يفرس لماذا ت ِرد يف المصادر إشارات متكررة إىل الجسور أمام األبواب الشمالية .وعند اكتمال هذا االنحناء تظهر بوابة الشمال التالية :باب الفراديس ،وهو ٌ باب ليس "للطريق الكبت" بقدر ما هو بوابة ّ والضواح الهادئة؛ إذ تذكر القراءة الطبوغرافية الدقيقة أن باب الفراديس لم إىل فضاء الحدائق والمقابر ي ً ن ر ً ً ن بوابتي تحمالن االسم نفسه تفصل بينهما مسافة تزيد عىل أربعي متا، يكن بابا واحدا فقط ،بل ّ ن مصطف ن العقربائ، نهر يعت جرس عىل يفتح الجنوئ اديس ر الف باب : الجوانية العمارة ع شار محور عىل تي ر ر ي ٍ ي ٌ ترتيب يكشف أن هذه البوابة لم ُت ر ن ي بمعزل عن يعت بردى ،وهو الشماىل يفتح عىل جرس ر ٍ وباب الفر ُاديس ُ ي ن آن واحد & (Mouton, Guilhot داري الماء وتستخدمه وتخضع إليقاعه يف ٍ الماء ،بل خلقت لت ِ Chapitre III). ،Portes et murailles de Damas… ،Piaton, 2018/2020ومن جهة الحارات، ّ ن يتقدم هنا هو "العمارة" نفسها :ألن الباب ّ غت تسميته يف بدايات القرن العرسين فإن االسم الذي صار ً ً أيضا باسم باب العمارة نسبة إىل ّ الىح خارج األسوار الذي نما شمال المدينة (Mouton, وأصبح ُيعرف ي ّ Chapitre III). ،Portes et murailles de Damas… ،Guilhot & Piaton, 2018/2020أما عالقة ّ ر ر الدمشق :إذ ُيعد باب الفراديس الن حفظها التقليد الكواكب بالباب ،فهذه من الطبقات ي الرمزية القديمة ي ً ً ُ ُ ً ُ ن طارد ،وكانت تنسب إليه كغته من أبواب دمشق مؤرح المدينة بابا "عتيقا" مهدى إىل ع ن يف نظر بعض ِ ي ُ ً ٌ ٌ لمدينة ترى كأنها تمثيل رمزي مرتبط بالكوكب ،بما يجعل العتبة هنا جزءا من خريطة سماوية صورة أو ٍ ٌ أرض تحرسها الكواكب السبعة Portes et ، (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020 ّ …Chapitre III). ،murailles de Damasاسم "الفراديس" نفسه ،كما ُت ّ فصله الدراسة التاريخية ،يرتد إىل أفق ن ن ن ن بت ّ وحقول ترويــها فروع بساتي بساتي النعيم" ألن الباب يخرج إىل منطقة ويعن " نط الداللة، ٍ ي ي ٍ ً ر ّ بردى شمال المدينة ،ومن هنا صار بابا ُ الن عدتها اديس ر الف باب ة مقت وإىل الجنائن إىل للوصول ستعمل ي ر ي ر ُ حن نسب إليها أنها تضم قبور عدد كبت من األنبياء ،كما الذاكرة المحلية من أوسع مقابر دمشق وأشهرها، ًّ ممرا لمن يريد دخول المدينة واالتجاه مباشة نحو الجامع الكبت دون االلتفاف عىل أبواب الطرق صار التجارية الثقيلةPortes et murailles de ، (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020 … Chapitre III). ،Damasن السياس ،يخرج الباب من رهافة الجنائن إىل رصامة الحصار: وف التاريـ ــخ ي ي ُ فقد ُذكر عند فتح دمشق سنة 14ـه635/م ضمن األبواب ر الن رابطت عندها جيوش الفتح ،وتنسب ي قيادة الحصار أمامه نف ر أكت الروايات إىل شحبيل بن حسنة ّ الغس نائ الذي انتقل من خدمة ن ن نطيي إىل البت ي ي ن ن صفوف اإلسالم ،ثم عاد الباب ليظهر يف حصار العباسيي لدمشق سنة 132ـه749/م ضمن توزيـ ــع القوات عىل األبواب الشمالية Portes et ، (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020 …Chapitre III). ،murailles de Damasوبعد ذلك يدخل باب الفراديس مرحلة التضاعف الحاسم ُ حي ُش ِّيدت البوابة الثانية (الخارجية /ر ّ نف القرن السابع الهجري/الثالث عرس الميالدي ،ن التانية) وأثبت ي تاريـ ــخ بنائها بالنقش إىل 639ـه1243–1242/م ،ن ن األيوئ الملك بها أمر ى كت تحصي أعمال سياق ف ر ري ي ً ً ً ّ ن وخارح ،وممرا دفاعيا أشد ضبطا (Mouton, داخىل بابي الصالح إسماعيل ،وهو ما خلق واقع ر ي ي Chapitre III). ،Portes et murailles de Damas… ،Guilhot & Piaton, 2018/2020ثم تأئر ي ُ السياس :إذ تذكر األخبار – ويشت إليها ابن كثت ضمن أحداث لحظة دامية ت ّثبت الباب ن يف ذاكرة الرعب ي ِّ ّ ن فارقي الذي قتله المغول ُعلق أو ُعرض عند باب األيوئ صاحب ميا سنة 657ـه1259/م – أن رأس األمت ري 23 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ً الداخىل بعد استعادة المماليك للمدينة ،وكأن الباب الخارح ،قبل أن ُيدفن الحقا قرب الباب الفراديس ر ي ي ّ قاس عن انقالب القوى "ابن كثت" ،دون تاريـ ــخAl-Bidāya wa al-Nihāya ،؛ تحول إىل منصة ٍ إعالن ٍ ً ن وانظر أيضا تجميع وتحليل الوقائع يفPortes et ،: Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020 …Chapitre III. ،murailles de Damas ً ر ن المملوك تحديدا نرصبت المنطقة فيضانات قاتلة فق العض وبعد السياسة ي ي تأئ الطبيعة لتفرض سطوتها :ي ر عت الباب نفسه إىل داخل المدينة ،فتسببت بخراب الرم واندفعت ر رلتدى ،حن دخلت المياه من فتحات ي واسع سنة 669ـه1271/م ثم سنة 683ـه1285/م حيث جرفت السيول جرس الباب ودفعت مصاريعه ُ ً ً ن وتحسي للدفاعات أدخل فيها ذكر الباشورة للمرة األوىل تقريبا، بقوة الماء ،ما أدى الحقا إىل أعمال ترميم ً ُ دكاكي عىل جانن الجرس ُت َّ ن ؤجر للتجار & (Mouton, Guilhot ثم استثمر المكان اقتصاديا بإقامة ري ن Chapitre III). ،Portes et murailles de Damas… ،Piaton, 2018/2020هكذا يصت الباب ،يف ً ن (العقربائ وبردى) ،والجنائن (الفراديس) ،والحصار قراءة واحدة ،عقدة تجمع السماء (عطارد) ،والماء ي لسياس ( ،)1259ثم كارثة الطبيعة ( 1271و ،)1285ليظهر بوصفه ( 635/14و ،)749/132والرعب ا ي ً مسورة ونهر ال ر ّ "باب الشمال الرطب" الذي ال ُيفهم إال بوصفه عتبة ن يعتف باألسوار. مدينة بي ٍ ٍ المراجع (هارفارد) ( Ibn Kathir, Ismāʿīl ibn ʿUmarدون تاريـ ــخ) Al-Bidāya wa al-Nihāya. Beirut: Dār al-Fikr. Mouton, J.-M., Guilhot, J.-O. & Piaton, C. (2018/2020) Portes et murailles de Damas de l’Antiquité aux premiers mamlouks: Histoire, architecture, épigraphie. Beyrouth: Presses de l’Ifpo. باب النرص : ً ّ حس فيه المدينة كأنها تست بمحاذاة الماء ر غربا من باب الفراديس نف قطاع ُت ّ أكت مما تست السور يمتد ي ّ ٍ ً ر تاريخيا ّ جسور من عنه د يتول وما بردى بفروع االرتباط شديد ظل الدمشق بمحاذاة الحجر؛ ألن الشمال ٍ ي ّ ً ً ُ ر الن تشكل محورا شماليا داخل المدينة وسواق .ومن جهة الداخل تالمس ومجار ٍ ٍ منطقة العمارة الجوانية ي ً ً ن ّ يكق ليجعل فكرة الباب هنا مرتبطة بالجرس تلقائيا ،ال القديمة ،بينما من جهة الخارج يظل النهر قريبا بما ي ً ُ َّ ن بالعتبة الحجرية وحدها .ن وف هذا المسار تحدد المسافة أيضا بدقة يف قراءة السور :فقد ورد أن موضع باب ي ً الجنوئ كان يقع – وفق مسح نور الدين 564ـه – 1169–1168/عىل نحو 370ميا غرب باب الفرج ري ر ّ سلجوف من أبراج القلعة (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018, الفراديس ،وعىل تماس شديد مع برج ي Portes et murailles de Damas…, Chapitre III). ً ً ً ّ اىل) باسم واضح :باب الفرج ،وهو ليس بابا واحدا بسيطا ،بل بابان التاىل وهنا يتبدى الباب ٍ (جنوئ وشم ي ري ي جرس بثالث الشماىل من باب الفرج يفتح عىل يرتبطان بالتحصينات الشمالية الغربية وبقرب القلعة .الباب ٍ ي ُ كامتدادات جانن الجرس ٍ قناطر يعي نهر بردى ،وتذكر القراءة المعمار ًية وجود حوانيت صغية أقيمت عىل ر ي بارزة ،ر الحاىل حن إنها كانت تحجب رؤية الماء جزئيا ،مع بقايا لقناطر حجرية أقدم تحت مستوى الجرس ي 24 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018, Portes et murailles de Damas…, Chapitre III).هذا تماس مباش مع منظومتها الدفاعية؛ أي إنه ٌ ّ باب من أبواب السور الباب ليس داخل القلعة ،لكنه يقع عىل ً ن ن الحرئ. الحضي ،غت أنه يعيش يف ظل القلعة كما لو كان جزءا من جهازها ري ن أما ارتباط الكواكب بباب الفرج فهنا يلزم قدر من الضامة :باب الفرج نف جوهره ٌ باب ُمحدث يف العض ي ً ن واحدا من األبواب األصلية ر الن جرى ربطها يف الذاكرة الدمشقية القديمة بالكواكب السبعة اإلسالم ،وليس ي ي ٌ ن ٌّ كوكن راسخ مثل باب الفراديس (عطارد) نحو ثابت .لذلك ال يظهر له يف المصادر المتخصصة ًتثبيت ً ر ي عىل ٍ ً ً ُ ن التحصي ال من النظام أو باب الجابية (المريـ ــخ)؛ بل يفهم عادة بوصفه بابا وظيفيا–عسكريا نشأ من تطور الرمزي القديم (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018, Portes et murailles de Damas…, Chapitre III). ً ُ زنك، برسدية دفاعية دقيقة :تنسب فتحة باب الفرج تاريخيا ،يرتبط باب الفرج ٍ الجنوب إىل عهد نور الدين ي ي حي ّ ثم تذكر الدراسة أن الباب ُنقل/أعيد تنظيمه ن توسعت القلعة ن يف عهد الملك العادل ،وأن إعادة البناء ً ُت َّ زمنيا ن رجح ن بي ( 1214حفر خندق القلعة) و( 1225إغراق الخندق بالماء بي 1203و ،1225واألقرب ن ضبط للمسارات ال وه مرحلة تكشف كيف صار الباب أداة ٍ وقطع الطريق بي باب الحديد وباب الفرج)؛ ي منفذ عبور (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018, Portes et murailles de Damas…, مجرد ٍ ن ر Chapitre III).ثم تأئ واقعة بالغة الداللة سنة 799ـه 1396/ف عهد السلطان المملوك برقوق ،ن حي ّي ي ي ن ّ حريق كبت امتد من خارج الباب إىل داخله وأرص بالباب الشماىل بعد تذكر النصوص ترميم واجهة باب الفرج ي ٍ ً ن ٌ ن وبالباشورة المرتبطة به ،ما يضع الباب يف قلب االقتصاد الحضي أيضا :ألنه باب تحرسه النار كما يحرسه الحجر (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018, Portes et murailles de Damas…, Chapitre ً ً III).وبجانب ذلك تظهر تسمية الباب نفسها كعالمة سياسية–نفسية" :الفرج" ليس اتجاها وال شخصا ،بل ن ُ َ موضع من مواضع الحصار ،كأن المدينة تكتب رغبتها بالنجاة عىل عتبتها. عىل ق طل معن ي ٍ ً بعد باب الفرج يبدأ المجال الذي تتشابك فيه األسوار مع قلعة دمشق حقا :أي أن الست بمحاذاة السور ً اب أخرى مرتبطة يدخل منطقة أصبحت فيها القلعة سورا داخل السور ،فتتقاطع مسارات األبواب مع أبو ٍ بالقلعة (كباب الحديد وغته) (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018, Portes et murailles de Damas…, Chapitre III). (هارفارد) المراجع Mouton, J.-M., Guilhot, J.-O. & Piaton, C. (eds.) (2018) Portes et murailles de Damas de l’Antiquité aux premiers mamlouks: Histoire, architecture, épigraphie. Beyrouth: Presses de l’Ifpo. 25 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها جادة ما ن بي السورين: ً ً ً ن جادة ما ن توح به بعض دفاىع" كما جيب بي السورين يف دمشق ليست ممرا ضيقا محصورا داخل " ي ٍ ي ّ ن ٌ يط عمر ن ٌّ ن ائ واضح المعالم يف الجهة الشمالية من المدينة القديمة ،يمتد التحصي النظري ،بل ش أوصاف ي ً ً ً ّ ٍّ ن إنشائ محدد :وجود سورين واقع من اسمه ويأخذ ، غربا الفرج وباب قا ش اديس ر الف باب بي عمليا ي ٍ ً ّ ن ن ن التاريىح األقدم (المسار الذي يعكس خط وئ هو السور ي متوازيي يف هذا القطاع وحده تقريبا .السور ً الجن ر ً ي ن الرومائ /ن ن الشماىل فهو سور نط الذي صار الحقا أساسا للتعديالت اإلسالمية)ّ ،أما السور البت التحصي ي ي ي ُ ً ً ّ ً ن األساس عىل طول األيوئ بوصفه خطا دفاعيا إضافيا يوازي السور أمام متأخر أ قيم يف أواخر العض ً ر ي ي ي ً ر ً ً ر ر ن وبفاصل يتاوح عادة بي 40و 50متا تقريبا ،فنتجت بينهما مساحة طولية ليست يقارب 650متا، ٍ ً ً ّ ن جادة بالمعن الصارم بل "منطقة فاصلة" واسعة نسبيا تسمح بالحركة ،ثم تحولت مع الزمن إىل خندقا ٍ ُ ّ ومتنفس ن حضي تتجاور فيه األشجار والممرات والبناء المنخفض ،وترى فيه المدينة من خارصتها ٍ الشمالية :إىل الجنوب يقوم الجدار القديم بأبراجه وتقطعاته وكتله البازلتية الداكنة ،وإىل الشمال يلوح ًّ ً حارص ٍّ ثانيا أقل مهابة لكنه ن كخط موازي ،بينما ّ عت هذا المشهد السور المتأخر بوصفه حدا يترسب الماء ر ً ر الدمشق ،سواء عىل شكل بردى نفسه أو أحد فروعه وقنواته القريبة ،فتكتسب بصفته قرينا للشمال ي ً ً ً ن ّ وهادئا ،أقرب إىل ٍّ حدين"منه إىل شارع داخل ٍّ فه بي " طويل ممر رطبا طابعا الجادة ح مكتظ ،ومع ذلك ي ي ٍ تالمس من جهة الرسق تخوم العمارة وفضاء باب الفراديس ،ومن جهة الغرب ر تقتب من نطاق القلعة ن التحصي العسكري يفرض لغته عىل المكانLes ،. (Mouton, 2010 وباب الفرج حيث يبدأ ثقل portes et la muraille de Damas : un patrimoine à redécouvrir؛ bornindamascus, ،2019ن بي السورين). باب األروام: ً ً ً ً ِّ ّ ّ آللة حربية بعد باب الفرج يبدأ المشهد بالثقل فورا :السور هنا ال مة ٍ يعود خطا مدنيا عاديا بل يتحول إىل مقد ٍ ً ر أكت ه قلعة دمشق؛ ر ن وتكت نقاط االنكسار والزوايا الحادة ،ويصبح فتداد الكتل الحجرية ضخامة، ر ي اإلحساس بالمكان أقرب إىل تخوم سلطة ال إىل تخوم ّ الغرئ تتجاور الحركة الشماىل ح .عىل هذا االمتداد ري ي ي ٌ ّ اليومية مع ّ ن تلتف عىل حافة الماء ،ثم يشتد حضور القلعة التحصي :أسواق قريبة من الجدار وممرات ظل ً ُ ّ التاىل تاريخيا عند قدم القلعة ،عىل الجهة كأنها تقطع السور وتعيد تعريفه .ن يف هذه المنطقة يتبدى الباب ي ّ ُ الغربية من المدينة ،شمال باب الجابية ،وهو باب النرص؛ لكنه اليوم غي قائم ألنه هدم ن يف القرن التاسع عرس مع ّ شق سوق الحميدية .باب النض لم يكن من "األبواب الرومانية السبعة" بل ٌ باب ُمستحدث :أعيد ُ موضع كان ُيعرف قبل ذلك باسم باب الجنان ،ثم غ ّت اسمه إىل فتحه بعد 1174م عىل يد صالح الدين ن يف ٍ ً ّ ن ائ بطابع "النض" بوصفه كتابة سياسية عىل الحجر تخلد االستيالء عىل المدينة وتطبع المشهد العمر ي الدولةPortes et murailles de Damas de ، (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020 26 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها Chapitre III). ،l’Antiquité aux premiers mamlouksومع الزمن صار باب النض أهم من باب ّ ً ن المملوك ألنه يفتح مباشة عىل قلب السلطة :القلعة أوال ،ثم دار السعادة (دار العدل الجابية نفسه يف العض ي ً ً ُ ّ ّ سد ر سابقا) ّ مقر الوالة ،ر ويبق باب النض (وأحيانا باب حن إن الحصار إذا اشتد كانت أبواب دمشق األخرى ت ُ الفرج) هو المنفذ الذي تدار منه حركة العسكر (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020).يحمل ً ً ً ً ً دقيقاُ :عرف بوجود ِدركاه/رواق عند مدخله ،وبوجود باب ّ شي )(poterne الباب أيضا تاريخا دفاعيا داخليا ٍ ُ ن ن جرس فوق الخندق ،وبوجود مرسفة/منظر استعمل موضع مراقبة يف أزمنة االضطراب، عت يفض إىل القلعة ر ٍ ي ُ ن ّ الخارح د ّمر متمردين ،لكن هذا الباب خارح" أمامه يف 1390–1389م عىل يد أمراء باب ثم شهد إضافة " ٍ ر ي ر ي ً بمرسوم بعد 1391إلزالة أثرهم ،بينما بقيت البوابة األصلية زمنا أطول (Mouton, Guilhot & Piaton, ٍ ّ مملوك، 2018/2020).وأما كوكبه فتتبط بطبقة متأخرة من التأويل :يذكر أبو البقاء البدري ،وهو مؤلف ي ّ ّ أن هذا الباب كان ُم ً ر تعت عن المشتي بوصفه الحارس هدى إىل كوكب وه نسبة ر ي اإلله القديم للمدينة ،ي ن ن ن كوئ (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020). ٍ رغبة يف رفع الباب من وظيفة سياسية إىل معن ي ن فق مطلع القرن السادس عرس غلب عليه اسم باب دار وللباب أسماء أخرى ال تقل داللة عن اسمه األشهر :ي ً ن العثمائ صار ُيعرف باسم باب سوق األروام أو اختصارا باب األروام السعادة أو باب السعادة ،ثم ن يف العهد ي ً ً نسبة إىل السوق الذي نشأ عند قدم القلعة ،قبل أن ُيزال الباب نهائيا سنة 1863مع فتح سوق الحميدية؛ ن ً ر ُ يبتلعه العمران حارصا ن يف نسيج المدينة ،بينما غاب حجره الذي كان يعلن االنتصار ثم بق موضعه وبذلك ي الحديث (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020). (هارفارد) المراجع Mouton, J.-M., Guilhot, J.-O. & Piaton, C. (2018/2020) Portes et murailles de Damas de l’Antiquité aux premiers mamlouks: Histoire, architecture, épigraphie. Beyrouth: Presses de l’Ifpo, Chapitre III. باب الجابية : الغرئ الشماىل ،يهبط المسار بمحاذاة السور نحو الجنوب الغرئ بعد اجتياز موضع باب النض ن يف القطاع ري ي ري المدين ر نّ أكت مما يحتفظ بطابع القلعة العسكري الخالص .ن يف هذا االمتداد حيث يستعيد الجدار طابعه ي ّ ر تختلط كتلة السور بالعمران المتاكم ،وتصبح قراءة الحجر متقطعة ألن البيوت والمتاجر تستند إىل الجدار ّ أو تحجبه ،غت أن خطه يقود بثبات إىل البوابة الغربية األبرز :باب الجابية .ريتّب ـع هذا الباب عىل الطرف 27 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ً ر ن الرومائ العظيم المعروف بـ (Via Rectaالشارع قطن الشارع ي النقيض تماما من باب ش يف ،بوصفهما ر ي ر المستقيم)؛ فإذا كان باب ش يف عتبة الرسق وبداية المحور ،فإن باب الجابية هو عتبة الغرب ونهايته ،ورأس الغرئ (Sauvaget, 1934؛ Burns, الفيا ريكتا الذي تخرج منه المدينة إىل مسالك الغرب والجنوب ري ً ً ن ّ 2005).وبذلك ال ُيفهم باب الجابية كفتحة يف السور فقط ،بل كعقدة تخطيطية :بوابة تتوج محورا عمرانيا ً ّ ً حن بعد ّ حيا نف تنظيم المدينة ر تغت الدول والعهود. إمتاطوريا ظل ر ي ن افيا أبعد من دمشق نفسها :فـ "الجابية" إحالة إىل مدينة/موضع تل الجابية يف يحمل الباب اسمه من جغر ٍ ً ً ن حوران/الجوالن ،وهو مر ٌ ن اإلسالم بوصفه محطة تاريىح ارتبط بالغساسنة ثم صار معروفا يف أخبار الفتح كز ي ي ُ ّ ر الن تقود إىل ذلك م الباب "باب الجابية" ألنه يفتح عىل الجهة ي أساسية عىل طرق الجنوب ،ولذلك س ي اتجاه وطريق قبل أن يكون باب حجارة (Burns, 2005).وبــهذا المع نن يصبح االسم الموضع ،أي أنه باب ٍ ً خريطة عىل الحجر :الباب يعد بالطريق قبل أن يفتحه. ّ ن التاريخ"مدخل :ر لقت الشهاب ن يف كتابه "معجم دمشق يذكر قتيبة سن جابية أن التسمية من أوهام العامة ً ر ٍ ي ي ي ِّ ّ ّ مجهول النسبة يقع قرب باب الجابية ،وبذلك يكون هو من أوضح من سجل هذا التفسي وقيده نقديا ال ً ً ً ً بوصفه حقيقة اشتقاقية ،بل بوصفه اعتقادا شفويا متأخرا ملتصقا بالمكان. (الشهائ ،1999 ،معجم دمشق ري ن يىح). التار ي ينتم باب الجابية ن يف أصله إىل نموذج البوابات الرومانية الثالثية الفتحات ،مثل ومن الناحية المعمارية، ي باب ش ر يف :فتحة مركزية عريضة كانت مخصصة للعربات والمرور الكثيف ،وعىل جانبيها فتحتان أصغر للمشاة .ومن هنا يظهر نف بعض التداول التفريق ن بي باب الجابية الكبت وباب الجابية الصغت ":الكبت" هو ي ن ن ن الفتحة الرئيسية/المدخل المركزي ،و"الصغت" إشارة إىل إحدى الفتحتي الجانبيتي اللتي كانتا تتبعان ّ الثالئ ،قبل أن ُت ّ ر غت التعديالت الدفاعية المتأخرة هذه البنية وتحد من عدد البوابة األصلية ضمن نظامها ي ً ُ ً ُ فتغلق بعض الفتحات أو تضبط ك ال ر يبق الباب مدخال مكشوفا (Sauvaget, 1934؛ الممرات الفاعلة، ي ً ُ ّ Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020).هذا التفصيل يفرس أيضا لماذا استعملت عبارة "الجابية ً ً الكبت/الصغت" ن يف بعض روايات الفتح بوصفها توصيفا لمنافذ داخل باب واحد ،ال بوصفها أبوابا مستقلة متباعدة. ً تاريخيا ،ارتبط باب الجابية بأثقل لحظات المدينة السياسية ،ن وف مقدمتها حصار دمشق وفتحها سنة ي ن أئ عبيدة بن الجراح ،ودخل منه قسم من الجيش فق أشهر الروايات تمركزت عنده قيادة ر ي 14ـه635/م؛ ي وفق صيغة الصلح ،بينما ر اقتنت بوابة الرسق برسدية االقتحام ،فصار باب الجابية ن يف الذاكرة باب التفاوض فتح تعددت فيه أشكال الدخول( ابن كثت - ،البداية والنهاية .ثم عاد الباب إىل صدارة والتسوية نضمن مشهد ٍ ن ن األكت يف حاالت الغرئ هو المدخل الذي يستقبل الضغط التحصي يف العصور الالحقة ،ألن المدخل ر ري ً الحصار القادمة من السهل ومن طرق القوافل ،فخضع لعمليات ضبط دفاىع جعلته أقل انفتاحا ر وأكت ٍ ي ً ُ ً ن ن ر ّ ّ / تعقيدا: ائ) يك ال يبق الباب ثغرة مباشة بر (جوائ مزدوج نظام إىل المرور ل وتحو الباشورة، فكرة دخلت أ ٍ ي ي ً ً ن يف الجدار ،بل ممرا خاضعا للتأخت والرقابة ،وتزايدت الكتل الحارسة فوقه وحوله بما يتالءم مع تقنيات ّ الحرب المتبدلة (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020).وبقدر ما كان باب الجابية نقطة حرب، 28 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ً ن ودكاكي ومسارب ،ثم كان أيضا نقطة سوق؛ إذ إن كثافة الحركة عنده جعلت محيطه موضع ازدحام تجاري ً ًّ ّ ن دورة شهدت هذه الزوائد شدا وجذبا مع السلطة كلما ضاقت حركة العبور أو خفت الحاجة الدفاعية ،يف ٍ ُتظهر كيف ينتقل الباب ن بي منطق العسكر ومنطق االقتصاد داخل العتبة نفسها & (Mouton, Guilhot Piaton, 2018/2020). ُ ن وف الطبقة الرمزية ر الن ربطت أبواب دمشق بالكواكب السبعة ،نسب باب الجابية إىل المريـ ــخ ،وهو إسناد ي ي ً ً ً ً ً عسكرية ّ حساسة تكررت عندها لحظات الحصار ينسجم مع صورة الباب بوصفه مدخال غربيا ثقيال وعتبة ّ والحدة ليحرس ن ن معن التحصي ،كأن المدينة وضعت عىل بوابتها الغربية كوكب القوة والتفاوض وإعادة ٌ العبور من جهة الحرب قبل جهة التجارة .بهذه اإلضافة يستعيد الباب ازدواجيته الكاملة :طريق يفتح عىل أرص يجاوره ٌ ّ ٌ ٌ واسم ن ٌّ ن سماوي. قرين تحصي، فتح وذاكرة ي الجابية وما وراءها ،ومحور يختتم الفيا ريكتا ،وذاكرة ٍ (هارفارد) المراجع Burns, R. )(2005 Damascus: A History. London: Routledge. ( Ibn Kathir, Ismāʿīl ibn ʿUmarدون تاريـ ــخ) Al-Bidāya wa al-Nihāya. Beirut: Dār al-Fikr. Mouton, J.-M., Guilhot, J.-O. & Piaton, C. (2018/2020) Portes et murailles de Damas de l’Antiquité aux premiers mamlouks: Histoire, architecture, épigraphie. Beyrouth: Presses de l’Ifpo. Sauvaget, J. (1934) Esquisse d’une histoire de la ville de Damas. Paris: Librairie orientaliste Paul Geuthner. باب الصغت ّ ً قطاع تتبدل فيه الغرئ ،ن يف بعد باب الجابية ينحرف الست بمحاذاة السور من الغرب نزوال نحو الجنوب ر ي ٍ ً ً ّ ّ تماس مباش مع الماء كما ن يف الشمال ،بل يجاور حركة برسية طبيعة الحد نفسه :فالجدار هنا ال يقف عىل ّ ر الضواح. يخف حضور أكت كثافة ،حيث تتداخل التخوم الدفاعية مع تخوم األسواق والطرق الخارجة إىل ي ً ن تختق "الواجهة الحجرية المكشوفة" ويزداد حضور السور بوصفه دعامة خلفية للعمران؛ مقاطع كاملة ًي ً يوما ممراّ فتحة كانت برج قديم أو عند انكسار أو عند قاعدة بيوت التصقت به ،ثم يعود ليظهر ن يف خلف ٍ ٍ ٍ ٍ ً مراق ًبا .خارج السور تبدأ مالمح الشاغور واالمتدادات الجنوبية الغربية ر الن ستنفتح الحقا نحو الميدان ،بينما ي ٌ ً ٌ داخل السور ّ ات ن : تفض ن يف ر ومسا ى، الكت األسواق إىل تتجه أزقة بخيطه ممسكا يظل النسج القديم للمدينة ر ي ّ ر الن تتبدى كعالمة انتقال من "غرب المدينة" إىل "جنوبــها". النهاية إىل العتبة التالية ي هنا يظهر الباب التاىل عىل ّ خط السور بوصفه باب الجنوب الغرئ :الباب الصغي ،وهو ٌ باب ال يحمل رهبة ر ي ي ً تماماٌ : ن باب مرتبط منذ وقت مبكر الغرئ ،بل يحمل رنتة مختلفة المدخل صخب وال الرومائ المحور ر ي ي ً ن التاريىح بالمقابر والذاكرة الجنائزية للمدينة ،ألن الخارج من هذا الباب يدخل شيعا إىل فضاء المقابر ي ً المعروف باسم مقية الباب الصغي ،وه من أشهر مقابر دمشق وأقدمها ر وأكتها حضورا ن يف الذاكرة الدينية ي ُ ّ ن واالجتماعية .لهذا ي ُ وظيق فقط؛ إنه بوابة ُت ن فض إىل منطقة تذكر كمنفذ الصغت الباب صعب النظر إىل ٍ ي ي ّ المدينة بما تخرجه من داخلها ر أكت مما تذكرها بما تدخله إليها. 29 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ُ َ نف طبقة التصنيف الرمزي ر الن تربط أبواب دمشق بالكواكب السبعة ،ارتبط الباب الصغي بكوكب زحل، ي ي ً ّ منطقيا مع مزاج المكانٌ : وبالحد الفاصل ن بي جنوئ ،شديد الصلة بالمقابر، باب ينسجم الذي اإلسناد وهو ُ ري ن والتودة الحياة اليومية داخل المدينة ومجال الموت خارجها ،وزحل يف المخيال القديم كوكب الثقل ر والنهاية .ال يعمل هذا اإلسناد بوصفه “حقيقة فلكية” ،بل بوصفه طريقة قديمة لقراءة الجغرافيا عىل أنها نً ن كوئ. معن ي ً ً ّ ر الن يرد ذكر الباب الصغت ضمنها تاريخيا فتعود أوال إىل زمن حصار دمشق وفتحها سنة أما أهم األحداث ي حي تذكر روايات توزيـ ــع القوات أن بعض قادة الفتح رابطوا عند األبواب الجنوبية ،ر 14ـه635/م ،ن ويأئ ي ً الباب الصغت ضمن هذا األفق بوصفه جزءا من الطوق العام الذي أحكم عىل المدينة مخارجها ،ر حن لو ن ر بقيت "لقطة الفتح المؤسسة" مرتبطة ر أكت بباب ش يف وباب الجابية .ثم يتقدم الباب الصغت يف ذاكرة ر ُ عت العصور دفن واستقرار :قربه دمشق ال بوصفه بوابة الن دفن فيها ر ر ٍ المقتة ي حصار فقط ،بل بوصفه بوابة ٍ ّ عبور من لمجال كامل خارج األسوار ،فصار الباب عالمة اسم ٍ عدد كبت من أعالم المدينة ،وتحول اسمه إىل ٍ ٍ ّ المقدس" إن ّ ّ صح التعبت؛ هامش ال يضعف فيه ال ن صيغة معن ،بل يتكثف ن يف المسورة إىل "هامشها المدينة ٍ ٍ ً ً ن ُ ر ّ ن يوم أخرى .ولهذا أيضا ظل الباب الصغت أقل قابلية ألن يختل يف وظيفة عسكرية ،ألنه عاش طويال رٍ كمعت ي ن والمقتة ،ن السكن والخارج الجنائزي ،ن ن بي الوقت العابر والذاكرة الطويلة. بي السوق بي الداخل ر ي ً ً الن يفتح عليهاُ ، مقرونا باسم المنطقة ر فيقال "باب الشاغور" بوصفه أحيانا ومن حيث االسم ،يرد الباب ي ً ن ٌ التباس قديم بينه ن وبي تعبتات مثل الجنوئ داخل المدينة ،كما يظهر يف بعض النصوص توصيفا لمجاله ر ي ً ُ "باب الجابية الصغت" ن يف روايات الفتح ،وهو التباس سببه أن كلمة "الصغت" كانت تستعمل أحيانا للداللة عىل فتحة جانبية نف باب كبت ،ال ن الجنوئ باب مستقل؛ غت أن "الباب الصغت" ن يف موضعه بالضورة عىل ٍ ري ي ٍ ً ً ً ُ ّ ً ر ّ ن وبالىح ،ومحمال بطبقة معن ال تشبه ما تحمله بوابات الشمال والرسق. بالمقتة بق اسما قائما بذاته ،مقرونا ر ي ي (هارفارد) المراجع Burns, R. )(2005 Damascus: A History. London: Routledge. ( Ibn ʿAsākir, ʿAlī ibn al-Ḥasanدون تاريـ ــخ) Tārīkh Madīnat Dimashq. Beirut: Dār al-Fikr. ( Ibn Kathir, Ismāʿīl ibn ʿUmarدون تاريـ ــخ) Al-Bidāya wa al-Nihāya. Beirut: Dār al-Fikr. Mouton, J.-M., Guilhot, J.-O. & Piaton, C. (2018/2020) Portes et murailles de Damas de l’Antiquité aux premiers mamlouks: Histoire, architecture, épigraphie. Beyrouth: Presses de l’Ifpo. باب كيسان : 30 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ً ّ فيتغت اإليقاع الجنوئ لدمشق القديمة، بعد الباب الصغي ينحرف المست بمحاذاة السور شقا عىل الضلع ر ي ً ً ّ ً ن التاريىح الذي جعل هذا الجزء من المدينة ر ن أكت هدوءا وأقل انغماسا يف فورا :خارج السور يمتد فضاء المقابر ي صخب األسواق ،وداخل السور تتكاثف تخوم الشاغور وأحزمة السكن القديمة ال رن تلتصق بالجدار ر حن ي ً ٌّ ن ٌ جدار ن ٌّ أكت؛ يبدو السور أحيانا كأنه خلق للمدينة ال حد مستقل .يف هذا االمتداد تظهر طبقات البناء بوضوح ر ًي ات خفيفة كتل تأسيسية أقدم ر وأكت حجما تتلوها مداميك بازلتية داكنة من ترميمات الحقة ،مع انكسار ٍ ً ر ر تفضح ر التاىل هنا الجنوئ الرس يف حيث يصبح السور أكت “تحصينا” وأقل اقتابنا من الركن ر “واجهة” .الباب ي ي ً تاريخا مرّك ًبا :ن هو باب كيسان ،بوصفه عتبة االنعطاف ن فق الذاكرة المسيحية بي الجنوب والرسق ،وقد حمل ي ن ّ ً ن وه رواية مذكورة يف نصوص ارتبط هذا الموضع بقصة إنزال بولس من السور يف سلة هربا من المطاردة ،ي نُ ن اإلسالم يظهر هذا القطاع ضمن الطوق العام الذي رصب عىل أبواب المدينة وف ذاكرة الفتح العهد الجديد، ي ي بي الصلح ُ والعنوة ،ثم رتتاكم حوله طبقات التحصين سنة 14ـه635/م قبل أن ُتحسم رواية الدخول ن ً ً ر الجنوئ الرس يف .ووفق منهج “الكواكب السبعة” الذي يعتمد هذه الوسيط بوصفه جزءا حساسا من الجدار ر ي ُ الرحلة بوصفه طبقة رمزية موازية ،فإن باب كيسان ُيهدى إىل ز َحل ن يف رواية حسن البدري ،فيغدو الباب ً ً ً ً ّ عتبة تتجاور عندها الذاكرة قرين الثقل والحد والنهاية ،ال تفستا للتاريـ ــخ بل عالمة فوقه :حارسا سماويا عىل ٍ الدينية مع ذاكرة الحصار ومع لغة الحجر الدفاعية . (al-Badrī,دون تاريـ ــخNuzhat al-Imām fī ، Maḥāsin al-Shām؛ Portes et murailles de ، Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020 Damas de l’Antiquité aux premiers mamlouks؛ The Holy Bible, Acts 9:25; 2 Corinthians 11:32–33؛ Ibn Kathir,دون تاريـ ــخAl-Bidāya wa al-Nihāya). ، ً ّ ر ن ن نطيي ،وقد ُعد ن يف والبت الدمشق بوصفه بوابة عتيقة من طبقة الروم تبدو صورة باب كيسان ن يف التاريـ ــخ ي ُ ً تقاليد المدينة واحدا من األبواب السبعة المنسوبة إىل الكواكب ،بل تروى خصوصيته بأنه حافظ عىل صورة ً ً ّ سجل الوقائع العسكرية مبكرا إذ يرد ضمن زحل عىل واجهته زمنا أطول من سائر األبواب ،ثم يدخل الباب ن يف ً ر الكتى مثل حصار الن حارصها جيش الفتح سنة 14ـه635/م ،ويتكرر ذكره الحقا عند المحن ر طوق األبواب ي ن أئ عون عنده ،ثم حادثة سنة 197ـه813–812/م العباسيي لدمشق سنة 132ـه749/م وتمركز قوات ر ي ن حي تمكن رج ال ابن بيهس من اقتحام المدينة بتسلق السور بالساللم قربه ،ثم قتال سنة 363ـه–973/ ن وف طبقة التسمية يظهر انتقال من صيغ مثل باب قيان إىل استقرار 974م خالل اضطرابات الحكم الفاطم ،ي ي اسم باب كيسان مع روايات تربطه بكيسان أئ حريز ،بينما يذكره المقدس وحده باسم باب الكبتّ ،أما فن ري ي ُ ن ّ ً يً الذاكرة المسيحية فقد ر ن اقتنت هذه العتبة بقصة بولس الرسول حي أنزل من سور دمشق يف سلة ليال هربا ن ر يأئ التحول الحاسم نف العض الزنك ن حي تقرر إغالق ي وه رواية مذكورة يف العهد الجديد ،ثم ي ي من المطاردة ،ي ر ن الباب وتسويره ن يف فتة بي 549ـه1154/م و564ـه1169–1168/م ألسباب دفاعية تتعلق بضعف الجدار ً ر ً ر ر ر مئن سنة ،قبل أن ُيعاد فتحه رسميا سنة 765ـه1364–1363/م ري الجنوئ الرس يف ،فيبق مغلقا أكت من ي ن ُ القبىل مع إنشاءات جديدة مثل القبو والجرس والباشورة ،ثم ال يلبث أن يغلق مرة ثانية يف أواخر باسم باب ي ن ُ القرن الرابع عرس يف سياق اضطرابات المماليك ،ليصبح الباب الوحيد الذي لم يعد يفتح بعدها كمدخل من ّ ر ر الن ارتبطت مداخل المدينة ،وبقيت شهرته الالحقة معلقة أكت بذكرى بولس الرسول وموضع الكنيسة ي بالمكان من كونها متصلة بوظيفته الدفاعية األوىل، (Mouton, Guilhot & Piaton, 2018/2020 31 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها Portes et murailles de Damas de l’Antiquité aux premiers mamlouks؛ The Holy Bible, Acts 9:25; 2 Corinthians 11:32–33). ر ُّ ّ ر خط السور ر كيلومتات حن باب كيسان ،فإن الرحلة تقطع قرابة ثالثة إذا بدأ المست من باب ش يف واتبع ً ً ً ساعة ونصف ن المش يتباطأ حي إىل تمتد وقد هادئة، بخط ساعة يقارب زمنا وتستغرق ، تقريبا ونصف ٍ ي ُ ُ ن ّ ن تكتق بالوصول بل ت ِض عىل الفهم .غت أن خاتمة هذا الدوران ال تقاس بالمسافة ،بل بما يكشفه ألن العي ال ي ً ً ً ّ الحد نفسه :فسور دمشق ال يعمل هنا بوصفه فاصال رصيحا ن بي المدينة والخارج ،وال بوصفه درعا نجح ً ً ن دائما نف الحماية؛ بل بوصفه “خط ن معن” ُرسم ليصنع مدينة قابلة للتعريف .لقد كان السور ،يف جوهره ي ًّ ّ ٍّ سماوي انعكس عىل األرض كما ّ ن ن : تخيله بناة دمشق األوائل ،فوزعوا عىل عتباته عالم عالمي بي ا األعمق ،حد ٍ ً ً ن ً ر ٍّ خارح مفتوح ال شكل له وعالم أسماء وكواكب ورموزا تجعل الدخول والخروج فعال له صدى يف السماء، ٍ ي ً ً ً ّ يحدد ما الذي ُي ّ سم “دمشق” وال مركز .لذلك لم يكن السور شيطا يحبس الخطر خارجا بقدر ما كان إطارا ّ ُ ً ّ ينته ظلها ،وكيف تمسك مدينتها بحدود عالمها قبل أن تمسك بسالحها .إن أصال :أين تبدأ جنتها ،وأين ي الدوران حول السور يكشف أن المدينة لم تكن ُتصان بالحجر بقدر ما كانت ُت َّ عرف به؛ وأن السور لم يكن ً ُ ّ معن ،وللخارج ن نظم الرؤية ،يضع للداخل ن معن آخر ،ويجعل دمشق ،قبل دفاع فحسب ،بل خطا ي جدار ٍ ً ً ُ َّ لكون صغت مؤطر بالحجارة. أن تكون مكانا للعيش ،صورة مكتملة ٍ 32 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ُمدقق سلسلة: "األساطي من دمشق". 1 دمشق ن بي سورين تأليف: الذهن فارس ري رحلة تخييلية مع سور دمشق. C2026 جميع الحقوق محفوظة C 2026 33 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها 1 ن ن بن البرس ،ال يعلم أي منا ه كانت موجودة مذ قرر الزمان فتح عينيه أمامنا نحن ي يف زمان ما ،كانت دمشق .ي من كان ذلك ،و لكنه التاريـ ــخ الذي منح تلك البقعة من األرض نعمة أن يسكنها البرس ،أنهار و ن ر خضة و طقس جميل. ً ً ُ ن لك يحموها من الغزاة و األعداء ،أو لك يبعدوا عنها الوحوش الضارية ،و ي بن األجداد سورا عظيما للمدينة ي لك يسمحوا لجميع من يريد اللوذ من البرس بذلك الجدار أن يلجأ إليها ن يف ساعات الظلم و الظالم، ربما ي وهكذا اهتم الجميع بذلك السور ،سور دمشق ،الجدار الحجري العظيم ،الشامخ حول دمشق ،ونقلوا الحجارة الضخمة من كل مكان ،نحتوها بدقة ،و تعاونوا عىل رفعها فوق األحصنة و البغال ووضعوها بعناية ً ً األهاىل ،من يسكن المدينة و من يسكن خارجها ،وبما أن دمشق يحم طوقا يرفعوا كيما حجر فوق ا ر حج ي ي ً ن ه أقدم مدينة يف العالم ،لذلك كان سورها هو أقدم سور حماية ُمشيد حول مدينة ال يزال مستخدما ي ً ن ر الن يضبــها األعداء ،و يرممون أبراجه، وموجودا إىل يومنا هذا ،كان ي األهاىل يهتمون بالسور ،يصلحون فجواته ي ن يرفعونه كلما اشتد الظلم ،ويــهملونه يف أيام الرخاء ،كان السور نقطة التقاء لجميع سكان المدينة و خارجها، ن ر الخضة حوله ،و هو األمل لمن الن تعيش ن يف نطاق ضخم من هو الحام و هو األمل األخت لجميع العائالت ي ي ً يحم من األعداء فقط ،بل يمنع التواصل كذلك ،صنع الناس أبوابا يسكن منهم داخله ،وألن السور ال ي ً كثتة فيه ،يك تستمر القوافل ن يف الدخول و الخروج بحرية ،ووضعوا فوق البوابات الضخمة أبوابا كبتة ،نقلوا ن بساتي الغوطة و أشجار الجوز الكثيفة فيها ،لم تكن البوابات عشوائية بل كانت مرتبطة أخشابها من ً ه عالم سكان بالكواكب حيث كان مخطط السور بالنسبة لهم انعكاسا لمخطط السماء ،فإن كانت المدينة ي ً اما أن تكون األبواب ه نوافذ لبقية الكواكب نف تواصلها مع شة األرض فن المدينة و ريفها ،لذلك كان لز ي ي ي ر المدينة ،فوضعوا األبواب وربطوها بالنجوم فباب ش يف مرتبط مع الشمس ،وباب توما مرتبط مع الزهرة، وباب السالم مرتبط مع القمر ،وباب الفراديس مرتبط مع عطارد ،وباب الجابية مرتبط مع المريـ ــخ ،والباب ر ر ه العالم كله ،محاطة بجنة الصغت مرتبط مع المشتي ،وباب كيسان مرتبط مع زحل .حن لتبدو المدينة ي ن البساتي ن يف غوطتها ،منفتحة عىل الكون ببوابات تربطها مع الكواكب و النجوم .يا للبهاء. من ن السني ،لم يعد لهذا السور من جدوى، تعاون الجميع من أجل إنجاز هذا السور العظيم ،و لكن بعد مئات ً ً ن فالمدينة اتسعت ،و بات عدد سكانها كبتا جدا بحيث لم يعد من الممكن أن يسكن الناس يف داخل السور ن ن ن الخضة و الماء ،و المساحات اص الموجودة خارج السور ،حيث فقط فبدأ ي األهاىل ببناء مساكن لهم يف األر ي 34 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ن السني تكاثرت البيوت و المساكن و الدور و الحوانيت و المشاغل ،و صارت أحياء خارج التاح ،ومع تقادم ر السور مساوية ألحياء داخل السور .تناس الناس السور و انشغلوا عنه و صارت بيوتهم تستند إليه ،فتحوا من ن بي صخوره الضخمة شبابيك يطلون منها إىل الخارج ،وضعوا أصص الزهور والريحان عليها ،و أسندوا ر المتي .ولكن بقاء السور أمر ال جدال فيه ن ن فبق بي دكاكينهم عىل جداره الصلب ي األهاىل رغم انعدام دوره ،ي ر الن لم يقسم الدور و البيوت بشكل طبيغ ،بواباته السبعة الشهتة أصبحت مداخل لألحياء ،تلك ًالبوابات ي ي ر تكن تفتح إال مع شوق الشمس ،وتغلق مع مغيبها ،تراكم التاب تحت مزالقها ألن أحدا لم يغلقها منذ سنوات. ن ن كتت المدينة بشكل هائل ،واتسع دورها ،لم يرق هذا لجميع يف زمان ما يف تلك األيام من القرون الماضية ،ر ر الن كانت موجودة داخل السور ،أصبحوا يعايرون ويتمايزون عن سكان سكان مدينة دمشق ،فأبناء البيوت ي ر ر الن لم بيوت خارج السور ،بأنهم األقدم ،و األكت أصالة و عراقة ،بسبب أن بيوتهم قديمة قدم المدينة ي ر ه بيوت جديدة لم يتعدى زمن بنائها مائة عام الن بنيت خارج السور ،ي يعرف تاريـ ــخ لبنائها .بينما البيوت ي بعد. كان البرس فيها لم ينضجوا بعد ،مثلهم م ُ ثل بقية نبن االنسان ،يبحثون عن أي سء يفرقهم و ن يمت فيما ي ي التميت يتم حسب ر ن العائىل و التاء والفقر ،أو حسب لون البرسة ،أو حسب النسب بينهم ،ن يف بالد أخرى كان ي األصول ،لكن نف دمشق صار التنابز والتمايز ن بي :أهل داخل السور ،و أهل خارج السور. ي 2 كانت السنونو تضخ نف سماء المدينة ،صوتها كان يشق حزن سماء المساكن ر ن السني الن تقبع ن يف ظالم و رماد ي ي ً ً ن ُ ر ُ واختتته مرارا ،سبع ِعجاف ،بدأت المجحفة ،كانت دمشق يف تلك الفتة من تاريخها تمر بما مرت به سابقا، ر ً بطوفان هاجوج و ماجوج الذي يتكرر دوما ،غزوات من أقوام مجهولة أحرقت مدائن الشام كلها ،و هو ما قد ُ ً حذر منه حكماء المدينة األربعون ،الذين قتلوا شيخا تلو شيخ ،كانوا يسمون "األبدال العظام" ،الذين يحمون المدينة القديمة من كل الغزاةّ ، ن ن ن القادمي، الغاضبي سكاكي مئات اآلالف من خروا رصىع تحت سيوف و ممن تدفقوا بعد انهيار السد ن يف الرسق ،عىل األقل هكذا تقول األسطورة ،و هكذا قالت الكتب المقدسة ،و ً لكن أحدا من هذا الزمن لم يستمع لما قاله األبدال ،أو روته األساطت الشفاهية ،كان أهل المدينة فيما قبل يعتتون أن "أهل أول" قد بالغوا ن يف تكديس مخاوفهم تجاه اآلخرين، االجتياح يسخرون من تلك األساطت ،و ر ن الماص و مذابح القرون المنضمة من أجل تبجيل أجدادهم فقط. وضخموا معارك ي ر ن الحكوائ العجوز ن يف المنمقي ممن شهدوا نهضة المدينة كانوا يسخرون مما يردده شبان المدينة األثرياء ي ً ر ن ن ن الحكوائ بشدة ،و لكنه يتابع شد مقاه األحياء القديمة .كانوا أحيانا يضبونه بالزبيب عىل وجهه فيتعج ي ي ر الن كان يمثلها سو التفاصيل المريعة ي قصته عىل العجائز واألطفال ،الذين كانوا يرتجفون لشدة الوصف القا ي ُ ن ر الحكوائ ،األسوار تهدم ،و األبراج ر تحتق ،البوابات تخلع من مكانها ،سيدات تسحلن من شعورهن يف وسط ي المدينة ،ن يف الشوارع العامة ،رجال يزحفون بيأس أمام قاتلهم و يرجونه عدم قتلهم كما ذبح المئات من قبلهم ً ر الحكوائ مرتديا طربوشه األحمر و الجبة الحريرية المطرزة عىل الطاولة أمام أعينهم ،كانت نرصبات سيف ي 35 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ن لشء لم يعيشونه ولكنهم تربوا عىل سماعه و الحديدية تثت الرعب يف قلوب العجائز ،فيذرفون الدمع ي التحذير منه. ً ً ر ابثي ،لم ر الهي ،ع ن ن يكتثوا لما يقول، الحكوائ العجوز إال نذيرا صادقا ،و لكن شبان المدينة كانوا لم يكن ي ً ً ن فهو يردد ذات القصة مذ كانوا أطفاال ،وهم يف حقيقة األمر لم يروا شيئا مما كان يقول .فكانوا يملون مجلسه ً نف المقه ،ر ويتكونه ليخرجوا إىل شوراع المدينة العتيقة ،يحثون الخط ن يف أزقتها و زواربيها بحثا عن تسلية. ي ن السنونو كانت تطت مثل طائر مجنون يف سماء المدينة ،تزعق مثل نفت قادم من السماء ،دون أن يستمع ً ن الماليي من سكان المدينة ،وبقيت إليها أحد ،كانت السنونو طائر دمشق المفضل ،لم ترحل أبدا كما فعل وحيدة لتحذر أهل البلد. ن ن ح يف تلك األيام كان الشبان أو القبضايات ينظمون أنفسهم يف تجمعات يطلقون عليها اسم "العصبة" ،كل ي ن األهاىل، تكق ي أو مجموعة أحياء شكل عصبة من شبانه يك تحميه و تزود عن أهلهُ ،األعمال كانت قليلة ،بالكاد ي ر وه كناية عن ثوب كان اهق ي ح الورد قد شكلوا عصبة أطلقوا عليها "عصبة القنباز" ي فكان الشبان من مر ي الدمشقيون يلبسونه للداللة عىل الفخامة و األناقة ،ثوب مصنوع من القطن و الحرير المطرز بالصايا ،و ً الموس بالقصب أحيانا ،جميل المنظر. ً كانت ُعصبة القنباز ،بقيادة شاب ن يف السابعة عرسة من عمره ،يطلق عىل نفسه اسم السنونو ،تيمنا بطائر دمشق ،صفات السنونو قائد المجموعة كانت تشبه صفات عصفور السنونو ،فهو نزق وشيـ ــع الغضب، ً جدا ،و خفيف ،يبات نف كل األماكن دون أية مشكلة .صديقنا السنونو كان يعيش نف آخر الىح ،نف ن ن متل شيـ ــع ي ي ي ي صغت برفقة والده المريض الذي ال يستطيع الست بسبب حادث تعرض له منذ سنوات طويلة حينما كان يعمل ن يف سوق الحبوب ،حيث كان يعمل ن يف نقل أ كياس الحنطة ،فناء بحمل الكيس ثقيل الوزن فوق ظهره، ً مما سبب له كرسا ن يف الظهر .فجلس ن يف البيت يصنع السبحات و المطرزات يك يبيعها ابنه السنونو ن يف األسواق إن أراد. ً ن يف البيت أيضا كانت تعيش شقيقته داليا ،فتاة جميلة يافعة ،بخدود حمراء يانعة ،كانت تعمل مع عرسات الفتيات ن يف الدباغات يك تؤمن لعائلتها القليل من النقود. ً عصابة القنباز ر الن كان السنونو يقودها كانت تضم عرسة أو خمسة عرسة شابا ،جميعهم أصدقاء للسنونو ي ن الخياطي. عىل رأسهم شاب يطلق أصحابه عليه إسم الخياط ،و كان يعمل ن يف سوق ً ليال. ثانيهم كان صديقه الدومري الذي كان يعمل برفقة والده ن يف إيقاد قناديل الزيت ن يف شوارع المدينة ّ ر الن الىح، تحم ىع أنها كانت عصبة القنباز تد ي ليس ألحد أن يعرف ممن! لكنهم كانوا سعداء بهذه المهمة ي ي ي ً أوكلوها ألنفسهم ،جميعهم كانوا يملكون سكاكينا صغتة ،ال يعرفون كيفية استخدامها الصحيح ،لكنها كانت مدعاة فخر و ر ن اعتاز بالنسبة إليهم ،مع قبضات حديدية صنعت ن يف ورشة الحداد الشهت أبو فهد ،الذي كان ابنه فهد من أعضاء العصبة . مكان لقاء عصبة القنباز كان خرابة المنارة ،و هو بيت قديم مهجور كان األصدقاء يلتقون به و يتبارون ن يف ر ر الن كان أغلبهم يعمل بها ن يف فرقة المصارعة والقتال البسيط ويتدربون فيه عىل رقصة السيف والتس ي 36 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ن الرقص ،لكنهم مثل كل مر ر اهق ذلك الزمان كانوا يقضون الوقت يف اللعب والمبارزات .كانت العصبة مؤلفة ي ً من شبان جميعهم من سكان داخل السور .ولم يكونوا أبدا ليقبلوا بأن ينضم إليهم أي شاب من خارج السور. ن يف ي وم من األيام دخل عليهم شاب يدىع البندوق ،والبندوق هذا كان من سكان المدينة ،قدم أهله إىل ً ُ ن ر وبق وحده المدينة منذ زمن ليس ًبعيداً ،وسكنوا فيها ،ال أقارب لهم ،وال معارف قديمة ،ي توف والد البندوق ي ن ر الن ال مثيل يعيش مع أمه ،كان شابا ذكيا أقرب إىل الخبث ،يعتاش من مهاراته يف الدق أو العزف عىل ًالطبل ي ن ن ن ن المقاه و المطاعم ،خبيثا يعمل يف االحتيال لها ،يتواجد يف كل مكان ،يف األسواق و الحارات و الخانات ،يف ي ً ن عىل الغرباء ،و يف إسداء الخدمات لعابري السبيل ،منهم من يسأل عن مكان للنوم ،أو يسأل دليال ألقرب مطعم ،أو خان ،أو يبحث عن أسواق القطن و الحبوب أو الصوف. ر ن البساتي، الن تطل عىل بقية األحياء و وصل البندوق و جلس معهم عىل أحجار البيت المهدمة تحت المنارة ي أخرج تفاحة حمراء من ثيابه ونظر إليهم ،ثم أردف :هل تعلمون بأن يوم غد هو عيد المشمش؟ هز السنونو رأسه باإليجاب ،دون أن يتفوه بأية كلمة. ن السكي عىل العالمة المحددة عىل الحائط. رم كانت العصبة مجتمعة من أجل التدريب عىل ي ً ثم أردف السنونو قائال :وما شأننا نحن أيها البندوق؟ أنت تعلم أن عيد المشمش مثل عيد الكرز ،يقام ن يف ر الن تقام خارج السور ،مكاننا ن يف داخل السور ،و الغوطة ،و الغوطة تقع خارج السور ،وال شأن لنا باألعياد ي ه أعياد داخل السور ،عيد الورد و عيد الطرخون. أعيادنا ي ً ً ضحك البندوق بسخرية و أخرج سكينه الصغتة من غمدها الجلدي األحمر ،كان مقبض سكينه أبيضا عاجيا. ً و رن ن السكي بقطعة التفاح المقصوصة منها ،ثم قضم منها قضمة كبتة، احت بها التفاحة الحمراء ،غارزا رأس ً ً و نهض واقفا ،يتأمله بقية الشبان من عصبة القنباز ،كانت ثقته ن يف نفسه مرتفعة ،وجسده ممشوقا ،مع نن مكتتة بالعضالت. أكتاف ر اقتب من السنونو ،ووضع يده عىل كتفه وقال :أنت تعلم أن المسابقات و األلعاب األجمل تقام خارج ً ً ه من تفوز عىل السور .ثم رفع صوته عاليا يك يسمعه الجميع ،و أنتم تعلمون جميعا أن عصبة الفراري ع ،ي الدوام ن يف مسابقات عيد المشمش .و أنتم ،نحن! جميعنا .محبوسون هنا ن يف داخل السور ،ن يف أحيائنا ،ال ً نتبارى سوى مع أنفسناّ . هلموا نخرج إليهم و لنستمتع قليال ،نتبارى معهم ،نهزمهم ،وأنت يا سنونو ،أنت ً ن تخشاه؟ الذي فما المدينة، ن يف سكي ام أفضل أنك جيدا تعلم ر ي ً ن ن سكي يف المدينة ،و لكن عيد المشمش ليس ام انتفض الخياط صارخا :بكل تأكيد السنونو هو أفضل ر ي ر الحكوائ العجوز ذات مرة ،وهو خارج من المقه، عيدنا ،إنه عيدهم ،عيد المستحيل ،هل نسيت ما قاله ي ن ن ن يعن كان يقول بأن المشمش ً يف بالدنا أشبه بالمستحيل ،فحينما تقول سأعطيك النقود يف المشمش ،فهذا ي سء ممكن لدى عصبة أنه لن يعطيك النقود أبدا ،عيد المشمش ليس عيدنا ،ألننا ال نؤمن بالمستحيل ،فكل ي القنباز ،أليس كذلك يا رفاق؟ ً ن واقفي ،و هم يضخون و يشهرون سكاكينهم الصغتة. هب الرفاق جميعا ً أضاف الخياط رافعا صوته من جديد :لكن هل المستحيل صعب علينا؟ 37 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ً ن مهللي فقال فهد :نحن من نهزم المستحيل ،نحن ال نخرج عىل رأي زعيمنا السنونو، هب الرفاق جميعا ً ولكن فكرة البندوق ن يف أن نتبارى مع عصبة الفراريـ ــع جيدة جدا. أضاف الدومري :ال يوجد لدينا مستحيل ،سنهزمهم ونكرسهم مثلما نكرس بذرة مشمش خشبية. بي أفراد ُ ساد التأييد و التهليل ن العصبة. ن ن ممتلئي بالفخر و الغرور .شبان بأجساد قوية لم لم يكن الشعر يف لىح أغلبهم قد نبت بعد ،و لكنهم كانوا يختتوا بعد ن معن الحياة. ر ً ً عاليا فصمت الجميع وبــهدوء أردف :ولكن أنتم تعلمون ن معن هذا جيدا ،إن خروجنا من رفع السنونو يده ُ ن السور و ذهابنا إىل الغوطة يف عيد المشمش ،سيكون رسالة قوية ،فإما أن نذهب و نستأذن من "الفرارايع" ٍّ تحد كبت. وزعيمهم ورقة ،أو أن ندخل عليهم دون استئذان و ذلك سيكون بمثابة أال تذكرون يوم الجمعة األسود منذ ستة أشهر ،حينما جاء ورقة ومعه رفاقه من "عصبة الفراريـ ــع"وأرادوا ر الدخول إىل المقه لالستماع إىل قصة ر الحكوائ! عنتة بن شداد من ي ر الن نشبت بيننا و بينهم؟ هل تذكرون المعركة ي وفجأة تراجع الرفاق إىل الخلف ،و معهم البندوق ،وكأنهم يفسحون المكان للسنونو يك يقوم برواية القصة، ً ً ن مشكلي دائرة كبتة ،يقف ن يف منتصفها الزعيم رافعا سكينه عاليا وكأنه يشهرها ن يف وجه خصم له ،و لكنه غت ً موجود .مستذكرا ما قاله حينها: ّ ن الىح ،نحن أهل السور ،ونحن من يعيش الىح لنا ،إنه ملكنا ،و لن نسمح ألحد منهم أن يتجول يف هذا ي "هذا ي ن يف داخل السور ،قيود نفوسنا هنا من قبلهم ،قبور أجدادنا و عظمائنا هنا ،نحن أصحاب المدينة ،نحن ً ر نأئ إليكم أبدا". أحفاد من بناها ،وأنتم أتيتم بعدنا ،لذلك .ال تأتوا إلينا و أنا أعدكم أال ي بي جموع عصبة القنباز ،رفع البندوق صوته و ر وفجأة ومن ن اقتب من منتصف الدائرة الكبتة ،وسط غضب الخياط الذي مد يده عىل الفور وأمسك كتف الدومري الذي كاد أن يندفع إىل البندوق و ن يضبه ،فهو يتجرأ عىل الدوام عىل السنونو ،وليس ألحد أن يتجرأ عىل السنونو فهو قائدهم. ً قائال :أنا ر ر واجن يا زعيم ،أن أذكرك بما قاله أحتم ما تقول ،ولكن من اقتب البندوق ووقف قبالة السنونو ري ً ورقة ،وفجأة ّ تحول صوت البندوق ليصبح مشابها لصوت ورقة. ن مختفي قال" :نحن من يطعمكم و يسقيكم الماء ،نحن من نزرع الخت و وأنتم يا من تسكنون داخل السور ً خلف السور الحجري الكبت ،ال تفعلون شيئا سوى التجارة و البيع و الرساء ،و شب القهوة و االستماع إىل ر الحكوائ". ي ً "وكان ما كان" :أردف السنونو ،مستذكرا ما حصل: حيث اندفع الدومري و هاجم ورقة ،و اندفعت عصابة الفراريـ ــع ن يف مشاجرة كبتة أمام المقه ضد عصابة القنباز ،الفراري ع يحملون فؤوسهم الصغتة ،والقنباز يحملون سكاكينهم الصغتة . 38 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ن ح الورد ،و األحياء المجاورة بالكامل ،وتجمهر الجميع يك يتفرجوا عىل الضاع يف ذلك اليوم اجتمع أهاىل ي ي ن ن ن عصبتي ،ستصبحان من أشهر عصابات المدينة ،وستنترس شهرة هذه المعركة يف كافة أصقاع وأحياء بي المدينة داخل السور و خارجه. ُ وسيشار إليها بطوشة القهوة. ً ً ن السكاكي والفوؤس لتؤذي أحدا أبدا ،كان المتشاجرون يعلمون خطورة استعمال هذه األدوات لم تكن الحادة ،و كانوا يحملونها من باب الردع و إخافة الطرف اآلخر ،كان أشد ما يمكن أن يصيب الخصم ،هو ُ سطىح ،بحيث تسم العملية بالتعليم ،و هذا ما التشطيب ،أي شطب وجه الخصم أو يده أو ذراعه ،بجرح ي ً ً ن ن ن فعله السنونو مع ورقة ،حيث شطبه يف وجهه و ترك يف خده أثرا بقيت عالمته طويال يف مكانها دون أن ً ن دام ،توقفوا عن الشجار و تلتئم .وحينما رأى أعضاء عصبة الفراريـ ــع زعيمهم ورقة مصابا يف وجهه بجرح ٍ ن يعن أن المعركة كما كانوا تبادل اللكمات و القبضات الحديدية ،توقفوا بكامل الهدوء ،فالزعيم أصيب ،و هذا ي ر الن ن يف أيديهم عىل األرض ،و أرجعوا الفؤوس الصغتة يطلقون عليها قد انتهت ،فوضعوا العض و الحجارة ي ي الىح. إىل شاويلهم .وخرجوا من ي ر لحكوائ و صاحب األهاىل و سخط ا وبــهكذا انتضت عصابة القنباز عىل عصابة الفراريـ ــع ،وسط غضب ي ي ً ً مكروها من الجميع .وصلت األخبار إىل أهاىل الشبان من ر ّ كلن القهوة ،فالشجار و القتال ن يف الشوراع كان أمرا ي ي العصبتي ،فوبــخ والد السنونو ابنه ،و منع والد الخياط ابنه من الخروج من ن ن ن المتل ألسبوع ،وعوقب الدومري عىل ما فعله بحرمانه من المضوف ،وكذا ا ألمر مع ورقة الذي عوقب قبل أن يعتذر لوالده عن ابتعاده عن ن ر والدومائ. ائ األرض والذهاب إىل المدينة لسماع ي الحكوائ .ومثله المرس ر ي ي لكن أولئك الشبان كانوا يعيشون ن يف عالمهم الخاص عالم متوقف ن يف يوم طوشة القهوة ،حيث جلس السنونو ً كرس قريب ن يف المقه ،ووضع ساقا فوق أخرى ،وشب كأس الشاي البارد الذي بعد خروج خصومه عىل ي ّ كان لزبون غته ،كان قد فر من وسط المشاجرة. الىح ،إن الوقت كان ن يف المغيب ،بحيث كاد أعلن يومها السنونو انتصاره عىل الفراريـ ــع ،ويقول بعض أهل ي ن ر تحتق بصديقها الن تمأل سماء المدينة صوت أشاب السنونو أن يصم اآلذان ،وكأن أشاب الطيور المجنونة ي ي ً السنونو الذي كان ممزق الثياب ،مشقوق القنباز ،منكوش الشعر ،مثله كمثل رفاقه ن يف العصبة جميعا .وحده الدومري كان يضع يده عىل خده ،فلقد كان قد أصيب بشطب ،أسال الدم البسيط من خده ،فخجل وانسل ً عائدا إىل بيته. ن ثائ أشس شباب عصابة الفراريـ ــع بعد ورقة. كان من شطب الدومري هو ر ِ الرسش ،ي الحكوائ العجوز من السنونو ّ ر ر ووبخه بطريقة أبوية عىل ما فعل .ولكن السنونو نهض و طار اقتب يومها ي ً بعيدا مع رفاقه. ً ومع انتهاء المشهد اتسعت حدقتا البندوق ثم انتفض متذكرا ما حصل. ً ً كان يوما عظيما ،قال الخياط. 39 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ً ً كان انتصارا حاسما ،أردف الدومري. ن نظر إليهما السنونو ثم قال :ولكن إن خرجنا إىل عيد المشمش ،فسنضع أنفسنا تحت تضفهم ،يف أرضهم و ً أحيائهم .لن يخرج أحد من السور إىل عيد المشمش أبدا. أليس كذلك؟ ن ابتسم البندوق :ال يا زعيم ،عيد المشمش للجميع ،لكل الناس ،ثم إن العيد يقام يف بستان المشمش الكبت، هناك حيث عرسات آالف من شجتات المشمش تنتصب. أهاىل األحياء لن يخرجوا إىل العيد؟ هل تعتقد بأنهم خائفون منك ،أو من عصبة القنباز .كال يا هل تظن أن ي ً ر األهاىل سوف يركبون عرباتهم وسيخرجون هربا من هذا الحر الشديد ،و سيفتشون مع زعيم .فجميع ي ن الخضاء المطرزة بزهور ربيع الغوطة ،تحت أزاهت شجر المشمش الوردية ،نساء و رجال، عائالتهم األرض أمهات و أطفال ،فتيات و رجال سوف يقومون بشواء اللحم ،و تقطيع المقدونس ،وصنع أطايب الطعام، ن يف العام الفائت كادت روائح الطعام أن تصل إىل حيفا .إنه عيد للجميع. ر ً يغ مالبسات الذهاب. فهو ، ددا ولكن! قال السنونو مت ي البندوق :من دون لكن .سنذهب سوية. ً ثم انسحب البندوق من المكان مغادرا خرابة المنارة ،بعد أن قفز فوق السور المنهار ،ثم التفت إليهم :ال ن قنابت .سيكون هنالك الكثت من الفتيات الجميالت. تنسوا أن تلبسوا أجمل ما لديكم من ضحك الخياط و الدومري و نظرا إىل السنونو. ً الذي ر اقتب من النار المشتعلة ،و حمل ابريق الشاي ،ليصب لنفسه كأسا صغتة .ارتشف رشفة ،ثم مرر الكأس إىل شاب يقف إىل جواره. وقال :سنذهب إىل عيد المشمش ،جهزوا أنفسكم. فانطلقت التهليالت الفرحة و االبتسامات الكبتة من شبان عصبة القنباز الذين تفرقوا عىل الفور ،فمنهم من ذهب إىل ّ حمام السوق ،ومنهم من عاد إىل بيته ليطلب من ّأمه إصالح قنبازه ،و منهم من ذهب إىل الحالق يك يشذب له شعره. حينما دخل السنونو إىل بيته ،ن ن السكي ن يف شق ن يف الجدار أعىل باب البيت ،ن يف زاوية معتمة ال يراها أحد، أخق ً ّ طبقا من الطعام نف المطبخ ،كانت رائحة ر ن المحمر فوق الموقد ن يف المطبخ الخت شقيقته داليا كانت تصنع ي شهية لدرجة ال تصدق ،لم يدرك السنونو أنه لم يتناول الطعام منذ البارحة ،انطلق إىل غرفة أبيه ،وهبط إىل ً ّ ً ال يده ،كان األب يجلس مستندا عىل وسائد تستند إىل الجدار. مجلسه مقب رصخت داليا :وصل السنونو يا ر يئ. ابتسم األب و قال البنه :كيف استطعت أن تقنع شقيقتك بأن تناديك بالسنونو ،لقد أسميتك حسام ،هل ّ ّ ن ن البتار ،هل تستبدل السيف البتار ،بعصفور نزق و طائش. ابن هو السيف تعلم معن الحسام ،الحسام يا ي 40 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ً ن احتم االسم الذي ر متملمال :يا أئ ،أنا ر طبغ يشبه طبع السنونو يف كل اختته يىل ،و لكن ابتسم السنونو ألبيه ر ي ي ً ً ن أنن لو كنت عصفورا سأكون حتما مع أشاب السنونو فوق سماء المدينة ،السيف البتار شن ،أنا أعتقد ي ن ن السكي فتحتاج إىل مهارة، السكاكي ،السيف يحتاج لقوة بدنية أما ثقيل و مزعج ،أنا أكره السيوف ،وأعشق ً ن كبتا ،عدا عن أن استعماالتها ف الخت كثتة .وكم ن ن أتمن أن تسمح يىل باقتناء السكي ال تؤذي ،و ال تسبب أذى ي ً ً: سكي يا أئ! لم يستجب األب أبدا لطلب ابنه المرفوض من قبله ،بينما تابع السنونو ر ن مستسال أنا شيـ ــع و ري ن رشيق ،و أشعر بالسعادة الكبتة حينما تكون الشمس يف كبد السماء ،وأحزن بشدة حينما تغيب ،يا ليت ً العالم كله كان نهارا ،دون ليل. ارتشف األب من كأس الشاي أمامه وقال :وكيف اكتشفت أنك تشبه السنونو؟ سأل األب. ً ً أجاب السنونو :حينما كنت ّ مرة عىل السطح ،وجدت فرخا صغتا لعصفور يحاول أن يطت ،أمسكت به ،كان ن ن قلبه يدق برسعة لدرجة ن أنن شعرت بتلك الدقات يف يدي .فجأة سمعت عرسات الضخات من طيور يف ي ّ ر الن تضخ عىل ابنها الذي ن يف يدي. أس ،حينها كانت سماء دمشق موشاة بآالف الطيور ي الجو .رفعت ر ي ً وحيدا ن ن القاس ،أريد أن العالم هذا ف أئ أريد أن أكون سنونو ،ال أريد أن أكون ً ي حينها وبال أي شك ،أدركت ي ي نّ يكون ىل أصدقاء ر كت ،يخافون ّ أئ لو أن يىل شقيقا! عن .آه يا ر ي ي عىل و يسألون ي ي أطرق األب رأسه :رحم هللا أمك ،لوكانت معنا اآلن ،كم ستكون سعيدة بك. دخلت داليا إىل الغرفة فنهض السنونو وساعدها نف وضع الطعام عىل الطاولة الوطيئة .ر اقتب الجميع و ي بدأوا األكل. ومثل السنونو فعل الخياط و الدومري ،جميعهم أخفوا سكاكينهم الصغتة ن يف شقوق الجدران و ن يف أسفل أحواض الزهور ن يف بيوتهم ،جميع أعضاء عصبة القنباز االثنا عرس فعلوا هذا .دخلوا إىل بيوتهم ،لم يكن أحد من أهلهم يعلم بأم ر العصبة ،كانوا يعتقدون بأن أوالدهم يلعبون أو يعيشون سن المراهقة مع بعضهم مثل أي أوالد .يذهبون إىل العمل ويلهون ن يف الشوارع ،أو يتشاجرون أو ريتاشقون بالحجارة ن يف لحظات الغضب. 2 عيد المشمش. ً ً ّ التاىل كانت العربات المندفعة من بوابات دمشق باتجاه الغوطة كثتة جدا ،أحصنة شقراء و بيضاء ن يف اليوم ي ً ً ً ن وف الخلف تتموضع العائلة تجر عربات يقودها رجل يحمل كرباجا أسودا طويال يلقبه الناس ر ي بالعربىح ،ي ّ تقاىل و األبيض و الخمري ،أما الرجال فكانوا يرتدون ثيابهم بأكملها ،النساء متلفحات بالشاالت الملونة ،ر الت ي ّ محم ن األنيقة و يدخنون الغليون بفرح و فخر شديدين. لي بعلب و صناديق تحوي أطايب الطعام ،صناديق 41 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها سء ،عربات كانت تحمل الحلويات ،و أخرى كانت تحمل لحوم .عربات كانت تست إىل مفتوحة فيها من كل ي جوار بعضها البعض ،و يكلم الجتان بعضهم وهم يتضاحكون. ً ً اكتظت الشوارع ،فعيد المشمش ،كان عيدا محببا للجميع ،الطقس جميل ،والشمس دافئة بعد شتاء طويل ن و ربيع بارد ،األزهار يف كل مكان ،األنهار تتدفق بقوة ونشاط ،وكأنها ولدت للتو ،باردة لدرجة هائلة ،بسبب ن ن ذوبان الثلوج يف جبال لبنان الرسقية .ومن شدة الخت و العطاء يف الغوطة كان لكل فاكهة فيها أنواع و أصناف، تمت الواحدة عن األخرى ،وكان ر ن أكتها المشمش ،حيث كانت أنواع المشمش كثتة لدرجة تفوق العرسين أو ً ن الثالثي نوعا. ن فالمشمش لم يكن فاكهة ر ن عن ن اثني كيلو مشمش ،ال! تشتى من ي الفاكهائ بقولكِ :ب ي فسيعدد بائع المشمش ما قاله فيه أطباء العالم القديم عن طعمه ولونه ،وفوائده الصحية ،والتأثتات الجانبية ألكله ،وكيف يمكن التغلب عليها ثم يعدد لك أصنافه ،بل يجب تحديد صنف نوع المشمش الذي ن ن اسائ ،أو الكافوري أو البعلب يك ،أو يرغب الشاري يف ابتياعه من الدكان ،المشمش البلدي أو المشمش الخر ي ر ن النجائ ،أو جالجل التدي ،أو الملوح ،أو فراط الحازم ،أو األيدمري أو الدغمش ،أو الزيري ،أو السنين ،أو ر ي ي ي بساتي خارج السور تغرق فن ن ن والسنديائ والكال ر يئ ،أو اللقيس واللوزي .وهكذا كانت القلوع ،أو الحموي ي ي ن رفاهية أنواع ال نهائية لها يف تصنيف نوع واحد من الفاكهة فيها. ً ن الفالحي الفخورين بمنتجاتهم من المشمش تطوق الساحة الكبتة ،كل فالح يعرض سالال كانت تجمعات هائلة فيها من منتجات مشمش أرضه و يكتب فوق كل سلة نوع المشمش الذي ينتجه ،وإىل يمينه تجلس زوجته أو ابنه أو ابنته ،و أمام كل واحد منهم منتجات صنعت من المشمش ،قوارير عصت المشمش ،قمر مرئ المشمش المخلوط بالسكر ،حلويات المشمش ،حلويات مصنوعة الدين أو المشمش المجفف ،ر ن بمطحون بذر المشمش ،بزور المشمش ذاتها للتسلية بعد أن تحمص يف زيت الزيتون ،أو تشوى .وكانت ن المنافسة ال تصدق ن الفالحي فمن ينتج عصت مشمش حموي ألذ من عصت جاره ،أو من ينتج أفضل بي ن اسائ ،وكانت المسابقات تجري بإشاف لجنة تحكيم من العجائز الذين أنهوا خدمتهم ن يف ر مرئ مشمش خر ي المطابخ العامة ن يف المدينة وهم من كانوا يقومون بالتحكيم فيها. كان العجائز الطباخون يجلسون فوق منصة عالية ،دون أن يسمح لهم بتناول الطعام منذ الفجر ،يضعون ً أحيانا أراكيلهم إىل جوارهم .و ر يأئ الفالح النشيط بمنتجه ن يف مسابقة أكواب الشاي بدون السكر قربــهم ،و ي ً باسم الفالح أو اسم مزرعته ،ليتقدم األخت المربيات ،ليصعد إليهم ،بينما يرفع عريف الحفل عقتته مناديا ً ِ ً ً طبقا للمرئ و طبقا للحلويات و كأسا للعصت مع ر ن التور المشوية. بثالثة أطباق من منتجاته، ر الختاء بتقييم منتجه حسب جودة الفاكهة أو حسب كمية السكر فيها ،أو حسب طريقة حينها يقوم الحكماء ر صناعتها ،ويرسبون بعدها الشاي الغامق ،ويــهوج الحضور مع انتظارهم لنتيجة كل عجوز من الحكماء ،كانت ن نن لتظي أنهم يتذوقون إكست الحياة .و لكن منتوجات المشمش ن يف عيد المشمش يكق وجوههم جدية بما ي كانت بالفعل ه إكست الحياة بالنسبة إليهم .وبعد التذوق ،يعطون عالماتهم ،وه حسب ر التتيب :حسن، ي ي ن وسط ،رديء .ومن ينل من الفالحي نتيجة أعىل من الحسنات يكون هو الرابح. 42 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ن الفالئ يشجعونه ،و خالل هذا يعلو التصفيق و الهتاف و التشجيع والضحك و السخرية ،فأقرباء الفالح ي فه من صنعت المربيات أو الحلويات.دون أن تستغربون وقوف أحد قريبات زوجة اآلخر يشجعنها ،ي المز ن الشعن ،يحوي الكثت من التحدي و الفخر بما صنعه هو حماس من أبيات الزجل ارعي و غناءه لموال ري ي وعائلته ،و كانت تختلط األمور ر حن لتعتقد بأن ما يجري هو منافسة ال مثيل لها ن يف الحياة. ً ن ن يغلي فيها المربيات أو تصنعن فيها العصت البساتي ،كن تضعن قدورا فوق النار و بعض زوجات ُمالك ً الساخن للمشمش ،و توزعنه عىل الحضور مجانا ،فالخت كثت ،و المشمش متوفر وجميع زوار العيد جياع ومن غت المقبول أن يخرج إنسان من عيد المشمش و هو جائع. ن كوبي من عصت المشمش الساخن و هما يشقان طريقهما وسط الجموع ،التجمهر تناول السنونو و الدومري ً ً ً ن جدا ،و الضاخ ف انتظار النتائج كان حماسيا ،ر حن أن أحدهم رم مشمشة عىل الحكماء فوق كان كبتا ي بالشء .وانفجر الحضور بالضحك. المنصة الحتجاجه عىل وصفه عصت المشمش الذي صنعته خالته ي ً حينما رد الحكيم العجوز عليه بأن خالته ربما قد وضعت اصبعها ن يف العصت فاستحال مرارا. ً التحق بهما الخياط الذي كان ممسكا بحلوى قمر الدين المجففة يتناولها بانهماك. كان الشبان الثالثة يبدون ن يف غاية الوسامة ،السنونو بطوله الفارع و قنبازه األنيق الذي ال يلبسه إال ن يف المناسبات ،أهداه إياه صديقه الخياط ،أو عىل األصح ،خاطه له والد صديقه الخياط ،بعد أن أعطاه القماش الخاص به السنونو نفسه ،تلك القماشة كانت هدية لوالده ر اشتاها من مدينة ِحمص ،قبل سنوات ،صايا ً أصلية ،منسوجة يدويا من خيوط القطن األصلية. أكت الدومري ارتدى ال رسوال القصت و فوقها القنباز ،ووضع طاقية بيضاء صغتة بشكل مائل عىل رأسه فبدا ر ّ سنه بشكل من األشكال ،أما الخياط فكان ر أكتهم أناقة ،القنباز الالمع و البنطال األسود الموس بحواف من من القماش األسود المجدول عىل الحواف. ابتسم الثالثة مثل أطفال وصلوا العيد ،لكنهم كانوا يمثلون دور الرجال. ً شدوا ظهورهم جيدا و منعوا أنفسهم عن مراقبة األراجيح و األلعاب ،وباعة الذرة المشوية و العرقسوس و التمر الهندي ،والبليلة المصنوعة من ُ الحمص الساخن المسلوق ،الذين ينادون عىل بضائعهم بغناء معهود و معروف. ن ر ر الن يحيط بها عدد ال متناه من أشجار المشمش ،هنا ن يف هذا األطفال يتاكضون يف أزقة الساحة الكبتة ي ن وف باحته يقام العيد السنوي، أكت معمل البستان الشهت ببستان العجم ،يقع ر إلنتاج قمر الدين الشهت .ي ي ً ر سم بعيد المشمش ،ألن يقول ي الحكوائ العجوز الذي كان يجوب العيد مستندا عىل عصاه ،بأن هذا العيد ي األهاىل المحتل ،كان األمر أشبه بالمعجزة ،أو معركة حاسمة أقيمت هنا قبل خمسمائة عام ،و فيها هزم ي األهاىل ،و لكنهم استطاعوا االنتصار رغم قلة عددهم ،يقول المستحيل ،فأعداد جيش المحتل تفوق عدد ي ّ ر ن األهاىل .مما مكنهم الحكوائ إن الفضل يعود لكثافة شجر المشمش الذي أخق عن المحتل كل مقاتل من ي ي ن العدا ،باستخدام المطاط الشديد ،الذي رم ِ من االنتصار ،كما أنهم استخدموا بزر المشمش بدل الحجارة يف ي كان ن يضب ن أعي الخصوم. 43 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها لذلك باتت كلمة المشمش ن يف دمشق وغوطتها مرادفة لكلمة المستحيل. بعد االنتهاء من مسابقات تذوق المشمش ،يبدأ الجميع برساء بضائع المشمش بأسعار مخفضة ،خاصة من بي الشبان ،أما العائالت فتغادر إىل ما ن يود الرجوع إىل المدينة داخل السور ،ثم تبدأ حلقات الدبكة ن بي األشجار و كل عائلة تحدد شجرة تستند إليها و تفرش البسط و الحصائر ثم يلتحفون السماء أو أغصان ً الشجر المزهرة بثمار أخرى و يجلسون ،ومن يريد الشواء فعليه االبتعاد قليال ،وهكذا تستقر العائالت ،مئات ً ن العائالت يف هذا العيد الضخم يتناولون الغداء ،ثم الفواكه ،ثم الحلويات مجددا ،ثم الشاي ،ثم يعاودون التباري باأللعاب أو الغناء والرقص فيما ن بي الجتان واألصدقاء أو العائلة. ً ن يف مكان آخر من االحتفال الكبت ،كان رجل أشقر ،وسيم الطلعة ،يرتدي ثيابا غريبة ،ويضع عىل رأسه قبعة ً ن إفرنجية ،يجول المكان حامال يف يده علبة تصوير كبتة ،مجللة بقماش أسود ،يطلق عليها اسم الكامتا ،كانت ر ً ً ن األهاىل بسعادة ،كان محط ترحيب اختاعا جديدا حينها ،وكان يضعها يف زوايا بعيدة و يبدأ بتصوير احتفاالت ي ن البساتي ،يتنقل من الناس ،يقدمون له األطايب من الطعام و الرساب ،كان الغريب كما أطلق عليه أهل ً مطلقا العنان لكامتته ن األهاىل. لدى السعادة و الفرح لحظات تثبيت ف ببساطة ن يف االحتفال ي ي ً ن يف الجانب اآلخر كانت عصبة القنباز تلتئم بعنارصها جميعا ،حينما شاهد أحد من عنارص عصبة الفراري ع، ً ً ن ائ ،جماعة السنونو وتعرف شيعا عىل الدومري ،و شيعا ركض إىل حيث يكون الزعيم ورقة، يدىع ً الدير ي ن ر ن ن الن ال يملكها أحد نبن ورقة جالسا ن يف العرزال البعيد يف عمق البساتي ،هنالك بي كثافة األغصان واألشجار ي ً لنفسه ولعصبته مقرا ،يسكنون إليه ،و يرتاحون فيه ،فوق شجرة دلب عظيمة ،يراقب العيد من بعيد. ً ورقة كان ملوال ،فهو يرتاد عيد المشمش مذ كان ن يف الخامسة ،مع والديه ،يعرف كل فقرة فيه ،و تذوق كل ً أطعمته ،لكن والده منذ ست سنوات اقتلع شجر المشمش و استبدله بشجر الجوز ،و بات مشاركا ن يف عيد الجوز الصغت ،و هو عيد ال يقارن بعيد المشمش الكبت ،ولكن الجوز كان خيار والده لغالء ثمنه بالمقارنة مع المشمش ،فأرض والد ورقة صغتة و ال تنتج الكثت من الثمار. ن أخته بمن أما بقية عنارص عصبة الفراريـ ــع ،فكانوا منترسين يف العيد .ولكن حينما وصل حارث إىل ورقة و ر ن البساتي، رأى .صعد ورقة الشجرة وأطلق صافرة شقت األشجار ،وأخافت العصافت الصغتة ن يف شجتات ربما لن ن األهاىل ،و لكن الفراريـ ــع جميعا سوف يتنبهون لها مثل صقور الجبال ،وعىل الفور يمتها أحد من ي سوف يعلمون أن زعيمهم ورقة يناديهم ن يف المقر. خالل خمسة دقائق اجتمع الفراريـ ــع كلهم ،كان أحدهم يتناول الذرة المشوية ،ويقص عرنوسه بالفأس الصغت وأختهم ن البساتي اليوم ن ن بي أيديهم ،فاألنذال من بضورة االستنفار ،فرسف الذي لديه .نزل ورقة إليهم، ر ً. عصبة القنباز ،تجرأوا و اقتحموا عيد المشمش ،بعد أن طردونا من داخل السور قبال فهل تقبلون بهذا؟ رد الجميع بغضب طفوىل شديد ن بالنق. ي ي األهاىل من داخل السور ألنهم بسطاء و ال ذنب لهم بما فعلته عصابة القنباز، أردف ورقة :نحن نستقبل ي ٍّ ر أكت تحد لنا. يأئ السنونو بنفسه إىل هنا ،فهو ولعمري ر ولكن أن ي 44 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ن الحقيقيي ،أو كأن عصبة السنونو قد دخلت بيتهم بالفعل. غضب الفراريـ ــع وكأنهم ُمالك العيد ً ً الفالحة الصغت الذي يعمل فيه مع أهله صباحا ،نظفوه جيدا وقرروا المواجهة ،فامتشق كل منهم فأس ِ بالماء ،و وضعوه داخل ثيابهم الجميلة ،كانت ثياب عصبة الفراريـ ــع فاتنة كذلك ،بنطال من الكتان الفاخر، ُ ُ فتتز بذلك عضالت الصدر وقوتها، مع صدرية مكشوفة األكتاف ،وشال حريري يلف فوق البطن العاري ،ر ُ ّ ن ىع أنه اصطاده برفقة خاله قبل سنوات. كان زعيمهم ورقة يرتدي قالدة يف رقبته ثبت فيها ناب ثعلب كان يد ي ً ً ن ن ن جلديا ن الدوماب فكان يلف عنقه يمته ،أما صديقه اآلخر اب يرتدي يف معصمه طوقا ي بينما كان صديقه الدير ي ن ن ليخق إصابة جرح أصيب به يف طفولته حينما بوشاح خاص بعيد المشمش ،ليس ألنه يريد األناقة ،ولكن ي سقط من فوق شجرة الجوز العالية. ً ن طفال. اب ،فقد كان يعمل يف حمل أكياس البطاطا مع عائلته مذ كان أقوى شباب عصبة الفراريـ ــع كان المرس ي ً ن ن الفارع (الفأس الصغت) ألنه قض طفولته يرميها اب بارعا يف ي فاشتد ساعده و نمت عضالته .كان المرس ي رم ِ ن عىل الفتان ر ر تأئ إىل مستودعات التخزين يك تقتات عىل البقول و الخضار فيها ،قبل بيعها يف األسواق. الن ي ي ن ن التيئة ،و غاضبي مثل جيش من اندفع الجميع ن يف طريقهم إىل عيد المشمش، اليافعي ،لم يروا وجوههم ر ر ن ن الحكوائ ،ورقة أراد مشاهدة المقاتلي الذين سمعوا قصصهم من مخيفي مثل لكنهم كانوا يعتقدون أنفسهم ي ن السنونو ،فهو لم يره مذ اشتبكا يف داخل السور منذ ستة أو سبعة أشهر .حينما طردت عصبة القنباز أحد الىح. الفراريـ ــع من ي انترس الفراريـ ــع فيما ن بي الجموع ،كان دخان الشواء يمأل المكان و يثت غريزة الجوع ،وكثافة أشجار المشمش ً ن ن بالعي و السن بالسن. فالعي كانت تمنع البحث الرسيـ ــع ،ولكن إرصارهم عىل طرد السنونو كان حاسما، ً ً ّ ن الدومائ من بعيد ،ثم أطلق صافرته عاليا ،فلقد وجد أحد عنارص القنباز ،اندفع ورقة بخفة مع وأختا رصخ ي ن رفاقه نحو مصدر الصافرة ،ر اقصي و الباعة و األطفال ،ر ن الدومائ ،أشار له حن وجد يختقون الجموع من الر ي ً األخت عىل شاب يقف قرب بائع العصت ،كان يرتدي قنبازا وكان قد مشط شعره إىل الخلف مثل جماعة القنباز .إنه الخياط بال ن أدئ شك. ً حن ا ر وما ه إال لحظات ر حامال كعكة برتقالية اللون .وكان يضحك برفقة صديقه. قتب منه السنونو ي ً استنفر ورقة وتمركز نف منتصف العصبة حيث تحلق حوله رفاقه ،و ر اقتب من السنونو قائال :ما لذي رأئ بك ي ُ ن إىل هنا؟ أال تعلم أن لهذه البساتي مالك و أصحاب؟ امتقع وجه السنونو فما كان يخشاه قد حصل ،و لقد اكتشفهم الفراريـ ــع. ن البساتي وهذه األشجار للجميع. رد السنونو:و ما شأنك أنت؟ إنها بالد هللا ،وهذه أهاىل و أرزاق الناس هنا ،رد عليه ورقة. ال ليست للجميع هذه بساتيننا ونحن من نحم ي ي ً التف عنارص عصبة القنباز حول السنونو ،وقد اكفهرت وجوههم ،حيث رفع السنونو يده عاليا و أشار لهم بالهدوء. التفت إليهم وبصوت خافت :نحن خارج السور ،نحن ن يف أرضهم ،ال أريد مشاكل ،أو أية انفعاالت. 45 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ً ّ احمر خداه .كان الخياط شيـ ــع الغضب ،وانفعاليا بشكل كبت ،وكان هذا األمر بدأ وجه الخياط يمتقع ،و ن ن يزعج والده بشدة ،فمنعه من التول إىل ورشة الخياطة و التعامل مع الزبائن ،وأمره منذ سنوات بالعمل ً خلف األبواب مع بقية العمال يك ال يحتك بالزبائن ،فالعنف دوما هو أمر غت محبب بل و مكروه ،لكن الخياط لم يفهم الدرس بعد. ً ن تحد :لكن هذا العيد هو عيد الجميع و أغلب من ي ن حض العيد هم من ارتفع صوت الخياط عاليا يف رنتة ٍ ُ ً مال دون وجوه جديدة. أهاىل داخل السور ،لوالهم لكان عيدكم م ي ن ابتسم ورقة الذي أطلق عليه والده ووالدته هذا االسم ألنه لحظة والدته يف باحة البيت الواسعة تحت شجرة التوت الكبتة ،سقطت ورقة توت كبتة و غطت بطنه ،ابتسم حينها والده و قال إن الحكمة اإللهية ً ر ن كت ورقة ن البساتي و األنهار ،متنقال بي الصن وعدم كشف أشاره ،فأسماه والده ورقة .ر قد أمرت بست هذا ر ي ً ُ ن بي األشجار ،فهو يعرف كل زهرة و كل مرج ونهت أو جدول ،كان ورقة خفيفا يقفز فوق األشجار مثل فهد ً صغت من غصن إىل غصن ،يتمسك باألغصان بذراعيه ثم ريتكها و يتشقلب مندفعا إىل األرض ن يف ثبات عىل قدميه. ابتسم ورقة وقال :جميع الناس مرحب بها هنا ،و لكن األشقياء الذين ال ر يحتمون الرجال والقبضايات ،ال مكان لهم ن يف بساتيننا. هل تريد أن تعرف من هو القبضاي يا ورقة؟ قال السنونو.هز ورقة رأسه بينما التمع ن يف عينه شر بسيط.ن ن ن من كلمة شف غلبتن سوف السكي عىل الشجرة ،إن رم أغادر العيد ًو لك ي ي هل تقبل التحدي ،تحدي يً ن المىحء إىل عيد المشمش .أبدا و نهائيا. أنن لن أعاود أنا أو أي قبضاي من عصبة القنباز ر ي ي يعن أننا يمكننا التجول نف الغوطة ،وسيكون خارج السور لنا مثل داخله ،ر ن من ي ولكن إن فزت عليك ،فهذا ي شئنا. ن السكاكي الصغتة ،ألنهم ببساطة يعملون باستخدام الفراريـ ــع شعر ورقة بالورطة ،فهو غت بارع ن يف استخدام أو الفؤوس الصغتة . ر اقتب ورقة من السنونو ووضع رأسه عىل رأس السنونو ن يف تحد واضح و كبت: مغ؟ أنت تعلم أنك أخليت باالتفاق الذي وضعته أنت .أنت من قلت إن داخل السور لكم و هل تتالعب ير ن خارج السور لنا ،و نحن التمنا. ن عن قبل أن تندم. قال السنونو ٍ بتحد :أبعد رأسك ي ر الفريقي ،ر ن نف تلك اللحظة و قبل أن تنفجر األمور ن الحكوائ العجوز منهم. اقتب بي ي ي ر الحكوائ :مالذي يجري هنا يا شباب؟ ي 46 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ن ن ن فرحي يف عيد المشمش، هل تودون الشجار يف يوم العيد؟ هذا وهللا أمر عجيب! عليكم أن تكونوا سعداء و سء؟ العيد للجميع و جميع الناس سعداء ،فلم تودون افتعال المشاكل و تخريب كل ي ً ن الىح حيث انتفض ورقة قائال :أنت تعلم يا سيدي ،السنونو قبل ستة أشهر رصب أحد أصدقائنا ،و طرده من ي الىح ملك لهم ،و أنهم أهل داخل السور ،و أننا غرباء نسكن خارج السور. يسكن ،بحجة أن ي ر الحكوائ :أعرف وهللا ،وأعرف أن هذا ال يجوز يا شباب. امتعض وجه ي رد السنونو بهدوء :أنا لم أقل هذا فقط ،بل قلت إن أهل داخل السور معروفوا النسب ،سجالتنا واضحة ن السني ،أما أنتم سكان خارج السور ،فليس ألحد أن يعرف جد جدكم. وثابتة منذ آالف ن ن أنن قادر عىل كرس جناحيك هذين. نسن يا سنونو ،أنت تعلم ي انتفض ورقة :هل تشكك يف ر ي توترت األجواء و تراجع الجميع ،أمسك عنارص عصبة القنباز بسكاكينهم وتجهزوا ،بينما تراجع عنارص الفراريـ ــع و أظهروا ذؤابات فؤوسهم الصغتة ن يف تحد كبت. ر ن أهاىل خارج السور متأصلة و متجذرة يابن ،هذا الكالم غت مقبول ،وهللا إن أنساب ي ي الحكوائ :ال يا سنونو ال ي وإن أردت سأريك الدفاتر العتيقة! .ثم إن جميع الناس من طينة واحدة و نحن أهل بلد واحد ،ما ن معن أن يفرقنا سور أو حجارة ،هذا غت مقبول ،ثم إنها مصادفة محضة ،من سكن ن يف الداخل سكن ألنه يعمل بالتجارة ،و من سكن ن يف الخارج سكن ألنه يعمل ن يف الزراعة ،و ال يمكن للتجارة أن تنجح دون مواد الزراعة، وال يمكن للزراعة أن تنجح دون أسواق التجارة .البرس تكمل بعضها البعض يا أوالدي. نسن ،كل البرس أوالد آدم و حواء ،و ال فرق ن بي الناس إال بالعمل الصالح ،وفعل ثم إن النسب و األصل أمر ر ي الخت ،ال تجعلوا من توافه األمور تفرقكم عن بعضكم. ر يأئ المحتلون تهربون إلينا. السنونو :حينما يورقة :وحينما تجوعون تخرجون إلينا يك نطعمكم.ن خائفي عليه. السنونو :حينما يمرض أحدكم تأتونورقة :وحينما تجتاح شوارعكم األوبئة رتفتشون أسفل الشجر ن يف بيوتنا . ً تنته أبدا. صمت الجميع من التعب ،فهذه المحاججة لن ي ً ر الحكوائ :يا أوالدي ،هذه الطريقة ن يف النقاش عقيمة ،أرى نصاال تلتمع هل تريدون أن تتشاجرون و أنتم أبناء ي بلد واحد. الدومري :السور ،هو من يفصل الخت عن الرس.ن يختن خلفه الضعفاء!. ائ :السور هو من ر الدير يً ً ْن حتما موجود لسبب ما ،و هو أن يفصل ن مكاني. بي هنا اندفع الخياط قائال :السور بناه أجدادنا و هو 47 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ن ن المرسائ :بكل تأكيد ليفصل أهل العمل عن أهل الكسل .ويجب أن رطرف السور. يبق كل يف مكانه عىل ي ري ر الحكوائ :هدوء يا شباب هدوء .سأحك لكم حكاية بناء السور نف المقه نف ّ المرة القادمة .هذا كالم فارغ، ي ي ي ي أهاىل يعملون و أهاىل يسكنون داخل السور ،و لكن أصولهم من خارجه ،و العكس صحيح ،فهنالك هنالك ي ي ن نجت العائالت عىل االنتقال ن طرف السور فقط بي يعيشون خارج السور و لكن أصولهم من الداخل ،فهل ر ي ً ن من أجل نقاء العرق و النسب!! ولو أراد أجدادكم أن يكون السور عازال بي الناس ،لما أقاموا البوابات الكثتة فيه. السنونو :لن تكون هناك ّمرة قادمة. الىح. ابتسم ورقة :وكيف سندخل المقه إن لم يسمح لنا أهل داخل السور بالدخول إىل يالسنونو :اسمع ،نحن أهل داخل السور ،و نحن من نقرر من يدخل و من ال يدخل.ً ً ورقة :إذا سأقبل أن تغادر فورا أرضنا ،فنحن سنعاملكم بالمثل.ً السنونو :أنت خائف إذا من قبول التحدي . ورقة :عىل العكس. ن ن ن السكي (الجوري) و شهرها ن يف البن والمحفور عليها اسم ي وف هذه اللحظة أخرج السنونو سكينه بمقبضها ي وجه الجميع ،ر فتاجع الجميع ،ثم أمسكها و رماها مثل سهم ال يخط مستقره .لتسكن ن يف قلب جذع شجرة عىل بعد عرسة أمتار. ُ ن سكي السنونو. ش ِده الجميع من شعة و اندفاع ابتسم السنونو و استدار ليشت ألصدقائه بأن يغادروا المكان ،و بينما كانت عصبة القنباز تتحرك لالنسحاب من المكان قال السنونو: ن السكي ن يف الشجرة ،ولكن الجوري ن يف المرة القادمة سوف يكتب اسم السنونو عىل وجه هذه المرة كانتأحدكم. ر انتع (الجوري) سكينه الخاصة ،ن اقتب السنونو من الشجرة و ر ن ومض و هو يبتسم .كاد كتفه أن يالمس كتف ورقة. ً كانت أيدي عصبة ورقة جميعا عىل مقابض الفراريـ ــع .تنتظر كلمة منه يك تشهر ن يف وجه الخصوم ،و لكن ً ر هادئا يفكر .مرت سحائب الغضب بسالم فيما ن بي الحشود. بق ورقة ي ً وابتعدت عصبة القنباز وقبل أن يختفوا فيما ن بي الحشود ن يف العيد رفع ورقة عقتته عاليا :لقد قررتم أن ً ً ً ن ر سيبق سجنا. تسجنوا أنفسكم ن يف مكان يحيطه سور ،مهما كان هذا السجن كبتا وجميال ،لكنه يف النهاية ً التفت السنونو ورد عليه :إنها الجنة ،هنيئا لمن يكون سجنه ن يف الجنة. 48 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ابتسم أعضاء عصبة القنباز من رد السنونو .مما أزعج ورقة و رفاقه.فرد عليه ورقة بحسم :أما نحن فلنا العالم ً مكانا ر تستيـ ــح فوقه. كله ..كله أتسمع يا سنونو ،من دون أشجار لن تجد الطيور ن ر ن الن تتالعب ب المراجيح و ن ن والمتسابقي بي المنادين عىل بضائعهم ومض السنونو و عصبته فيما بي الحشود ي الذين يتنافسون عىل األلعاب. 3 األلوان ر امتاطوري عىل كانت الرياح ن يف اليوم الن تصطف مثل حرس ر ي التاىل خفيفة ،تحرك أشجار الكينا و الجوز ي رّ األهاىل ضفن نهر بردى ن يف تعرجاته عىل امتداد المدينة ،ساعات الفجر األوىل كانت تشهد مغادرة الكثت من ي ي ن ن ر ر تىل صالة الفجر يف المنطقة كلها الن ي لبيوتاتهم و اندفاعهم نحو أعمالهم ،كانت الشوارع مزدحمة يف الفتة ي ن حيث تستفيق العائالت وتبدأ طقوسها اليومية ،ن يف االغتسال وإعداد الفطور .يف ذلك الوقت كان يمكن للمرء ن ّ أزقة المدينة العتيقة أن يشتم رائحة القهوة تعبق من كل شفة أو نافذة ،ر متافقة بأصوات الذي يست يف ن ن ْ الصبية كانت يندفعون يف األزقة لرساء األمهات تستنهض أوالدها لالستيقاظ للبدء يف معركة الحياة اليوميةِ ، رن ن يجلي ر ن الخت الطازج من الفرن ،الفتيات الصغتات ر ن اللي الرائب من الدكاكي المجاورة لبيوتهم .اآلباء ينهضون 49 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ّ يتمطون أمام مراياهم .أما األمهات فكن يعددن األطباق الصباحية الشهتة الزيتون و المكدوس و ر ن اللي و و المقىل. البيض ي ن ن ن ر الن كانت تشبه يف رقتها و عذوبتها رقة شجتة العنب يف حديقة يف دارة السنونو ،نهضت شقيقته داليا ،ي ّ محملة باألحالم ،هادئة مثل عنقود عنب ينتظر من يقطفه ،واعية و قوية مثل ساق شجرة هادئة ،فتاة ً ن ن متجذرة يف األرض .نهضت داليا و بدأت كأي أم أو ربة عائلة يف صنع الفطور لعائلتها ،كان األب مستيقظا و ن قد بدأ يقرأ يف كتبه بانتظار ابنته يك ترسب القهوة معه ،حيث أنه ال يستطيع الحركة بسهولة بسبب إصابته ن يف قدميه. ً أما السنونو فكان يتأخر ن يف االستيقاظ دوما ،قبل ذهابه إىل العمل. استيقظت داليا وعىل الفور وضعت ركوة القهوة فوق النار نف المطبخ ،و أخرجت لفائف ر ن ر الن صنعتها ي الجي ي البارحة ووضعتهم نف موقد الحطب ،انطلقت إىل حيث يجلس أبوهاّ ، وقبلت يده و جلست إىل جواره، ي ً ابتسم األب لها ،وحمل الكتاب الذي يقرأه عاليا يك تراه ،فهو يعلم أنها تشجعه عىل القراءة ،كان كتاب مرة بعد ّ "مقامات الحريري" كتابه المعشوق ،يقرأه و يعيد قراءته ّ مرة .حدثته داليا عن رغبتها ن يف صناعة ثوب جديد لنفسها ،حيث أن ربة العمل قد وعدت الفتيات ن يف مكان عملها بأنها ستهديهم قماش أثواب خام، ن األرجوائ ،و ما عليهن سوى خياطتها بأثواب عىل مقاساتهن ،و حسب ذوق كل واحدة منهن. باللون ي ً ابتسم األب وقال :ال ر تقلق ،سأدفع أنا أجرة الخياطة .ضحكت داليا ملء قلبها ،و قالت ألبيها :لن أقلق أبدا ي ن ن ر كيائ. طالما أنت موجود ن يف أمىل يف الحياة و سبب ي ي حيائ .أنت سبب ي أنهت داليا واجباتها اليومية ،مثل أية شابة مسؤولة عن عائلتها ،بعد وفاة والدتها منذ خمسة أعوام ،ن يف حادث انقلبت فيه عربتها ن يف النهر. ً ر تكت سنوات ن يف لحظات. الن أودت بقدم والدها أيضا .جعلت داليا ر ي كانت حادثة مأساوية تلك ي ً ً ربيعا إىل عملها نف منطقة الدباغات ر الىح ستا سوى رب ـع الن ال ثم اندفعت داليا ذات التسعة عرسة تبعد عن ي ي ي ّ ساعة ،هناك نف ّ الدباغات كانت ذات الرياح الخفيفة تعبث بأثواب القماش المعلق فوق متائن من الحبال، ي ر أثواب وأقمشة قطنية صبغت بألوان حسب طلبات الزبائن ،حن يبدو المكان من بعيد مثل ميناء لألرواح ّ األخض ،تر ُ ن ف مع الريـ ــح مثل أشعة سفينة الجميلة ،موس بأقمشة ملونة باألحمر و األصفر و األزرق و ِ ُ ً ر الن تنتظر نرس قلوعها قبل الرحيل ،و لكن هذا الرحيل ال يتم أبدا ،فتلك ه قلوب الفتيات ي السفن كانت ي ً ّ المحرم عىل الرجال دخول الدباغات نهائيا ،و توكل عملية الدبغ و الصبغ تعمل ن يف الدباغات ،حيث كان من ً ر اللوائ كن تعملن من الصباح أكت ،و و التجفيف و التوضيب بالكامل إىل الفتيات من مثل سن داليا وأحيانا ر ي الباكر ر ن لتأمي احتياجات البيوت ،كانت أولئك الفتيات و النساء، حن ما بعد الظهر ،ثم تعدن إىل بيوتهن ُ أكتهن ه الست بديعة ،وه سيدة تبلغ الخم ن سي تعشن حياة عملية رائعة ،فهن كن مثل عائلة و احدة ،ر ي ي من عمرها ،تعمل ن يف الدباغات منذ عرسة أعوام ،و تعرف كل خفايا المهنة ،و لكنها لم تكن المعلمة المسؤولة ً الن تبلغ الخامسة عرسة من عمرها ،فتاة بريئة و خجولة ر ر تأئ صباحا إىل ي ه وداد ي عن الورشة .وأصغرهن ي ً العمل و تنهيه دون أية كلمة ر حن اكتشفت الفتيات بعد مرور سنت ن ي من العمل أنها بكماء ال تتكلم مطلقا. 50 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ن ن ن تقتض وضعهن األصبغة يف األحواض و من ثم عجن األقمشة باللون يف الدباغات كانت مهمة الفتيات ي ن الطبيغ عن طريق الدوس عليها يف الجرن الكبت ،يك يترسب القماش األلوان ،و من ثم نرسها فوق الحبال يك ي ً ن تجف ،وبعد ذلك يتم طيها و إرسالها إىل الباعة يف السوق ،أحيانا كانت عملية الدباغة تتطلب استخدام ر الن يتم التعامل معها بحذر شديد من قبل المعلمة. المواد الكيماوية ي ً ن ن ن الفتيات يف الدباغات كن مختلطات يف السن وكذلك يف السكن ،حيث أن نصف الفتيات تقريبا من داخل السور ،و نصفهن اآلخر من خارج السور ،وجميعهن تعشن بهدوء و وئام دون أية منغصات أو حساسيات الص ْبية من ذات السن الذين كانت مسألة داخل السور و خارجه بالنسبة بينهن عىل اإلطالق عىل عكس ِ إليهم تتفاعل بقوة و بعنف. ّ الدباغة كانت مستقرة عىل كتف النهر قرب طاحونة باب السالم ،عىل الحد الفاصل ن بي السور و خارجه، ر الن منعت أي عامل من الدخول إىل المكان ،وحدهن الفتيات كن المخوالت بالعمل بإشاف المعلمة بديعة ي نف الداخل ،من أجل هذا كان األهاىل ال يمانعون نف عمل بناتهن نف ّ الدباغة بإشاف المعلمة بديعة الحازمة و ي ي ي ي ر ر الن كانت تمأل األحواض باللون المطلوب فتقوم الفتيات برفع أثوابهن الطويلة حن تتكشف القاسية ،ي لتجتها عىل شب اللون ،فيستحيل لون سيقانهن النحيلة الطفلية ،ثم تبدأ الفتيات بالدوس عىل األقمشة ر ن األخض .وهكذا كانت الفتيات تتبادلن الدوس عىل البنفسىح أو األزرق أو القماش من األبيض إىل األحمر أو ً ر ي ن ن ّ ن سء سيمنع األقمشة ،يف حي يتحول الدوس غالبا يف غياب المعلمة إىل جولة رقص و ًغناء و ضحك ،فال ي القماش من التعشيق مع األلوان إذا رقصت الفتيات ،أو لم ترقص .أو أحيانا ن يف التدافع و الوقوع ن يف أحواض الدباغة الباردة حينما يفر الضحك من قلوبــهن مثل شحرور أسود شاهد قطة عىل سطح قريب. ن تغني ،لكن أجمل الفقرات كانت ن ن حي يتم نرس األقمشة فوق السطح الدباغة كانت الفتيات ترقصن و يف أثناء ِ ر الن عىل الحبال الطويلة ه فكرة داليا ،ي الممتدة ،كانت الفتيات جميعهن ،تتخيلن أنهن بحاراتً ،كانت تلك ي ً ن قرأت ن يف كتب أبيها كثتا عن البحارة و القراصنة ،و لكم تخيلت نفسها شابا يعمل يف البحر فوق سفينة ً ً ضخمة اسمها االنتصار ،بالطبع كان خيال داليا جامحا ومتقدا و قد نقلت لصديقاتها فكرة البحر ،و األشعة، فكن يصعدن إىل السطح و يرفعن األشعة عىل أغان خاصة كن قد سمعنها ن يف أزقة المدينة ألفها شيخ يعمل ن ن ر القبائ ،كانت األغنية تقول: الموسيق اسمه أبو خليل يف ي "عالهيال الهيال يا ربعنا.. يارب تجمع بالحبايب شملنا.. ن إىل.. يا ظريف الطول ،مي غتك ي ن سقوئ ُ المر من يدك ِح يىل". لو ي ر ن الن لم يدبغها األلم و الحزن بعد ،كانت كن تغني و تضحكن بملء قلوبــهن البيضاء الصغتة و الحالمة ي ن ن ياسمي و حبقة و فلة .تواجههن عىل الضفة المقابلة اليمي ،و كانت نرسين و بيلسان و روز ،تصطفن عىل ن ط األقمشة الضخمة ،فكان من يشاهدهن يشعر وكأنهن يف رقصة متقنة الصنع. فتتساعد الفتيات من أجل ي ر ر ّ لط ألوان زاهية وتوضيبها .ثم تجلس تلتق فيها األيدي و الرؤوس ،زهرات تتاقص تحت السماء الواسعة ي ي 51 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها الفتيات نف ر فتة الغداء متجاورات عىل طاولة الغداء نف القاعة السفىل ،وتتناولن الطعام متشاركات ر ن الخت و ي ي رن اللي و الحلم ،فتيات ن يف عمر الزهور ،تحلم كل منهن بحياة أجمل ن يف عالم أفضل و أقل قسوة. نرسين و بيلسان وفلة َّ ن تأتي من خارج السور ،عىل العربة القادمة من عمق غابات الغوطة ،بينما كانت كن ً ن ن تأتي من داخل السور من بيوتهن مشيا عىل األقدام. وياسمي داليا و روز و حبقة، تتمني الحياة نف خارج السور للتمتع بالشجر و الهواء ر ن التاح ،سماع فكانت فتيات داخل السور النق ،و ر ي ي العصافت و اللعب بمياه النهر الباردة ،بينما كانت فتيات خارج السور تحسدن فتيات الداخل عىل بيوتهن ن ن ن الدكاكي و البضائع الكثتة يتمني العيش يف بيوت داخل السور من أجل الراحة و وفرة الواسعة والدافئة ،و ّ ن ن القريبة منهن .كانت الفتيات تتمازحن وتضحكن طوال الوقت كل منهن تتمن أن تحط بما لدى األخريات. ً ن تأتي بضر الجوز و اللوز ،والفواكه لكن ذلك لم يعكر أبدا صفو عالقتهن ،فكانت فتيات خارج السور ن الموسمية ،بينما كانت فتيات داخل السور ن الياسمي و الزهورات المجففة ،اليانسون و المليسة تأتي بأطواق ر الزعت من أحواض حدائق البيوت. و وداد وحدها من كانت تملك نف الدباغة عصفو ًرا تطعمه و تسقيه وتستمع إىل صوته بكل ّ تأم ٍل و استغراق. ي وهكذا ر اقتحت داليا ن يف ذات حلم يقظة عىل الفتيات أن تتخيلن أنفسهن فوق سفينة تمخر عباب البحر، ً ن رياحي و عصافت و ألوان زاهية. وتبحر بهن بعيدا عن العمل و عن األسوار وتنقلهن إىل عالم كله زهور و ً ّ ً متأمال ما تفعله ،بتفقد ن يف أحد أيام العمل الصيفية شاهدت داليا شابا كان يقف فوق سطح بيت مجاور األقمشة المنشورة فوق الحبال .كان الشاب هو ورقة ،وكان ن يف زيارة إىل أحد أقارب أمه ،لمساعدته ن يف تثبيت السقيفة الخارجية ،حينما وقعت عيناه عىل أجمل نبتة ن يف حديقة الحب ،احمرت وجنتا داليا حينما رأت ن التمثيىل فوق الحادتي ترقبان سفينتها الوهمية ،شعرت بالخجل من لعبتها الطفولية ورقصها عيون ورقة ي ً ن ر الن تتحول فيها من نبتة متجذرة يف ترا ب دمشق ،إىل ه لم تكن تدري أن أحدا ما سيشاهد لعبتها ي السطح ،ي ُ ن بحار بصوت عال و حركات قوية ،يرفع القلوع و ينادي عىل بحارته يك يرسعوا يف التحرك قبل وصول القراصنة. لم تكن تعلم أن القرصان ريتقب قلبها ،وقد استطاع بنظرة واحدة أن يختطفه من سفينته ،و يرسقه إىل عالم بعيد عن األلوان و األحالم. وهكذا كان ورقة يتابع داليا من بعيد ،أيام تليها أيام ،وأسابيع تتلوى وراء أسابيع ،كان ورقة يست ن يف الشارع ً ً ّ سفينتهن ر الن ال تبحر ،يك تعود إىل األرض ،وتحمل عناقيدها من جديد من الفتيات خروج ا ر منتظ ا ر متنك ي ً ّ ن ن تنتم إليها. كدالية خضاء بضة .لقد وقع ورقة يف حب داليا ،كورقة تائهة وجدت أختا خميلة ي ّ طوال أشهر لم تكن عالقتهما ر أكت من نظرات و ابتسامات ،تخللها نطقه السمه :ورقة ،ن يف زقاق من أزقة المدينة. همس اسمه من بعيد ،فابتسمت ،و بعد أيام قالت له اسمها بعد الحاح شديد منه :داليا .واحمر وجهها و ً ركضت بعيدا. 52 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها قال ورقة حينها لنفسه :ورقة وداليا ،يا له من تناغم بال حدود. ً متخفيا من عصبة القنباز.لم ر ومض ريتاقص نف دروب دمشق المرصوفة بحجارة صقيلة ّ ن يكتث الناس لماعة ي ً ن يف الشوارع لرقصه السعيد ،ألنهم كانوا يراقبون شيئا أشد غرابة ،وهو الكامتا المنصوبة من قبل الرجل الغريب قرب السور ،تقوم بتصوير األبراج. لم يكن أحد ليعلم ما يجري ،و ما سيجري ،داليا لم تك لتعلم من هو هذا الشاب الظريف الذي يبتسم لها ً ن ه شقيقة أشد خصومه يف منذ أشهر ،وبدوره لم يكن ورقة عارفا بأن هذه الفتاة الرقيقة مثل نسمة صيفية ي الحياة؛ شقيقة السنونو. ً طبيغ مع من يدخل السنونو الشهت ذاته لم يكن يعلم بأن ورقة ال يزال يتسلل يوميا إىل داخل السور بشكل ي ن الن تتدرب عىل رقصة السيف و ر ر التس الشهتة ،تلك ألنه ببساطة كان يعمل كراقص يف فرقة الرقص الشعن ي ري ن ن ن ن ن ن ر وف حفالت الطهور، الن ال يخلو منها أي بيت يف المدينة يف األفراح و يف األتراح ،يف افتتاح الدكاكي ي الرقصة ي أهاىل أحياء داخل السور و أحياء خارج السور ،ألنها ه الرقصة األساسية لدى جميع ي كانت هذه الرقصة ي ّ محارئ بالد الشام ،حيث يرتدي الراقصون ببساطة ضاربة ن يف عمق التاريـ ــخ ،رقصة تمثل الرسف و العزة لدى ر ي ً ً ً ثياب الحرب التقليدية ،ر التوس و القبضات الجلدية ،و يحمل كل راقص منهم سيفا و ترسا صغتا ،و يبدأ ّ ّ بالدق عىل ر التوس بمرافقة ضارب الطبل الذي تثت نرصباته الهلع ن يف قلوب من الراقصون المتحلقون حولهما ر ر ّ ر الن يعمل بها ورقة والسنونو منذ سنوات بشكل يتفرج عىل هذا العرض الت ي ائ ،الذي تتدرب عليه الفرقة ي جزئ ،إضافة إىل رقصات شهتة أخرى كانت تؤديها فرقة الدبكة.كان هذا قبل أن ريتك السنونو العمل ن يف ي ً الفرقة ،معتقدا بأن ورقة قد غادرها كذلك بعد شجار بينهما. األساسيي الذين سيقومان بالمبارزة و األداء الراقص عىل ايقاع السيوف و ر ن ن التوس، اقصي كان ورقة أحد الر ر و حينما ن سيضب خصمه عىل التس سوف يخرج صوت حاد ،سيعقبه نرصبة من خصمه عىل ترسه هو ،و ً بي ن تتناوب شعة ن سيق المتبارزين ،ر الضبات ن حن تصبح شيعة جدا ،مع ازدياد شعة نرصبات الطبل الذي ي ّ ن يرافقهما ،وتعاىل صيحات عالية من المر ن وحي ينتض افقي تحثهما عىل الحماسة ن يف القتال ،والتبارز، ي ن ن أحدهما ،يضع سيفه عىل األرض يف إشارة إىل عدم رغبته يف التبجح واالنتصار عىل خصمه ،ثم يقبل الرابح ً ر ن الملق عىل األرض و يرده له ،رافعا له يده جبي الخاش ،فيحمل الخصم الذي خرس المبارزة سيف غريمه ً جميعا و ْنقرهم بسيوفهم عىل ر التوس ن يف إشارة إىل انتصار روح التنافس الطيبة ،وسط تهليالت من الحضور ً بصوت عال .وهكذا تتكرر تلك الرقصة دوما. مبارزة حادة ال غالب فيها وال مغلوب. ً ن المتفرجي ،و لكنها كانت تحتاج إىل كانت تلك الرقصة مشهورة جدا ،تثت الحماس ن يف قلوب الحضور و تدريبات كبتة و متتابعة ،فجسد الراقص يجب أن يكون ّلي ًنا ،و قدرته عىل المبارزة بالسيف و ر التس يجب ً ر ر ائ إىل مأساة دموية. أن تكون دقيقة جدا يك ال يتحول الرقص الت ي ن الن تسم فرقة سيف الشام ،كان السنونو يعمل كذلك ،حيث ر ر التق مرات و مرات بورقة من يف تلك الفرقة ي مقربي ،ر ن ن حن انفصمت ُعرى الصداقة بينهما إىل األبد، صديقي أهاىل األحياء إنهما كانا قبل ،بل يقول بعض ً ي ً و خرست الفرقة واحدا من أشد راقصيها حماسة و عنفوانا ،هو السنونو. 53 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ً ً ن الذي تقول عنه الحكايا أنه كان يطت يف الهواء حامال سيفه و يهوي به عىل ترس خصمه فيصدر صوتا أشبه بهزيم الرعد ،يجلجل قلوب من ن يحض ،ر نن ليظي الناظر أن السنونو فتك بخصمه. حن كانت هذه ه لعبة اإليهام الذي تفرضه الرقصةُ ، فالمشاهد ال يدرك بأن ما يفعله الراقصون هو مجرد رقص ي ً ُ حماس عنيف ،خصوصا إذا ترافق مع جمل تحدي و تثوير، شعن متفق عليه ،بل يعتقد الجميع بأنه قتال ي ري ً ن ن من طرف آلخر ،حيث ينقسم أعضاء الفرقة بي الطرفي ليصبح كل راقص متبارز ممثال عن كتلة من ن اقصي ،قبل البدء بالمبارزة الراقصة. الر ً أيضا ينسجم مع الرقصة ،ر نن ليظي الراقص الذي يتبارز معه بأنه ال يرقص ،بل هو يقاتل حن السنونو كان ً فعال ،كانت حركاته عنيفة و قوية ،شاب غاضب ،يمسك بسيف غت حاد ،سيف مخصص للرقص ،و لكن ً ّ ن ن ن شدة إمساكه ر للتس تجعل الفرقة تنظر إليه و كأنه يف ساحة الوىع و ليس يف حلبة نرصباته كانت قوية جدا ،و رقص ن يف أحد األعراس. ً كان أبو دياب صاحب الفرقة ُمدركا بأن السنونو يتعرض لضغوط قوية و قاسية بسبب وفاة والدته ن يف حادث انقالب العربة الذي رماها ن يف النهر فغرقت داخل غرفة العربة ،دون أن يستطيع أحد انقاذها ،كانت حياته ً ً ر المفتض أن يكون هو مرافقا لها ،وليس والده ،ولكنه لم يستيقظ باكرا ن يف ذلك اليوم معلقة بوالدته ،وكان من ً ن األول من عيد األضىح ف يوم زيارة القبور و الر ن احلي .ولكن أبو دياب ذاته كان حذرا من غضب السنونو ً ي دوما ن يفض إىل نهايات حزينة. الدائم ،فالغضب ي حينما علم السنونو برحيل والدته ،انهمرت من عينه دمعة جارفة ،وبدأ بالركض ن يف حواري الشام ،مثل طائر جريـ ــح ،كان لم يبلغ الثالثة عرسة بعد ،ويقول الرواة بأنه لم يتوقف عن الركض بل استمر نف القفز ن بي أسطح ي ً البيوتات المتقاربة ر حن ينال منه التعب فتقد نائما عىل أي سطح قريب يهتدي إليه ،ومن هنا رأئ لقبه ن (السنونو) الذي يضخ مذعو ًرا نف سماء المدينة نف كل غروب شمس ر يختق مع مغيبها . حن ي ي ي وبسبب لياقته و خفة حركته قام أبو دياب بتدريبه عىل الرقص نف الفرقة الشعبية ،وتقدم فيها ر حن أصبح ي األساس ن يف مواجهة ورقة ،القادم من خارج السور. الراقص ي باتت نرصباته و أفعاله ال تتناسب مع هدف الرقصة وهو التسلية والفرجة ،بل أصبحت خطتة عىل رفاقه ن يف الفرقة و عليه هو نفسه. ن ر الن يملكها شقيقه أبو فهد. فاستبعده أبو دياب و طلب منه العمل يف ورشة الحدادة ي وهكذا بدء السنونو بتفريـ ــغ طاقته و غضبه عىل الحديد المنصهر الذائب فينهال عليه نرص ًبا بالمطارق ،ر حن ن وف ورشة أبو فهد ،حصل عىل خنجره األول ،الذي كان يمثل شف كل شاب يحيله إىل الشكل الذي يريده .ي ن يف ذلك الزمن بحسب اعتقاده. اىع بال عصاة. فالشاب بال خنجر هو مثل الر ي ر الدمشق صاحب الخلطة الرسية .وظل يحاول األصىل ،باستخدام الفوالذ أبو فهد علمه كيف يصنع الخنجر ي ي ر حن صنع خنجره الصغت بنفسه ،و أطلق عليه اسم (الجوري). 54 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ّ ً يختف ،سخطه عىل الدوام كان متجها مثل سهم حاد إىل قلبه ليؤنب نفسه عىل ما فعله مع ولكن غضبه لم ِ ن أمه .كان يعتقد بأنه لو استيقظ و رافقها يف رحلتها ،فلربما كان بإمكانه أن ينقذها. ن ن تأمي الكتى داليا شقيقة مثالية ،هادئة و متفهمة ،تعمل منذ الصباح الباكر ،يك تساعده يف كانت شقيقته ر ً ر يأئ يوما ما و ينتشلها من حياتها الصعبة و يأخذها إىل الحياة الكريمة ،وتحلم بفارس أحالمها الذي ال بد أن ي ْ الطيبي.ن مكان أفضل تستطيع منه مساعدة شقيقها و أبيها 4 البندوق ً ً ن يف تلك األيام انطلق المنادي يجوب المدينة و هو يحمل طبال صغتا ،يدق عليه و يضخ بعبارات يؤديها و ْ شطرين يعيدها و يكررها: كأنها أغنية من ّ يا أهل الشام ،يا أهل الشام ،يا أصحاب العفة و الحنان يوم الخميس الجاية فضوا حالكم و روحوا زوروا الخان. وحيد بك عازم الكل ،صغار و كبار و نسوان. الىل رح يجننكم جنان. عىل االحتفال الكبت ي كانت دعوات المنادي رتتدد نف كل األزقة و الحارات ،الشبابيك ُتفتح ر متافقة بابتسامة كبتة فالمدينة ال ي تشهد مثل هذه االحتفاالت كل يوم ،الفتيات خلف الشبابيك ،أصحاب المحالت ،الباعة الجوالون ،الرجال ُ ينده عىل االحتفال الكبت الذي والنساء ،الشبان و الفتيات ،جميعهم ابتسموا حينما سمعوا صوت المنادي ّ ينتوي أن يقيمه وحيد بك و هو تاجر ثري من أعيان المدينة ،بعد أن ر اشتى الخان و جدد أركانه و غرفه، ن الموسيقيي وتعاقد مع (أبو دياب) زعيم الفرقة الشعبية عىل أداء الرقصات االفتتاحية فيه ،بمرافقة عدد من ن موزىع عصت العرقسوس و الحلويات الشهية. الجوالي من و الباعة ي 55 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ً وكل ذلك مجانا. من أجل هذا ازدادت تدريبات الفرقة ،و ازدادت مرات دخول ورقة إىل داخل السور ،من أجل التحضت ن ن ن بساتي الفاكهة ،يقطف و يقطع و ينقل لالفتتاح الكبت للخان ،ورقة كان يعمل يف أوقات فراغه مع والديه يف ً ن األهاىل (الفارع) وجمعه (الفراريـ ــع) .أبو دياب يسميه الذي و الصغت الفأس استخدام ف ي و يزرع ،كان بارعا ي بنفسه طلب من ورقة أن يتسلل إىل التدريبات فهو يعلم غرور و غضب السنونو من نفسه ،ومن اآلخرين ،و ً شابي ر ن ن أبدا نف أية مواجهة ن ائعي مثل ورقة و السنونو. بي ال يرغب ي ً ً ً ً ً ً ً ن ورقة كذلك كان شابا ملفتا لألنظار ،ذكيا جدا ،و بارعا يف األعمال ،شيعا و خفيفا مثل ورقة شجر تتهادى مع ً ً ن ر الن تنتاب السنونو، رياح الربيع ،لكنه يف ذات الوقت كان قويا و حاسما .لم تكن لديه أحالم الزعامة و القوة ي ً ً ً ن ن ر الن بل كان شابا حالما هادئا ،يرغب يف الوقوع يف الحب ،و الزواج و تكوين أشة صغتة جميلة ،مع محبوبته ي كان يطاردها. ّ الشعن ،وتصادقا ،فالرقص و السيف ،يصنعان عىل الدوام أقوى تعرف الشابان عىل بعضهما ن يف فرقة الرقص ري الصداقات. ر حن جاء ذلك اليوم الذي دخل إىل الفرقة عازف الطبل القوي ،صاحب الحاجب المتصل األسود ،والذي أهاىل الىح لقب ( البندوق) ألنه كان يسكن ن يف أحياء داخل السور ،و لكنه لم يكن من كان يطلق عليه أهل ي ي المدينة. ً البندوق كما يحلو للجميع أن ينادونه ،يمتلك يدا قوية ،تجعل نرصباته عىل الطبل مدوية ،ال مثيل لها ،وكانت ن لديه القدرة عىل ن وف ايقاعات كثتة ،راقصة و حزينة و رتيبة ،حربية و الضب عىل الطبل لساعات طويلة ،ي ً سعيدة .كان البندوق موهوبا بالفطرة ن يف دق الطبول .ومن أجل هذا لم يكن أي عرس ن يف المدينة أو ن يف ريفها ن ر ن الن يعشقها الشبان والفتيات. ال يكون البندوق يف مقدمة العازفي فيه من أجل إحياء األجواء ي ً ً أهاىل خارج السور ،التجار و و السور داخل أهاىل للجميع، صديقا كان ، متواجدا ن يف كل مكان كان البندوق ي ي ن ن ن الجوالي و يأكل الفول مع البسطاء ن يف األرصفة ،يدخل الصناعيي ،يرسب الشاي مع الباعة الفالحي و الخانات الكبتة ويتحدث مثل األغنياء ،و نف ذات الوقت يتواجد حول ّ الدباغات لرساء ما يفيض عن حاجة ي المعلمة بديعة من أثواب لم تنجح ن يف دباغتها و كان البندوق يعيد بيعها من جديد. ً نف تلك األيام ومنذ بداية الشهور الطويلة ر الن دخل فيها البندوق إىل الفرقة بديال عن عازف الطبل السابق، ي ي ً ً ً ً ن ن يبن جسورا أدرك الجميع أن شيئا جديدا سوف يتغت يف الفرقة ،فالبندوق كان ثرثارا ،يصادق الجميع ،و ي للكالم مع الجميع ،ينقل الكالم الشء ن بي األصدقاء ،و يثت الخالفات دون أن يدرك أحد من الشبان ما يفعل. ي كانت عالقة السنونو بالبندوق قوية نف تلك األيام ،يضحكان و يتشاركان الطعام ،ويغادران الفرقة سوية ،ر حن ي ن الشابي باتت ال فكاك عنها. يخال الجميع أن صداقة هذين األفاىع مع ورقة ،ثم يبات البندوق كان يبات ليلة عند راقص ،ويتناول الغذاء عند راقص آخر ،يذهب لصيد ي عنده ن يف خارج السور لعدة أيام. 56 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ً ر حن رأئ ذلك اليوم الذي جاء فيه البندوق إىل الفرقة و هو يحمل عالمة فوق خده األيمن ،شهق جميع ّ ً ُ األصدقاء ،فهذه العالمة ن سطىح عن قصد يك ريتك لديه تعن أن أحدا ما قد علم عليه ،و شطب وجهه بجرح ي ي ً ً ر الخارح حاسما األئ من الباب ر ي أثرا ينال ًمنه أينما ارتحل .و حينما سأله ورقة عمن فعل هذا به ،كان الصوت ي و واضحا: أنا .قال السنونو.ن ُ ّ ُ له البارحة ألنه تجاوز حدود اللياقة ر أكت من ّ أختكم ما لقد جعلت السكي تقب مرة ،من أجل هذا لن أقدر أن ر فعله ،و لكنه نال عقابه. ّ ً مرات ّ حذرته ّ ن "سكين" و أنتم جميعا ومرات ،و حينما تشاجرنا اضطررت أن أعرفه عىل الجوري الصغت ي ُ تعلمون بأن قبل الجوري ال تنش وال يزول أثرها برسعة ،قبلة الفوالذ تذكره عىل الدوام بأنه مخط. يغىل من شدة الغضب ،وبذكائه الخبيث كظم غيظه و ابتلع اإلهانة أمام الفرقة بكاملها بدا وجه البندوق ي وابتسم. ّ ولكنه بدأ بانتقامه بعد يوم واحد ،حينما بدأ ترويـ ــج إشاعات تنال من السنونو ،وتستفزه ،كان انتقامه يتجىل نف زرع بذور الفتنة بينه و ن بي ورقة. ي ً منكبا عىل تكريس الفروقات ن أهاىل خارج السور ،يكيل االتهامات أهاىل داخل السور ،و بي كان البندوق ي ي ُ ألهاىل الداخل بأنهم مغرورون و متغطرسون ،يحبون الكسل و الالعمل ويمارسون البخل و تكديس األموال ي ً أهاىل خارج السور مدعيا أن الطرف اآلخر هو من يقول عنهم إنهم بال نسب ،وإنهم دون سبب ،بينما يشتم ي ً ّ ن ر ه عدم قوم أدئ من ي أهاىل داخل السور ،أجالف و قساة القلوب .ولكن التهمة أو االشاعة ال ين روج لها كثتا ي أهاىل الخارج عىل استخدام السيوف قدرة شباب الداخل عىل العمل باستخدام الفؤوس ،و عدم قدرة ي للمبارزة. الطرفي ،ر حن رأئ ذلك اليوم الذي احتدت األمور ن ن الشعن مثل ِمرجل يغىل ن بي بي وهكذا بدت فرقة الرقص ي ري ن ن األساسيي. اقصي ورقة و السنونو ،وتحول فيه التدريب عىل الرقص إىل شجار كاد يجرح أحد من الر ن ن سء و هو شأن يمنعه األهل قبل الدرك ،و بأن كان جميع الشبان يف األحياء يعلمون أن حمل السكاكي أمر ي ن ن السكاكي اقصي ممن انخرطوا ن يف "عصبة القنباز" يحملون هذا الفعل هو فعل شائن ،ومع هذا كان جميع الر ن خفية عن أهاليهم ،يخفونها خارج البيوت و فيما ن بي شقوق الصخور ،أو يف زوايا األبواب ،و يدخلون بيوتهم ن ه خطيئة المراهقة. مسالمي أبرياء ،كانت هذه ي أما من انتموا إىل "عصبة الفراريـ ــع" فقد كانوا ر أكت راحة ،فهم يحملون الفؤوس الصغتة ن يف عملهم و يتنقلون ُ اليوم ،مع حرصهم عىل عدم دراية أهاليهم بالمهمة األخرى تلك بها ن يف الشوارع عىل أنها جزء من عملهم ي الن ر ر يفتض أنها للعمل فقط ،و ليس اللعب أو التحدي .حيث أنه ن يف ذلك الزمان كانت الفؤوس الصغتة ي ه حمل السالح األبيض ،و تزيد قيمة الشاب أو القبضاي بحسب نوع سالحه ،كانت هذه مفخرة الشبان ي الع ادات مستمدة من زمن الفرسان القديم ،حيث كان الفرسان يتنافسون بأنواع سيوفهم ،و كانت العرب قد أعطت للسيوف ر أكت من اسم ،كداللة عىل أهميته نف الحياة ،و انتقلت هذه العادات ر حن نهايات القرن ي 57 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ن ن للسكاكي أو الخناجر قبل انتشار التاسع عرس حيث اقتض األمر يف زمن البنادق عىل حمل القبضايات الطبنجات (المسدسات) . ن ن اقصي يستخدمون السيوف الخشبية الشعن ،تقوم عىل أن الر وعليه فقد كانت التدريبات يف فرقة الرقص ري ن الخفيفة ،أو الخناجر الكاذبة .و لكن نف ذلك اليوم الذي غاب فيه ُ الشعن ،وقف المعلم يف فرقة الرقص ي ري البندوق و أمسك بالخنجر المعلق نف صدر الغرفة ،حيث تجري التدريبات ،و ّ تأمله بصمت ،مما جعل بعض ي ن ن أعضاء الفرقة يسألونه عن سبب حمله للخنجر ،فقال :إن ما شاهدته يف شوراع المدينة يف حفالت العرس ً ن الكتى حينما كنت صغتا ،كان يوقف القلوب ،كانت النصال تصطك مع النصال يف صليل صارم، الشهتة و ر ّ ن ر الن يحملها الفرسان الحقيقيون ،يف مشهد يبهر النظارة ،و بحيث كان الرسر يلتمع فوق السيوف الفوالذية ي ن يسلب القلوب ،بينما كان الراقصون الحقيقيون يتقافزون يف سيوفهم الثقيلة مثل فرسان العرب القدماء، ن ر أئ ربيعة و لبيد .كان الحضور يراقبون يف ذهول كامل ،و مثل عنتة و الزير و كليب و جساس ،مثل عمرو بن ر ي ن ر ن حقيق، العروسي يدخلون عش الزوجية يف شف كبت ،بعد رصاع كأن الفرسان الذين يرقصون هم من يجعل ي العائلتي ر ْن ن ينتم إىل عائلة العريس، ينتم إىل عائلة العروس عىل الفارس الذي حن ينتض الفارس الذي بي ي ي و من ثم يسمح لهم بالزواج من ابنتهم و أخذها معهم ضمن شوط الرسف و النبالة و الفروسية". بعدها ر اقتح البندوق عىل السنونو و ر الرسش أن ّ يجربا الرقصة باستخدام السيوف الحقيقية ،و تحداهما ن يف ً الرسش ،ر بي السنونو و ر أساسا ،وهكذا وبعلم البندوق بالعداوة و التنافس ن اقتح عليهما أن ينجحا ن يف حملها ّ ن اقصي ،و عىل المبارزة وال رقص ،فاندفع االثنان إىل الساحة حيث تتم التدريبات ،و هناك تحلق الجمع من الر إيقاع طبل البندوق الرتيب ،العميق ،الصارم ،األجوف .انشدت القلوب و العيون إليهما ،وهما يدوران حول ر الن رسمت باللون األسود ن يف منتصف الساحة البيضاء ،المفروشة بالرمل األبيض ،كان الشابان يدوران الدائرة ي ْن ْن صتا عىل حملها ،فالرجولة بالنسبة للفتيان حاملي سيفي من سيوف المعلم ،كان السيفان ثقيالن ،ولكنهما ر ّ نف ذلك السن تكمن نف تحملهما الصعاب أمام األصحاب .دارا و ّ قي ب ن محد ْ ن أعي بعضهما البعض ،كانت تربصا ِ ي ي يحم نفسه ،بينما كانت خطوات كأنه و صدره قرب السيف يحمل و وه واثقة، واسعة، السنونو خطوات ي ً الرسش قصتة و شيعة ،مثل دبور أسود ،ريتقب االنقضاض عىل فريسته ،يحمل سيفه موجها إىل الخلف، من قبضته المعكوسة. وبالفعل اصطكت السيوف ،و تعالت اآلهات ن بي الشبان ،ابتسم البندوق وزاد من شعة الطبل ،و زاد معها ً من حدة التوتر ،كان البندوق يتحكم بإيقاع القلوب ،و يتحكم بلحظة االنقضاض ،و كأنه ّ يست الجميع نياما، وما ه إال لحظات ر حن اشتبكت الرقصة ن يف حسم كامل ،وعىل ذات إيقاع الطبل ،كانت السيوف تتقاطع، ي ْ ّ مرة ،اثنتان ،ثالثة ،عرسة ،عرسين ،بدأ اللهاث يتعاىل من صدور المتبارزين ،وكاد التعب و ألم الذراع أن ينال ن ر ر وف حركة خطتة المست ذؤابة السيف طرف خده ،ن يف حركة شيعة من الرسش ،حن انقض عليه السنونو ي و رشيقة ،بهتت لها أصوات الحضور ،و انبثق بعدها خط أحمر رفيع من خد الرسش األسمر ،تلتها ابتسامة صفراء من البندوق. بعد تلك الحادثة بدأ الرسخ ن بي عصبة القنباز و عصبة الفراريـ ــع يتسع ،وكان خروج الرسش من الباحة بخط ً مؤلما بالنسبة ل ورقة كذلك .الذي ّ تعهد أمام صديقه الرسش باالنتقام له. وأجت السنونو عىل أحمر ن يف خده، ر 58 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها مغادرة الفرقة و العمل لدى أبو فهد الحداد .استشعرت عصبة القنباز رغبة خصومهم باالنتقام فأبعدت الفراريـ ــع عن داخل السور بالكامل ،و كان ما كان. هكذا تعززت عالقة عصبة القنباز مع سكاكينهم ،وأحس جماعة عصبة الفراريـ ــع بأهمية الفؤوس الصغتة. ً ً ن للطرفي حامال عصا الطبل ،يجلس مع التجار عىل أبواب محالهم أو مع الباعة وحده البندوق كان صديقا ن ن عىل العربات الصغتةـ أو عىل أبواب الحمامات مع الشغيلة و العمال ،كان البندوق يف كل مكان ،يف داخل ن األهاىل يستقبلونه بود و محبة كبتْين السور أنشأ لنفسه عالقات ممتازة مع الناس ،و يف خارج السور كان ي ر الن يظهرها للكل. للدماثة ي ً ن ن ر الن كان يعتمد عليها يف اكتساب ثقة الناس كانت ولكنه كان يدفن يف صدره مشاعرا مختلفة ،فنقطة قوته ي ن أنه ال ينتم ألي تعصب ،وبالتاىل هو حر نف صداقاته وتنقالته ن بي داخل السور و خارجه .و لكن يف قرارة ي ي ي ً نفسه كانت تلك ه مشكلته ،فهو ال يريد أن ر يبق وحيدا ،بل يبحث بكل قوته عن انتماء ما يرفع من شأنه. ي نف واحدة من مشاويره ،حمل البندوق عصاه الكبتة ،و ن مض خارج السور نف رحلة لطيفة ن بي أزاهت الصيف، ًي ي كان الصباح نف مستهله بحيث أن أشعة الشمس لم تكن قد استوت فعال ،و قصد ن ن متل ورقة ،الذي يعيش ي ً المش الهادئ ،طرق الباب فخرج إليه ورقة مندهشا من زيارته فيه مع والديه ،وحينما وصل بعد ساعة من ي ً ً الصباحية ،واستقبله استقباال رائعا ،و استبقاه عىل الغداء ،وبعدها جلسا يرسبان الشاي تحت شجرة جوز ن األخض ،هناك تبادل الجانبان أطراف الحديث وسأله ورقة عن االستعدادت الكبتة كبتة ن يف بستان العائلة ً ن ر الن ستقدم للجمهور، الفتتاح الخان ،و تحدث البندوق طويال عن الحفل الضخم ،وعن الفقرات الممتة ي ن ألمائ جديد ،كان يحلم برسائه من اسطنبول ،مخصص للفرق العسكرية ،و لكن تحدث عن نيته لرساء طبل ي ن ورقة كان يشعر أن البندوق يخق سبب زيارته المفاجئة ،واستمر الحديث لساعات بهدوء و سكينة ،ر حن ي ر ن ّ تطرق الحديث إىل زيارات ورقة إىل داخل السور ،وسأله حينها البندوق حول التامه بمقاطعة داخل السور ما عدا تدريبات الفرقة الراقصة ،سأله إن كان يعرف شارع الدباغات؟ ارتبك ورقة ،و أدرك أن البندوق قد لمحه بشكل من األشكال ،قرب باب السالم ،حينما احمرت وجنتا ورقة أدرك البندوق أن الشاب الذي أمامه ُ ّ فاعتف له بأنه لمحه ر الن تنامت إىل ذهنه ه حقيقة ثابتة و راسخة ،ر ر أكت من ي عاشق موله ،و بأن االشاعات ي مرة قرب الدباغات ،وبأنه رأئ يك يحذره من معرفة السنونو ربتدده إىل هناك ،ن يف هذه اللحظة امتقع وجه ً يخق عىل الدوام ما ن دا ،و يدرك بأنه ن يخق. ورقة ،و أدرك ما يخفيه البندوق فهو لم يأتمن جانبه أب ي ي ً كان ورقة ُمدركا بأن ما يفعله هو تجاوز كبت فدخوله إىل داخل السور بعد الشجار الكبت ،هو تحد كبت للسنونو ،مع أن أبو دياب قد تدخل و أعط ورقة الفرصة للدخول إىل التدريبات ،و لكن األخت كان يشتاق ً التاىل و ن يف بقية األيام ،ولكن عشقه و حبه قد ُيفهم عىل أنه تجاوز لمحبوبته فيعاود الدخول متنكرا ن يف اليوم ي عت الطرق التقليدية ،وليس للعادات االجتماعية ،فإن أحب شاب ما فتاة ما يجب عليه أن يتقدم لخطبتها ر عت اللقاءات ن يف الشوارع ،و هذا ما كان يريده ورقة ،وهذا ما أزمع عىل القيام به ،بعد افتتاح الخان. ر ً ً ً شب البندوق الشاي ،وأنه ضيافته وزيارته الجميلة إىل ن ن متل ورقة ،وحمل ن يف يده كيسا كبتا مملوءا بالهدايا ً من فواكه البستان و طفق عائدا إىل داخل السور بعد أن نال مراده وتأكد من أن ورقة واقع ن يف غرام شقيقة 59 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ر ه داليا شقيقة خصمه ،بل احتفظ لنفسه بهذه المعلومة السنونو ،لم ر الن يعشقها ي يخته بالطبع أن الفتاة ي ألوقات الحقة. 5 الخان ن يف يوم االحتفال المخصص الفتتاح الخان الذي قام عىل تجديده وحيد آغا ،فهدم كسوته القديمة و أعاد ُ ترميمه برخام تدمري رائع ،و ن بن فيه ف ْسقية رائعة الجمال ،وفرش أرضيته ببالط أسود رائع و جديد ،و رمم ألكت قدر من الزبائن و الزوار. غرفه الكبتة ،و أعاد تجديد المطابخ و االسطبالت لتتسع ر ُ الكتى ،بسجاد أحمر عىل الطريقة فرشت األرض من مدخل الخان إىل حيث تتوسط الفسقية الباحة ر األلمانية ،و بنيت منصة عالية قرب الفسقية ،يك يصعد المتحدثون ويخاطبون الناس ،بالطبع كان المنادي 60 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ر الن وجهها وحيد بك إىل األعيان و األكابر كانت قد جاب شوارع المدينة بأكلمها ،و لكن الدعوات الخاصة ي كفيلة بحشد عدد كبت من الوجهاء و األعيان والمختار و القائم مقام ،وما إىل ذلك من كبار القوم. ً ن ر الن ستقام يف يوم االفتتاح ،بينما ارتدى الخدم أثوابا تحولت باحة الخان الكبتة إىل ساحة ضخمة للفعاليات ي خاصة وتحلقوا حول الباحة لتقديم المرطبات و األطعمة اللذيذة. ن يف الباحة تجمهر عدد كبت من الناس منتظرين دخول وحيد بك و معه األعيان إلعالن بدء الحفل ،لكن ً ً صوت الصياد الذي اسـتأجره وحيد بك للقدوم و عرض حيواناته كان عاليا جدا مما جعل الناس تلتفت خلفها ً رلتى الضبع المقيد بالجنازير و الذي اقتاده الصياد بفخر شديد وسط األسواق ،وصوال إىل الخان الكبت، ً ر الن التفت وهناك وقف يعرضه بفخر عىل الناس ،كان الضبع شسا يزمجر بغضب و ألم من شدة القيود ي ً حوله ،لكن منظره الغريب جعل الناس وخصوصا األطفال تلتف حوله و تراقبه باستغراب ،بينما كان الصياد يروي حكاية عن قرية بسيطة من قرى القلمون كان أهلها قد تعرضوا لحوادث كثتة بسبب هذا الوحش الكاش ،كان الصياد يبالغ نف تضخيم شاسة الضبع بالطبع ر حن يضخم من قوته و عزيمته ،فهو الصياد العنيد ي ً ن الذي استطاع القاء القبض عىل الضبع الكاش ،الذي شق الخراف و النعاج ،و اختطف الفالحي واحدا إثر ً آخر عىل الطريق الموحش للنبع ،وكان يخدرهم بأن يرش عليهم شيئا من جسده ،فيتحول اإلنسان عىل ً اضيا و هناك ال ر الفور إىل دمية تست خلف الضبع وكأنه يست وهو نائم ،خلف الضبع ر يتبق حن يدخل وكره ر بشء من الضيق حد البكاء ،و بجعل منه سوى العظام ،كانت هذه األسطورة كفيلة بجعل األطفال يشعرون ي ً النساء ممن اجتمعن لمشاهدة الحفل تشعرن بالذعر ،ولكنها كانت كفيلة أيضا بمنح الصياد لقب البطل ً المغوار ،و تتويجه بميدالية البطولة و الشجاعة ،وهكذا كان ر حن أشار له المختار بإبعاد الضبع بعيدا. ن ر الن سيجلس عليها وحيد بك و يف مقلب آخر دخلت الفرقة الرسقية و بدأت بالعزف أمام األرائك الوثتة ي ر موسيق شقية ألهاىل تتمايل عىل أنغام القائم مقام و المختار و غتهم من األعيان و أكابر القوم ،بينما كانت ا ي ر رائعة ر متافقة مع موشحات غنائية صعبة ،وفجأة ومن بعيد بدأت أصوات الفرقة النحاسية تختق سماء ً الحفل ،قادمة من عمق الشوارع البعيدة ،كان صوت األبواق و الباراظانات قويا لدرجة أن أغلب الجمهور ر ً ً متافقا مع الفرقة المتواجد ن يف الحفل ركض خارجا لمشاهدة موكب دخول وحيد بك والمختار و القائم مقام، ً النحاسية وعىل ميمنة و ميرسة الموكب كان حملة الرايات الذين يرفعون عىل الرماح عاليا أعالم الدولة و راياتها. ر الن كانت تست خلف وحيد بك ،كان رفاق ورقة من عصبة الفراريـ ــع يستون ببطء خلف من ضمن الحشود ي ن وه ترقص يف هذا الحفل العظيم ،وبالطبع العسكر واألعيان ،أتوا لمشاهدة صديقهم ورقة و بقية الفرقة ي ن المتجولي و أصحاب األرباب و المهن الصغتة قد كانت النساء و األطفال و أهل السوق من التجار و الباعة سبقوا الجميع ن يف التجمهر. ً ً ر شيئا من السعادة ن بي الناس. الموسيق تبث عىل الدوام الجو العام كان مشحونا بالفرح ،ف دخل الموكب إىل الخان ،و اعتىل وحيد بك و القائم مقام المنصة العالية ،و ر ألق كلمة حماسية ن أثن فيها عىل الشغيلة و شيوخ الصنعة الذين استطاعوا منح المكان صفة جمالية عالية ،و أضفوا عليها من مهاراهم ً جماليات ال تقدر بثمن ،ثم أعلن وحيد بك أن الخان الكبت بصورته الجديدة سوف يكون متاحا للجميع 61 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها وسوف يكون قبلة لجميع المسافرين وعابري السبيل ،وسوف يعمل عىل تنشيط التجارة داخل المدينة وخارجها. األهاىل كلمة وحيد بك بحماس شديد ،فاألحياء كانت بحاجة لمن يضخ فيها األمل و الحياة من استقبل ي جديد بعد ركود السنوات الطوال. ن وما ه إال لحظات ر حن اعتلت الفرقة النحاسية المنصة من جديد واستمرت يف عزف المارشات العسكرية، ي نف هذه األثناء كان السنونو قد وصل برفقة أصدقائه إىل مكان الحفل ،و صعد عىل الفور إىل الطابق الثائن ي ي هناك حيث سيتمكن من متابعة الحفل بهدوء و هو يراقب دون مزاحمة من أحد أو خوف من عسكر. ن يف الزاوية اليرسى للباحة كانت الفرقة الشعبية الراقصة تتجهز للصعود إىل المنصة ،لتقديم الوصلة الرئيسية لرقصة السيف ر والتس المنتظرة ،وكان ورقة يرتدي ثياب الفرقة الجلدية ،و يتجهز تحت إشاف مدير الفرقة، ً ر ن المفتض أن تكون الرقصة األساسية ن اقصي الجدد ،بدال عن السنونو ،وقف البندوق بي ورقة و أحد الر ومن ً حامال طبله و عصاه وهو ينظر إىل أبو دياب ليحدد لهم ساعة الصعود إىل المنصة .و لكن الفرقة النحاسية كانت تحصد اإلعجاب الكبت ،فاختار عريف الحفل أن ريتكهم لعرس دقائق إضافية كاملة. ن الخارح. بتدخي سيجارة ن يف الباب ن يف تلك األثناء طلب البندوق من أبو فهد أن يسمح له ر ي ً فوح بوجود فطلب منه أبو دياب أال يبتعد كثتا ،وحينما وصل البندوق خارج الباب و بدأ بلف سيجارته ،ر ً ً ً جدا ،فالرقصة ر الن كان متمرسا بالقيام بها ،منحت لشاب غته، مستاء السنونو يقف إىل جواره ،كان السنونو ي ً ن و هو وبسبب إرصاره و عناده و رفضه االعتذار من ورقة ،أصبح عامال يف ورشة الحداد أبو فهد ،كان وجه ً ً بدال عن أبو دياب الذي أبعده عن الفرقة. السنونو يستشيط غضبا ،وكأنه اختار أن يواجه البندوق ً ر ن للتدخي ،فرد البندوق بأنه ال فاقتب منه و سأله إن كان يشعر بالسعادة وهو يدخن ،فالسنونو كان كارها ً يشعر بالسعادة أبدا ،مع أن االحتفال بدا ن يف غاية الجمال ،لكنه و ألسباب يجهلها ،كان ن يف حالة نفور شديدة من ورقة! ً ً كان البندوق يعلم جيدا ما يفعل ،و يعرف بالتحديد كيف يثت أعصاب السنونو ،لم يغفر له يوما ما فعله به، أجي من أن يواجهه ،لذلك اختار أن ن و لكنه كان ر ن يضبه بأشد خصومه. فوح السنونو برد البندوق ،فسأله عن سبب استيائه من ورقة؟ ر أجابه البندوق بأنه ال يشعر بالسعادة بوجود شخص من خارج السور تجاوز كل االتفاقات المعقودة ن بي ن العصبتي. وحينما سأله السنونو عن قصده؟ أجابه البندوق بأن عصبة الفراريـ ــع بالكامل منترسة ن يف الحفل ،و بأنهم أتوا ّ ن ر ىع الن يتجول الفراريـ ــع يف األسواق والشوارع ،لذلك ال داع ألن تد ي بأوامر من ورقة .وبأنها ليست المرة األوىل ي التاىل. أنك زعيم شديد ،فكل ما تقوله يذهب هباء ن يف اليوم ي ً ً استشاط السنونو غضبا ،و بدأ ينظر من حوله بغضب باحثا عن أحد من الفراريـ ــع .لكن ابتسامة البندوق الصفراء رفعت من شدة غضبه و جعلته يمسك بياقة قميص البندوق ويشده إىل صدره: 62 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها أنت تعلم أن هذه االبتسامة الصفراء سوف تكلفك الكثت من األلم ،ألم تتعظ من المرة السابقة؟بتحد. قال السنونو ٍ ً لكن البندوق الخبيث ابتسم له ورفع حاجبيه بهدوء ثم قال له :لوكان األمر بيدي لكنت اتعظت و لكن أحدا ال يشعر بأي خوف منك ،ر حن شقيقتك ن يف البيت ال تشعر بالخوف منك! ن يف تلك اللحظة و مع انتهاء كلمات البندوق أحس السنونو بأن العالم يدور وبأن بوابة الخان قد انقلبت إىل ً ن أسفل ،فانتفض السنونو غاضبا ،و رم البندوق عىل األرض ،يف هذه األثناء كان أبو دياب يضخ عىل البندوق ً مناديا عليه يك يلتحق الفرقة ،فالوقت قد حان للصعود إىل المنصة. ً سمع البندوق نداء أبو دياب ،و نهض واقفا. ن ر الكتى أيها الوغد ،ثم ما أدراك بما يجري يف تابع السنونو كالمه بغضب شديد :كيف تتجرأ عىل ذكر شقيقن ر ي البيوت أيها األحمق؟ ً ابتسم البندوق وهو يدبر عائدا إىل الباحة ،ثم قال: ً ْ أنا ال أعلم شيئا ،أنا غريب ،أنا ال أحد ،أنا غت موجود ،و لكن يمكنك سؤال ورقة ،العاشق المت ُبول ،أو يمكنكً سؤال أهل البيت .مش البندوق خمسة خطوات ،ثم التفت إىل السنونو قائال :سأسديك خدمة أختة، كرس أبو دياب ن يف غمده. السيف األبيض موجود خلف ي ً ً ً ن ن افعا عصاة الطبل ر وف اليد األخرى أمسك بالطبل و نرصب مض البندوق إىل الداخل ر الن رفعها عاليا جدا ،ي ي ً ً قوية لدرجة أن جميع من نف الحفل التفت ناحيته ،ر حن الفتيات رصخن وقد وضعن أيديهن عىل نرصبة ي ً قلوبــهن من شدة الخوف ،الحمائم المتكئة عىل حواف قبة الخان فرت مذعورة ،كانت نرصبة البندوق إعالنا منه بقيام الحرب. داليا الرقيقة كانت برفقة زهرات الدباغات روز ونرسين و حبقة ،ريت ر ن قي مشاهدة الحفل و الرقصة. ً استشعر ورقة شيئا من نظرات البندوق ،وصعد مع بقية الفرقة إىل المنصة العالية. األهاىل الذين ينتظرون صعود فرقة كانت الكنبات األساسية مملوءة بكبار الشخصيات ،و حولهم الرايات و ي السيف و ر التس. ً وقف السنونو مذهوال مما سمع ،وبدا وكأنه أصيب بجمود كامل ،كان يراقب البندوق و هو يرفع يده وهو ً شيئا ،ر اقتب منه الدوم يدق عىل الطبل ،دون أن يفعل ري و الخياط ،أمسك الخياط بكتفيه و هزه بقوة كيما يستفيق من غيبوبته ،ثم سأله الدومري بغضب: ماذا حصل؟ ماذا قال لك؟ماذا قال لك؟ أردف الخياط .سوف أقتل هذا األحمق البندوق. 63 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ً ن التنيطة إىل الحفل مزاحما الحضور ،يبحث عن مكان هادئ يك يف هذه األثناء دخل الغريب الذي يرتدي ر يضع كامتته فوق منصة عالية و بدأ بالتقاط صور تذكارية وهو يبتسم. ّ نظر السنونو إىل رفيقيه ،مستذك ًرا ما قاله البندوقّ ، مر شيط حياته برسعة أمام عينيه ،تذكر أمه ،و حادثة ً ُ ن تحم صبة ع قائد وأنه زعيم أنه مدعيا موتها ،تذكر والده ،و تذكر عجزه ،شعر وكأنه كان يلهو يف الحارات ي ن الكتى. الىح ،يف الوقت الذي كان ورقة فيه يضايق شقيقته ر ي ر الحكوائ من بطنه اندفع السنونو برسعة مثل طائر جريـ ــح إىل المنصة ،وكاد أن يقفز فوقها لوال أن أمسك به ي يبك بحرقة .كان الذل يحرق وجهه مع كل دمعة تنهمر من عينيه ،تبعه و منعه عن الصعود .كان السنونو ي صديقاه وأشار الخياط إىل عصبة القنباز المتناثرة هنا و هناك أن اجتمعوا. ً اجتمعت العصبة ،ولكن أحدا منهم لم يقدر أن يفهم ماذا قال البندوق للسنونو. ً ً ً ر الحكوائ شيئا غت طبيعيا من وجه السنونو ،و انتىح به جانبا. استشعر ي ً ً سأله عن حاله ،لكن السنونو قال شيئا واحدا فقط: أريد أن انتقم منه!ر الحكوائ عن قصده ،فأشار السنونو إىل المنصة .إىل ورقة. سأله ي كانت نرصبات البندوق تتعاىل مع بدء دوران الفرقة حول المنصة و ه تدق السيف ر بالتس ،ن وتضب باألقدام ي ر الحكوائ السنونو بالذهاب إىل الرقص معهم بدل أن يغضب. عىل األرض ،كادت الرقصة أن تبدأ حينما نصح ي ر الحكوائ أن السنونو غاضب بسبب إقصائه عن الرقصة ن يف هذا الحفل الكبت ،فنصحه بالدخول إىل اعتقد ي ً ن الرقصة يف نهايتها و تأدية جزء منها رغما عن الجميع ،عىل أن يعتذر من المعلم أبو دياب بعد نزوله. ً هز السنونو رأسه ،و صعد إىل المنصة بعد أن دفع أصحابه بعيدا ،لم يكن أحد من الحضور ليفهم ما الذي جرى ،ر ن مندهشي مما شاهدوا. حن أن أعضاء الفراريـ ــع كانوا صعد السنونو إىل المنصة ،وسط استهجان من أبو دياب .لكن البندوق استمر نف ن الضب عىل الطبل و كأن ي ً شيئا لم يحدث ،نظرات السنونوكانت متجهة إىل ورقة ،فاستشعر األخت بجلل الخطب .فدفع الراقص الذي ً ر ن ن المتحلقي حولهما. قصي المفتض أن يرقص أمامه بعيدا ،و همس له بأن ريتك المركز و يلتحق بالرا كان من صعد السنونو و بدأ بارتداء ثياب الرقص فوق المنصة ،ارتدى الدرع الجلدي و القبضات السوداء حول ّ ً ْن طبيغ ،لكن المعصمي ،كانت نظراته مركزة تقدح شرا ناحية ورقة ،مما جعل الجميع يدرك بأن الوضع غت ي استمرار ن الضب عىل الطبل و ابتسامات البندوق ،ك انت كفيلة بجعل الفرقة تستمر بالدوران التمهيدي للرقصة ،ولكن بنظرات قلقة ،فما الذي يفعله هذا الراقص المطرود من الفرقة ،اآلن ،وهنا ،فوق المنصة، ً ن يف واحد من أهم احتفاالت المدينة ،كان السنونو مبعدا عن الفرقة بطلب و أوامر من المعلم أبو دياب نفسه، و لم يكن ألحد أن يقدر عىل سؤاله عما يفعله اآلن ،ر حن أبو دياب نفسه ارتبك و أشار بيديه لورقة و للجميع ً باالستمرار بالرقص ،فوحيد بك و القائم مقام لم يدركا ما حصل ،و لن يدركا ،ظنا منهما أن صعود السنونو إىل المنصة هو جزء من الرقصة .ثالثتهم فقط كانوا يدركون ما يحصل ،البندوق ،و السنونو ،وورقة .ر حن 64 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ً ً ن انضمت داليا إليهم من مخبأها البعيد يف عمق الجمهور ،حيث أدركت أن أمرا جلال سوف يحدث ،و أن حماقة ما سوف يرتكبها شقيقها األصغر. ً ن ر يلق به يف دوامات الغضب و الحقد ،دون لوهلة شعر البندوق بأن انتقامه من السنونو بات جاهزا ،و ها هو ي ن ر ر تلق به يف السجن لبقية حياته، حن أن يعرف ما يجري ،بالطبع من الممكن أن يقوم السنونو بحماقة ما ي إيقاىع بطء ،ن مرة أخرى ،استمر البندوق ن حيث لن ينجده القدر ّ ٍّ فالضبات بالضب عىل الطبل بقوة وثبات ي ي كانت تمهيدية ،و الرقصة القتالية لم تبدأ بعد ،نف هذه األثناء كانت حدقتاه تتنقالن ن بي السنونو وورقة ،لكنه ي ً ن أيضا لم ينس أن ّ يتلمس الجرح األسود يف وجهه ،الجرح الذي منحه إياه السنونو بغطرسته و غروره ،لم يغفر ً ً ً له البندوق أبدا ما فعل ،وكان ُمضا عىل االنتقام ،ولكن انتقام الغريب يحدث دائما ربتود و غدر. تعن البدء بتغيت إيقاع ن ن ر الضب عىل الطبل. الن ي تنبه البندوق إىل إشارة المعلم أبو دياب ،ي فبدأ يرفع تسارع ن الضبات مع ثبات قوتها ،خيم الصمت عىل الحضور بالكامل ،الفتيات و الرجال و النساء، ر و ر وحن الصياد و الضبع كان الجميع يرقبون الرقصة، حن األطفال ،الفرقة النحاسية و التخت الرس ر يف، السيوف عالية ،و ر التوس تعكس الضوء من الفسحة السماوية. ً قليال من منتصف المنصة ،ر بدأت الرقصة و ر فاقتب ورقة ،أمسك االثنان بأيدي بعضهما اقتب السنونو البعض ،ثم بدآ الدوران حول المركز ،نف تلك اللحظة ّ تنبه ورقة بأن السيف الذي يحمله السنونو ليس السيف ي ً ً المعد للرقص ،أو السيف المثلوم ،كان سيفا جارحا ،فنظر إىل البندوق ألنه كان األقرب إليهما ،فابتسم له، الحقيق أن السنونو يعرف كل سء .ر ر فاقتب منه و همس أثناء أدرك ورقة من نظرات السنونو و من سيفه ي ي الدوران ،قال له: أريدها ن يف الحالل.ً بعيدا ،و استمر نف الدورا ن ،وعىل الفور زاد البندوق ن الضب عىل طبل ،لتفع فانتفض السنونو ،ودفعه ربتسه ي ن األدرينالي ن يف الرقصة ،فضخ السنونو: من مستويات الطاقة و خسئت ،نحن ال ّنزوج فتياتنا خارج السور .انطلقت الجملة من فم السنونو إىل مسمع جميع من ن يف الخان، اثنتي و الثالثة ،ثم ن ن فشهقت النساء والرجال ،و بدأت النصال تلتمع ن تضب بي ورقة و السنونو ،نرصبة و ً مجددا ،كانت الفرقة من حولهما تنقر بسيوفها عىل ر التوس ببعضها ،ويعاد ر ر التوس ن يف إيقاع متناغم التتيب مع الطبل .وسط اعجاب كبت من الحضور و عىل رأسهم وحيد بك .لم يدرك أحد ما الذي يجري ولكن إعجاب الجميع بالرقصة كان خارج توقعات المألوف. ً السنونو قرر أن يشذ عن القاعدة وأن يبدأ المبارزة القوية فورا ،وهكذا تحولت الرقصة عىل الفور إىل مبارزة ً ن حادة ن الشابي ،ورقة كان يحاول أن يمنع السنونو عن إيذائه ،وكان ينظر إىل البندوق طالبا منه تخفيف بي ً إيقاع ن الضبات يك يلتقط أنفاسه ،ولكن األخت فعل العكس تماما ،كان ضارب الطبل يتحكم بالكامل برسعة ْن الطرفي أن يتابعا الحركة بالكامل مع إيقاع الطبل ،لذلك كان ضارب الرقصة والمبارزة ،و كان المطلوب من الطبل يتحكم بالكامل بالسنونو ،وبالتاىل بورقة .البندوق كان يعلم بأن ورقة ضحية ،ولكنه وضع نفسه فن ي ي ً موضع العاشق الذي ر يختق المحرمات فليتحمل نتيجة عشقه إذا. 65 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ً كانت نرصبات السنونو تتخذ منىح أشد قوة و عنفا ،استشعر أبو دياب األمر و بدأ يتحرك باتجاه البندوق، ً ر أوئ من قوة ،و إيقاع ،لم يشعر أحد بأن شيئا ما ولكن السنونو كان يطت و يهوي عىل سيف ورقة بكل ما ي خارج عن الم ألوف سوى هؤالء ،بالنسبة للحضور كانت الرقصة ساحرة ،ومغرقة بالفروسية و الرشاقة، ومتعة كبتة للمشاهدة ،نهض ورقة من عىل ركبيته بعد أن صد نرصبات السنونو األختة و بدأ بالهجوم، ً تسارعت المبارزة ،فورقة مبارز بارع أيضا ،وهو الراقص األول ن يف الفرقة. أريدها ن يف الحالل .قال ورقة.ً نعط أحدا من خارج السور. الي ً ً صائبا ،يجب أن ر يبق السور مقفال و يجب أال يدخل أحد أيها الخائن.أيها الغدار ،اليوم علمت كم كان قراريً منكم إلينا مطلقا. األمر ليس كما تعتقد ،أنا أحبها يا سنونو.قال ورقة بهدوء و هو يتجنب نرصبات الخصم. ً منكبا عىل ركبتيه ر لتلق نرصبة ورقة ،ولكنه حينما سمع ما قاله ورقة ،انتفض كان السنونو ن يف تلك اللحظة ي وطار ن يف الهواء ألمتار عديدة ،وهو يضخ: خسئت.ّ ّ ليتحول إىل انبهار و خيم الذهول و الرهبة عىل الحضور ،كان االعجاب بالرقصة قد تجاوز حدود القبول ْن ْن متمكني. فارسي اس .فالرقصة كانت أشبه بمبارزة من عصور ساحقة ،من ذهول و وقوف فوق الكر ي ر ارتق السنونو مثل طائر حاد األجنحة و رصخ: ّ ْن نصفي. خسئت ،ثم هوى عىل ترس ورقة بسيفه الحاد ،فشقه إىلر ن الن أظهرها السنونو وورقة ن يف مبارزتهما. فاندلع التصفيق بي الحضور من شدة المهارة ي حن أن أبو دياب شعر باإلعجاب من حركة السنونو ،وبرسعة ر ر ألق ربتس جديد لورقة. فتناوله األخت وقال له: ر صديق. اهدأ ياي وحينما سمع البندوق محاوالت ورقة للتهدأة زاد من نرصبات الطبل ،وقوتها ،فازدادت عينا السنونو قوة ً ورهبة ،واتخذ قراره بإنهاء خصمه ،فاندفع راكضا بسيفه نحو ورقة .كانت ابتسامة البندوق ترسق وتتلون ً ر الن سيحصل فيها عىل طبقه باردا ،طبق االنتقام ،وبشكل غريب بلون بر ي تقاىل شير ،ألنه أدرك أنها اللحظة ي ن ر الن يشعر بها بوجوده ولكن راحة ما اجتاحت صدره. بدأ الجرح يف وجهه يحرقه ،وكأنها المرة األوىل ي اندفع السنونو و كأنه يزعق مثل طت يشق السماء ،شعره كان يطت إىل الخلف ،بينما نظرات ورقة كانت ً تستقرئ السالمة ،ر اقتب السنونو منه حينما سمع رصاخ شقيقته داليا .عاليا .نظر الشابان إليها ،ورقة كان 66 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ن بحاجة لمن يذود عنه ،فهو ال يريد االنخراط يف معركة ال هدف لها .كانت الفتاة تضخ بهلع نحو أخيها ،لقد ّ سء و يريد االنتقام بطفولة .و لكن السنونو كان أشع من صوتها ،حينما شق طرف أدركت أنه يعلم بكل ي ن سطىح ساعد ورقة ،فتعالت األصوات المذهولة ف جميع قباب الخان الكبت .و ّ ٍّ عم الصمت. سيفه بشكل ِ ي ي 6 المواجهة. ن الن ساد الصمت المكان برمته ،ر ر حن أن وحيد بك توقف عن شب الشاي الموضوع أمامه يف تلك اللحظة ي ن وكاد أن يختنق به ،ر انتت الدم ونفر من ذراع ورقة ،حينها أمسك الفراريـ ــع المتناثرين يف عموم الباحة بقبضات ً فؤوسهم الصغتة ،واستعدوا للمواجهة مدر ن طبيغ قد حصل. كي أن شيئا غت ي قبل تلك اللحظة اصطكت ع دسة الغريب معلنة التقاط صورة للتاريـ ــخ ،صورة كان فيها شعر السنونو السابح ن يف عكس اتجاه حركته ،أسود طويل ،يتجه ن يف حركة معاكسة التجاه السيف ،كانت تعابت الوجوه تنم عن كل سء ،الذهول و الدهشة ،األلم و الفضول ،االبتسامة الصفراء ن يف وجه البندوق .و الغضب ن يف وجه السنونو، ي ن األلم واألسف يف وجه ورقة. ً ً استطال الصمت ر حن أحس الحضور جميعا بأنه استحال دهرا ،ولم يكرسه إال صوت انفجار هائل ،دوى ن يف ً ً عمق المدينة ،فخر الجميع سجودا بحركة ال إرادية منهم ،وحده السنونو انتصب الهثا ،ينظر إىل غريمه، ر الملق عىل األرض و خيط أحمر ن ن ن انحن البندوق مع الجموع ثم يتف من ساعده ،توقفت نرصبات الطبل و انسل خارج المكان دون أن ينتظر نتائج ما جرى ،هرعت داليا نحو ورقة و أمسكت بوجهه و حينما اطمأنت ً الوىع ،رصخت ن يف وجهه: عليه اندفعت نحو أخيها و أمسكت وجهه ،وهزته ،كان شبه مخدر ،غائبا عن ي ً ن شاهدئ نف الشارع وطلب ن من الزواج، ء، س يحدث لم أعرفه، ال أنا ، أبدا سء بيننا ي ي ي ي أنت أحمق ،لم يحصل يهذا كل ما ن يف األمر. ر سء عىل ما يرام. حينها اندفع ي الحكوائ و أبو دياب إىل ورقة ليتأكدا أن كل ي لكن هدير الجموع و الضاخ الذي عم المكان جعل الحضور ينسون ما جرى ،فقد دخلت سحابة هائلة من ُ الغبار و األتربة غطت الجموع ،حدث جلل ألم بالمدينة .و أصوات الناس خارج الخان ،تعالت عىل الفور، الضبع بدأ بالصياح و العويل ن يف حركة ال إرادية. انطلق الجند و الحرس خارج المكان لمعرفة ما جرى. ً ً كان انفجارا كبتا قد هز السور .وطلب القائم مقام من الجميع العودة إىل البيوت. األجنن أدواته و انسل خارج الخان بهدوء شديد ،بينما تدافعت الجموع خارجة من المكان، لملم الغريب ر ً ي ً مما سبب زحاما شديدا أدى إىل سقوط العديد من الرجال و النساء عىل األرض ،و دوسهم تحت أقدام 67 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ن العاىل ،وحيد بك و القائم مقام والمختار دخلوا إىل إحدى غرف الخان الداخلية الخائفي من االنفجار و صوته ي و أشفوا عىل استالم التقارير من العسس و العسكر. ً ن ن يف تلك األثناء نهض السنونو واقفا عىل قدميه ليجتمع خلفه أعضاء عصبة القنباز ،و انتصب يف مواجهته ن ورقة وخلفه وقف جميع أصدقائه من عصبة الفراريـ ــع ،بينما وقفت داليا يف المنتصف حائرة ،كانت تلهث و ا كلش خصلة من شعرها األحمر قد انهمرت من شالها الملفوف عىل رقبتها ،مثل شالل صغت ينحدر من جبل ي أبيض .رصخت داليا: ما بالكم؟ أتتشاجرون مثل األشقياء أمام القوم كلهم؟ هل تدركون ما تفعلون.غضب السنونو وهمس بكلمات تكاد تتفجر: ً ن تكوئ موجودة ن يف هذه اللحظة. اذهن إىل البيت فورا ،ألن القيامة سوف تقوم اليوم .و ال أريدك أن ي رياستل شبان عصبة القنباز سكاكينهم ن يف استعداد منتظرين كلمة الزعيم ،بينما كانت الفؤوس الصغتة متدلية ُ ن سء سوف سء ي يوح بأن الدماء سوف تسيل يف الخان الكبت .و بأن ال ي من قبضات الفراريـ ــع القوية .كان كل ي ر يعود إىل ما كان عليه ،ر الحكوائ و أبو دياب لم يقدرا أن يلجما غضب هؤالء الشبان. حن ي ومع رصخة من السنونو قفزت عصبة القنباز بالكامل تجاه عصبة الفراريـ ــع ،و اشتبك الفريقان ن يف شجار ً ً عنيف ،السنونو و ورقة كانا ن يف رصاع يدا بيد ،و ساعدا بساعد ،حينما تمكن ورقة من شطب ذراع السنونو ائ ،تمكنا من الخياط كذلك ،مما جعل دماء السنونو تختلط بدماء ورقة ،و استمر الشجار ،الرسش والمرس ر ي و الدومري ،ولكن السنونو حينما شاهد ذراعه احمرت عيناه و ّ هم بالهجوم عىل ورقة ،ازداد القتال ر حن كاد أن ينفلت إىل تطورات ال يحمد عقباها ،ن حي تدخلت داليا ورصخت عىل السنونو وقالت له: تذكر أمك ،تذكر أمنا ،كم كانت ستشعر بالغضب مما تفعله ،لم تكن نتتمن أن تكون كذلك. ً سء ن يف تلك اللحظة .واغرورقت عينا السنونو بالدمع .رم السيف الذي كان يرقص به أرضا ،و توقف كل ي ر تبك غاضبة بالسيف و نظرت إىل أخيها. الن كانت ي ركض .فأمسكت داليا ي اندفع السنونو خارج الخان و هو يلملم جراحه ،كان الفراريـ ــع يطاردونه ،أما أعضاء القنباز فكانوا يلهثون ً ً ر ر الحكوائ الحكوائ تحاوالن إسناد ورقة الذي جرح جرحا بالغا من الشجار .حينها التفت خلفهم ،كانت داليا و ي ي إىل داليا و طلب منها الذهاب إىل البيت ،فهو من سيقود ورقة إىل البيمارستان ،و ستعاه هناك ،لكن داليا فه لم تقم بأي فعل خاط ،وبأنها إن ذهبت إىل البيت فلسوف رفضت بشدة و أرصت أن تكون معهما ،ي يفهم انسحابها عىل أنه خجل من فعلتها. ر الحكوائ إىل ما تقوله و ن أثن عىل فكرتها .سار الثالثة باتجاه البيمارستان .وفجأة تعالت األصوات استمع ي ن بتفجت آخر كبت .حينها شعرت داليا بقلق شديد عىل السنونو ،وقررت أن تذهب يف اتجاه باب المدينة ً الرس ر يف ،حيث الدخان و الرماد الكبت ،بدأت داليا تركض كان انفعالها كبتا ،و قد بدأت تستذكر ذلك الولد ً ويبك باحثا عن أمه، الصغت حسام ،أو كما يطلق عىل نفسه (السنونو) تتذكره حينما كان يسقط عىل األرض ي ً ً ر الن ترفعه عن األرض فورا ،و تكاد ال تقدر أن تحمله ألنها صغتة أيضا، فإن لم يجدها كان يبحث عن داليا ،ي 68 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ر الن تهدأ حينما يشعر فتوجعها ذراعيها و يحمر وجهها ،و لكن ما كان يشد أزرها هو نظراته إليها و أنفاسه ي بوجودها إىل جانبه ،وهو اليوم بحاجة إليها. بدأ الدخان يتصاعد ،كان الناس ريتاكضون عكس اتجاه داليا ،وحدها كانت مندفعة إىل مكان األصوات و ً ً الغبار ،وحينما وصلت لم تجد السنونو و ال أحدا من أصدقائه ،لم تجد أحدا تعرفه. ً ن لكن الصدمة كانت يف أن السور العظيم ،سور المدينة الرائع ،كان جزء منه قد انهار وكأن أحدا ما قد نسفه أو ر ن تبك ،والبعض من الشبان هدمه ،الغبار يمأل المكان و الحجارة تتبعت يف كل ناحية ،وجوه أهل ي الىح كانت ي كانت وجوههم بيضاء من التصاق الغبار بعرقهم أثناء محاوالتهم إلنجاد من ب رق تحت ر التاب و الصخور ي ّ ً عا فالجدار العظيم الذي لم يعرف أحد من ّ عمره و من رفعه كان قد تهدم. الكبتة ،كان المشهد مرو عدد من عنارص الرسطة أمسكوا بشاب غريب و بدأو ابالتحقيق معه و نرصبه و تهديده ،فكان أن ر اعتف عىل الفور بأن من حرضهم عىل وضع المتفجرات ونسف السور هو الغريب ،الذي يرتدي برنيطة ،بل و أعطاهم ً مبلغا من النقود ،لعله يريد البحث عن ن ن كت أو آثار تحت هذا السور الضارب ن يف التاريـ ــخ. نف تلك اللحظة وصل الفراريـ ــع و هم يبحثون عن زعيمهم ورقة ،فلقد ضللهم السنونو ،و ن اختق مثل عصفور ي شيـ ــع تبدد ن بي الغيوم. ن وقفت داليا نف وجههم فسألوها ر ائ: باحتام و هم يضعون أعينهم ن يف األرض ،الرسش و الدومائ و المرس ر ي ي ي يا ست داليا هل رأيت زعيمنا ورقة؟.ابتسمت ن يف قرارة نفسها و ردت: ر ن المشق بال ريب. الحكوائ ،سوف يأخذه إىل ال تقلقوا فهو برفقة العمي ن يف تلك اللحظة انتفض الرسش و رصخ: لكن السنونو سيحاسب ،سيحاسب ،لن نقبل أن يتم االعتداء علينا بهذا الشكل.ائ وبغضب رصخ: حاولت داليا تهدئة الجميع ،لكن المرس ر ي ً أنا سعيد جدا ،فها هو السور الذي تتبجحون به ،قد انهار ،ها هو السور يسقط مثل أحجار بيت قديم الً ر سء اسمه داخل السور و خارجه ،سوف نكون جميعا متساوين. قيمة له ،ومنذ هذه اللحظة لن يبق ي ً ً ن يف هذه اللحظة فرد السنونو أجنحته شاهرا (الجوري) ورصخ عاليا بهم ،أنا هنا ولن يجرؤ أحد عىل محاسبة يحم المدينة و قصص المدينة ،نحن عصبة القنباز ،نحن أهل السور و حراسه ،نحن أهل الشام ،نحن من ي من يحفظ الناس و حكاياهم و أغانيهم. ً ر ن الحكوائ. ائ ن يف ذراعه مشتا إىل وصول ورقة وهو يستند عىل ذراع لكز ي الدومائ صديقه المرس ر ي ي ً أيضا ،ر حن فتيات الدباغات و وحيد بك و القائم مقام وصلوا إىل مكان كان أعضاء عصبة القنباز قد وصلوا التفجت. 69 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها المرسا ر يئ :هل رأيت السور الذي تتفاخر به ،لقد سقط يا سنونو ،سقط .حينها رصخ السنونو: رصخ ِ ً يحم الناس من الغرباء. ك عاليا سوف نعيد بناء السور من جديد ،ولسوف نرفعهي ي ن ر الحكوائ: يف هذه اللحظة رصخ ي ن المعائ ،شغلتم أنفسكم بشجارات و أفكار ال الخاىل من سء بضاعكم ي ي اهدأ أيها الساذج ،لقد دمرتم كل يً ن ن معن لها ،بينما كان الغريب يكيد المكائد لنسف تاريخنا و الحفر يف أرضنا بحثا عن كنوز يريد شقتها ،هل ن ائ ،السور الذي فرحت النهياره هو سور مدينتنا و عزنا و فخرنا ،أما السور الذي بن ِ المرس ر ي أنتم سعداء ،أيا ي يريد رفعه السنونو فهو ليس هذا السور ،ال عالقة لهذا السور بما تقولون و تفعلون ،فأنتم تتصارعون عىل ن ن لألهاىل داخل السور بتميتكم و تفاخركم الفارغ ،ليس للسور و ال سور و جدار يف دواخلكم ،سور بنيتموه أنتم ي أو خارجه أية عالقة بما تقولون أو تفعلون ،أنتم واهمون ،فالسور تاريخنا و حضارتناُ ، سورنا الذي سقط عىل ً ً ن هاماته آالف بل عرسات اآلالف من الشبان دفاعا عن تاريخنا ،هو السور الذي خشخش الغزاة طويال يف ً بحثا عن طريقة لدخوله .وها أنتم تتصارعون عليه ،و تفرقون ن بي داخله و خارجه.أفيقوا و اصحوا، مفاتيحهم ً ر ن و هلموا يدا بيد لتفع السور ونبنيه سوية .وإن كانت لديكم ذرة من احتام لألبدال العظام ،حماة المدينة، فاستفيقوا. ر ر الن فجرت السور و اقتادتهم إىل جوار وحيد بك و هنا اقتبت مجموعة من العسكر ممسكة ببقايا العصابة ي القائم مقام .فتقدم وحيد بك وقال: ً ن السكاكي و الفؤوس الصغتة ،و تمسكوا بدال عنها المطارق الحديدية سء يجب عليكم أن ترموا لكن قبل كل ين ن تميت يشتت شملكم ،ارفعوا رايات العزة لهذه و تبدأو بهدم السور الذي يف دواخلكم ،اهدموا كل فرقة،و كل ن المدينة و لهذا البلد ،اتحدوا ،فلن يفرقكم سور حجري ،بل ما فرقكم و جعلكم الهي عن مؤامرات الغريب هو السور ن يف قلوبكم ،السور الحجري البارد الذي فرق األصدقاء و األشقاء ،وجعلكم تشهرون أسلحتكم ن يف يحم المدينة. وجه بعضكم البعض .بعد ذلك يمكنكم البدء بزراعة شجر الحور الذي ي ً ً ً ً ً بدال عنه أسوارا تحمينا جميعا. تنبهوا أيها الشبان .واهدموا السور ن يف قلوبكم ،حجرا حجرا ،وارفعوا ثم التفت القائم مقام و رصخ بالعسكر :أما أنتم فخذوا هؤالء إىل السجن حيث سيلقون عقابهم بعد محاكمة ً أسا عىل عقب ر حن تجدوا الغريب ،وهاتوه عندي، عادلة .و أنتم ،والتفت إىل بقية الحرس ،اقلبوا المدينة ر ً مطوال. أريد الحديث معه ر نن ر الن ابتسمت ابتسم ي الحكوائ ،ثم التفت إىل السنونو ،وأشار له بالتول ،تردد السنونو ثم نظر إىل شقيقته ي له باإليجاب ،فابتسم لها بطمأنينة ،وقفز من فوق السطح برشاقة كبتة. ً ر الحكوائ بيده ،وأشار إىل ورقة بأن ر يقتب ،فنظر ورقة إىل داليا أيضا ،وإىل القائم مقام فابتسما له، فأمسك ي ر ر ن الماص ،نظر الشابان الحكوائ بيد السنونو وبيد ورقة ودعاهما للمصافحة و نسيان فاقتب ورقة ،أمسك ي ي ر الحكوائ، إىل بعضهما ،كانت الكدمات تمأل وجهيهما .لكن مشهد السور والدمار فيه ،وكلمات وحيد بك و ي جعالهما يتصافحان و يستذكران رقصات السيف و ر التس فيما بينهما .فتعانقا كما لو أنهما لم يريا بعضهما من قبل. 70 التمشاية بين أبواب مدينة دمشق و سورها ن الدومائ عانق فهد. ائ عانق الخياط، بدأ الفراريـ ــع بمعانقة عصبة القنبازِ ، ي الرسش عانق الدومري ،و المرس ر ي فجأة شعر الجميع بالراحة ،وشعرت داليا بأن السور ن يف دواخل هؤالء الشبان بالفعل قد سقط. التفت وحيد بك و القائم مقام ،ورصخا بالجموع :هلموا يجب علينا إعادة الجدار إىل ما كان عليه ،يجب ً علينا رفعه من جديد ،جميعا ،أهل داخل السور ،و أهل خارج السور. ن ن األهاىل يف رفع األحجار وإنقاذ المحالت ابتسمت فتيات الدباغات ،الواقفات يف البعيد تتفرجن .واندفع ي والبيوت المهدمة. ن بينما طلب السنونو أن يأخذ ورقة إىل البيمارستان ،ومن ثم أن يقود عصبة القنباز و الفراريـ ــع يف عملية البحث عن الغريب. وهذا ما كان. ً ً الىح إن الفراريـ ــع اختلفوا مجددا مع عصبة القنباز حول من منهم قد وجد الغريب أوال .ولكن يقول أهاىل ي ي ن ذلك الخالف انته عىل الفور ،ورقص الجميع يف حفل زفاف ورقة عىل داليا .وهناك حصلت أجمل رقصات السيف و ر التس. ً ن ن ن اللياىل حينما ال تتحرك الريـ ــح ،كانوا يسمعون وف ي األهاىل أيضا إنهم يف دروب البساتي الموحشة ،ي ويقول ً ي ن ن نرص ًبا عميقا عىل الطبل ،يزداد ر يختق ،ثم يعاودون سماعه من جديد يف منطقة حن تجفل قلوبــهم ،ولكنه ي أخرى بعيدة. ً ً ر يأئ ويداهمهم ،وبأنهم دوما كان صوت الطبل ال يتوقف ،وكأنه عىل الدوام يذكر الجميع بأن شيئا ما سوف ي مطالبون باالتحاد ن يف وجه طبول الحرب و الفرقة. ّ تمت 71